GMT 1:10:46 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

ردود الفعل ليست بدائل
الخليج الإماراتية

GMT 23:11:00 2009 الجمعة 20 نوفمبر

عصام نعمان
 

تتوالى ردود فعل محمود عباس والسلطة الفلسطينية على الولايات المتحدة و”اسرائيل” مذّ أخفق باراك أوباما في إقناع بنيامين نتنياهو بتجميد الاستيطان بغية استئناف المفاوضات بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية.

 

أول ردود الفعل إعلان السلطة رفض استئناف المفاوضات من دون وقف كامل للاستيطان. ثانيها إعلان عباس عزمه على عدم الترشح لولاية رئاسية ثانية. ثالثها الكشف عن اتصالات واستعدادات لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بإعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة على خطوط 4/6/1967.

 

الغاية المتوخاة من وراء ردود الفعل المتوالية مزدوجة: الضغط على الولايات المتحدة و”إسرائيل” من أجل تجميد الاستيطان بغية استئناف المفاوضات، ومحاولة بناء وضع بديل من الوضع السياسي والدبلوماسي المترهل للفلسطينيين بغية ترفيع مواجهة “إسرائيل” والولايات المتحدة وسائر دول الغرب المؤيدة لهما.

 

ردود الفعل كسبيل للضغط على واشنطن وتل أبيب عمل مشروع وممكن أن يكون مجدياً ولو بحدود ضيقة، لكنه ليس سبيلاً لبناء بديل سياسي ودبلوماسي، حتى لا نقول استراتيجي، من الوضع الحالي البائس. ذلك أن العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً لا يملكون أوراقاً سياسية وازنة تتيح لهم، عند استخدامها، إحداث تغيير نوعي في علاقات القوى السائدة. بالعكس، فإن ما تملكه “إسرائيل” من أوراق سياسية ونفوذ عريض وقدرات عسكرية كفيل بتمكينها من إقامة اوضاع سياسية بديلة من الأوضاع الراهنة في فلسطين المحتلة ودول الجوار المحتلة جزئياً.

 

يقتضي التذكير، بدايةً، بأنها ليست المرة الاولى التي تهدد فيها القيادة الفلسطينية الرسمية بإعلان دولة فلسطينية من طرف واحد. فقد سبق للمغفور له ياسر عرفات أن هدد بإعلان إقامة الدولة الموعودة في التاريخ المحدد لإقامتها في اتفاق اوسلو، وهو 4/5/1999. غير أن زعماء “إسرائيل” رفضوا هذا الخيار وكان أن تصدى واحد منهم اكثر من غيره، يا للمفارقة، لتعطيل استخدامه. إنه نتنياهو الذي كان يتنافس مع إيهود باراك على منصب رئيس الحكومة خلال الانتخابات العامة التي جرت في تلك السنة. فقد شنّ حملة واسعة ضد الخيار الفلسطيني المحتمل أدت إلى صرف النظر عن تنفيذه.

 

من المفارقات اللافتة أيضاً أن باراك كان يواجه في الفترة نفسها مقاومة شرسة من المقاومة اللبنانية لتحرير الشريط الحدودي اللبناني المحتل. المقاومة لم تطرح آنذاك أي خيار أو نهج سياسي أو تفاوضي بل عززت عملياتها القتالية ضد العدو الصهيوني وأكرهته على الانسحاب، بل على الهرب، في 25/5/2000.

 

لماذا نجحت قيادة المقاومة اللبنانية وأخفقت القيادة الفلسطينية الرسمية ضد العدو نفسه وفي الفترة نفسها؟

 

ثمة أسباب عدة لعل أبرزها أن المقاومة اللبنانية تتمتع بإرادة قتالٍ مترعة وقاطعة، وقد ركّزت جهودها على خيار واحد هو مقاتلة العدو بلا هوادة وبنَفَس طويل ما أدى إلى كسر إرادته وإكراهه على الانسحاب. ويتفق مؤرخون ومحللون استراتيجيون عرب وأجانب على أن عرفات أدرك بسرعة دروس التجربة اللبنانية وأبعادها وكانت له حافزاً قوياً لرفض عروض بيل كلينتون وإيهود باراك في كامب دايفيد والتركيز على تفجير الانتفاضة الثانية في خريف سنة 2000. ولا شك في أن قرار عرفات الاستراتيجي ذاك كان السبب الرئيسي الذي حمل القيادة “الإسرائيلي” العليا على تسميمه، فقضى شهيداً شهيداً شهيداً...

 

بصرف النظر عن حظوظ مشروع القرار الذي يجري إعداده لعرضه على مجلس الأمن من أجل إعلان فلسطين دولةً مستقلة بخطوط 4/6/،1997 فإن السؤال الذي يجب أن يقلق أنصار القرار، الذي يقول أبو مازن إنه ليس أحاديا بل هو قرار عربي بموافقة وزراء الخارجية أعضاء لجنة المتابعة العربية، هو: ماذا ستكون ردة فعل “إسرائيل”؟

 

بحسب جريدة “معاريف” (16/11/2009) فإن نتنياهو أعلن في كلمة ألقاها أمام “منتدى صبان” في القدس المحتلة أن سعي القيادة الفلسطينية للحصول على تأييد دولي لإعلان دولة مستقلة سيؤدي إلى تمزيق إطار التسويات القائمة بيننا، وإلى خطوات أحادية الجانب من جهة “إسرائيل”.

 

عبارة “خطوات أحادية الجانب” فسرها مراقبون ومتابعون للمشهد السياسي “الإسرائيلي” بأنها تعني إلغاء اتفاقات اوسلو للعام 1993 من طرف “إسرائيل”. المعلق السياسي في جريدة “هآرتس” المستقلة ألوف بن توقع في مقالته المؤرخة 16/11/2009 “ردة فعلٍ شبيهة بما حدث في سنة 1999 عندما هددت “إسرائيل” بإلغاء الاتفاقيات القائمة بين الجانبين”، وأن نتنياهو “تحدث عن إلغاء هذه الاتفاقات في حال قيام الفلسطينيين بتنفيذ تهديدهم”. مع العلم أن الوزيرين يسرائيل كاتس وعوزي لاندو ردا على مشروع إعلان الدولة الفلسطينية بقرار من مجلس الأمن بضم الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية إلى “إسرائيل”، بل بضم الضفة برمتها إلى الكيان الصهيوني.

 

إلى ذلك، فإن قرار مجلس الأمن بإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس خطوط 4/6/1967 لا يعني على الارض شيئاً. ذلك أن “إسرائيل” تحتل الضفة الغربية برمتها وهي لن تخليها حتى لو اتخذ مجلس الأمن القرار المشار إليه. ثم إن أمريكا تدرك صعوبات تنفيذ القرار المذكور ما يحملها على استعمال حق النقض “الفيتو” لتعطيل اتخاذه.

 

لهذا السبب ولغيره قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تدبير يفك حرجها إزاء الفلسطينيين كما يفك حرج محمود عباس وفريقه وانصاره الذين لا يريدون إلغاء السلطة ومؤسساتها ولا يجدون مصلحة لهم في ذلك. التدبير الممكن اتخاذه في هذا الصدد هو تعديل مشروع القرار المراد تقديمه إلى مجلس الأمن بحيث يتضمن بنداً يقضي بأن يصار إلى تنفيذ أحكامه من خلال مفاوضات تجريها السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” ضمن مهلة محددة. بذلك يعود الطرفان إلى المربع الاول!

 

أما خصوم السلطة الفلسطينية ومحمود عباس وسائر أهل المقاومة كما مجاميع المحبطين والساخطين على امريكا و”إسرائيل” بسبب عقم المفاوضات منذ اتفاقيات أوسلو قبل 18 سنة فإن ما يرضيهم هو العودة إلى التركيز على خيار المقاومة وتعزيزه من خلال:

 

- تحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية في سياق ترميم الوحدة الوطنية وتفعيلها.

 

- تأليف حكومة وطنية جامعة لإدارة شؤون الداخل الفلسطيني في سياق الاستعدادات المطلوبة لإطلاق الانتفاضة الثالثة.

 

- إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون الكيان الوطني، الحقوقي والسياسي، بما هو صانع القرار الوطني والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وإجراء انتخابات ديمقراطية لاختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني.

 

بهذه التدابير الثورية العملية يبني الفلسطينيون بديلاً مجدياً من الوضع الراهن البائس وليس مجرد ردة فعل عابرة.