تصريف الاحتقانات
الخليج الإماراتية
GMT 23:21:00 2009 الجمعة 20 نوفمبر
صالح الخريبي
يذكر مايكل والش في كتابه “شاهد على التاريخ” أن الصحف الأمريكية أثارت ضجة كبيرة أثناء الدورة الأولمبية التي أقيمت في ميونيخ عام 1936 لأن هتلر لم يصافح العداء الزنجي الأمريكي جيسي أوين، الذي فاز بميدالية ذهبية، كما صافح باقي اللاعبين، ولكن جيسي كتب في مذكراته أنه في اليوم الأول للدورة، التقى هتلر بكل اللاعبين، وبدأ بمصافحتهم واحداً واحداً، فاعترضت اللجنة الأولمبية على هذا الإجراء بحجة أنه ينافي البروتوكول، فوافق هتلر على الاعتراض، وتوقف عن مصافحة الباقين، وكنت منهم، وفي اليوم الأخير للدورة استقبل هتلر كل المشاركين فيها، وصافحهم، بل إنه خصّ أوين ببادرة من دون غيره هي أنه لوّح له بيده من بعيد، فرد جيسي التحية له مبتسماً. وحتى الآن ما زال الناس يتحدثون عن “عنصرية هتلر الذي رفض مصافحة لاعب زنجي”، بينما جيسي يقول في مذكراته إن “المعاملة التي لقيتها في ألمانيا أفضل بكثير من المعاملة التي ألقاها في وطني”. ويضيف “عندما عدت إلى وطني، بعد كل الشائعات التي انتشرت عن رفض هتلر مصافحتي، لم يسمحوا لي بالجلوس في المقاعد الأمامية في الحافلة، وجلست في المقاعد الخلفية حيث يجلس الزنوج، واضطررت للبقاء في الأحياء التي يقطنها الزنوج، وإذا كان هتلر لم يصافحني، فإن الرئيس الأمريكي لم يصافحني أيضاً، ولم أتلق دعوة منه إلى البيت الأبيض مع العلم أن انتصاري كان فوزاً لأمريكا”.
ومنذ عقود طويلة تحاول أجهزة الإعلام الغربية استثمار الرياضة لأغراض سياسية، ويذكر سيغموند فرويد في كتابه “الكبت” أن هذا الإحساس المقلق يجري تصريفه بين التسامي السلبي والعدوانية، ويلاحظ يونج، زميل فرويد، وأريك فروم، أن الأنظمة الدكتاتورية في ألمانيا وإيطاليا اعتمدت وسائل مبتكرة لتعميم التسامي والعدوانية.
وفي إسبانيا، حولت سلطة فرانكو مصارعة الثيران إلى رياضة جماهيرية وجعلتها جزءاً من الاستراتيجية الفاشية لتصريف الاحتقانات العامة الناجمة عن الكبت الاجتماعي والفردي. وفي عهد الاستعمار البريطاني للهند شجعت قوات الاحتلال رياضة الكريكيت وحولتها إلى رياضة وطنية. ولعلنا نلاحظ أن أفضل الفرق الرياضية في العالم هي تلك الموجودة في دول أمريكا اللاتينية التي عانت من الأنظمة الدكتاتورية ما عانت، والهدف هو تصريف الاحتقانات الوطنية والشعبية الناجمة عن الأزمات المعيشية والسياسية والاقتصادية ومسؤولية الحكومات عنها إلى المدرجات، بدلاً من أن يدفعها القهر الاجتماعي والسياسي إلى الشارع، بحيث بات المواطن في أمريكا الجنوبية يعتقد أن كل أزماته ستنحل إذا هزّ بيليه شباك الفريق المنافس أو سجل رونالدو هدفاً فيه.
وما يحدث عربياً، من أسف، يتطور إلى ما لا تحمد عقباه، ومن الواضح أن هنالك حملة أمريكية صهيونية تستهدف تفكيك الحالة العربية وتفجيرها، وضرب الهوية الجماعية للأمة العربية، ولذلك تحاول الأجهزة خلق أعداء وهميين تشغل الجماهير العربية بهم، بدلاً من أن تتجه هذه الجماهير الى محاسبة القطط السمان ورجال البنك الدولي والسفارات الأجنبية وتحمّلها مسؤولية سوء أوضاعها. وما ينبغي أن يتذكره المواطن العربي، حيثما كان، هو أن الأزمات في بلاده، من أي نوع كانت سببها سياسي وليس رياضياً.