GMT 17:06:53 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

في الثقافـــة والحداثة
الإتحاد الاماراتية

GMT 23:30:00 2009 الجمعة 20 نوفمبر

حسن حنفي

دعا رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية في القصر الرئاسي تسعة من مفكري العالم، مصر والهند وتشيكيا والسنغال والإكوادور وتركيا والولايات المتحدة الأميركية واثنين من ألمانيا بطبيعة الحال لسماع آرائهم في معنى الحداثة ومستقبلها. كما جلسوا حول مائدة مستديرة ومعهم الرئيس يتصدرها إعلامي مشهور لإدارة النقاش. وحولهم عدد محدود لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من رؤساء الأقسام الثقافية بالشركات الصناعية الكبرى للسيارات وغيرها لسماع النقاش ومنهم من كبار الباحثين في تاريخ العلم والمتخصصين في فلسفة العلوم. فالصناعة لها تاريخ ثقافي. لا تدور في فراغ بل تتحقق في مجتمعات، وتصدّر إلى مجتمعات أخرى لها مفاهيمها للحداثة والعمران. قضى معهم طيلة النهار في جلسات نهارية مغلقة داخل قصر "المنظر الجميل" الذي تحيط به الخضرة والمياه من كل جانب، ومعهم بعض شباب الرئاسة حتى يتأهلوا للإطار الثقافي الذي يعملون به. يستمع الرئيس لمناقشة العلماء ويتدخل باعتباره واحدا منهم، معلقاً، ومستدركاً، بل ومعترضاً. لم يترفع عليهم بل قاطعه البعض واحتد عليه. فكان أشبه بالملك الفيلسوف أو الفيلسوف الملك في المدينة الفاضلة عند أفلاطون والفارابي. تناول الغذاء معهم وعلى مائدتهم كواحد منهم. وتحدث معهم واستمع إليهم كمتعلم منهم أو معترض عليهم كمريد ذكي لهم كما كان الحال عند القدماء في علاقة المريد بالشيخ. بل إن البعض كان يقاطعه غير هياب ولا خواف. لم ينهر أحدا، ولم يعتمد على سلطة وزير الداخلية وأجهزة الأمن. ولم يأمر باعتقاله أو اتهامه بلزوم مكانه لأنه يخاطب الرئيس.

صحيح أن الحرس الرئاسي في مدخل القصر ولكنه لا يتجاوز موظفين، أصابع اليد الواحدة لتفتيش الحقائب كما هو الحال في أي مطار كبير أو صغير. يخلو القصر من رجال الأمن وأجهزته والأسلحة الخفيفة والثقيلة. ولا يوحي بالخوف من الاغتيال أو من الانقلاب أو من الهجوم المفاجئ. يشرح اللوحات الفنية المعلقة على الحوائط وتواريخها، وماذا كان مصيرها سنوات الحرب، وكيف هُرِّبت إلى هولندا. وكيف ترددت هولندا في إعادتها وأعطت ألمانيا بدلا منها أو عوضا عنها. ومتى بُني القصر في القرن الثامن عشر عام 1775. وبدا الرئيس كأنه مرشد سياحي بارع، يفهم كل صغيرة وكبيرة في القصر. فهو يعيش في عمل فني يدرك أهميته. ولا يخشى من يطلع له من وراءها من ينوي له على شر.

لا يعمل بالسياسة بل عليه أن يوقع على القوانين التي يسنها البرلمان وتصدق عليها رئيسة الوزراء. فالشعب وأحزابه والتآلف الحاكم هم من يعملون بالسياسة لأنها مسؤوليتهم أمام الشعب ومن انتخبوهم انتخابا حرا دون تزوير. ولا يعمل بالقوات المسلحة وليس قائدها العام. فهذه لها أهلها المتخصصون فيها. ولم يتدخل في سن القوانين، ولا في اقتراحها ولا في صياغتها ولا في تنفيذها بل يوقع ما يقرره الشعب وممثلوه. ومع أنه اقتصادي كبير، كان رئيسا لصندوق النقد الدولي إلا أنه لا يتدخل في اقتصاد البلاد ولا في كيفية حل الأزمة المالية العالمية وأثرها على الاقتصاد الألماني. فهذا له رجاله المختصون المسؤولون أمام الشعب والبرلمان. وبعد أن تنتهي مدة رئاسته يعود إلى صفوف العاملين بالدولة في ميدان الاقتصاد والمال وهو تخصصه.

وكانت الجلسة المسائية مفتوحة للمدعوين لحوالي مائة وسبعين من السفراء ورجال الدين ورؤساء مراكز البحث العلمي للاستماع إلى حوار بين أربعة من متكلمي الصباح من مصر والهند والسنغال والولايات المتحدة الأميركية حول "مستقبل الحداثة" بإدارة إعلامية من شابة قديرة تعرف تاريخ كل واحد منهم ومؤلفاته وإسهاماته الفكرية.

كان لدى الجميع نبرة التشاؤم بالنسبة للمستقبل، بداية بزيادة الكوارث الطبيعية: البيئة، ودرجة حرارة الأرض، والإنسانية: الجوع، والفقر، والجفاف، والمرض، والأمية، واللاجئين والحروب الأهلية والدماء التي تسيل كل يوم من جرائم العربات المفخخة وقتل الأبرياء. وكان الإصرار على أن الحداثة ليست نموذجاً واحداً هو النموذج الأوروبي القائم على تطور أوروبا في تاريخها الحديث منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر، والعقلانية في السابع عشر، والتنوير في الثامن عشر، والوضعية في التاسع عشر، وأزمة القرن العشرين، حربان عالميتان طاحنتان في أقل من نصف قرن مما أدى بالوعي الأوروبي بالتحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وتدمير مُثل الحداثة، العقل والعلم والتقدم والإنسان مركز الكون إلى العدم والموت وقلب القيم وأزمة العلوم والتفكيك. في حين أن الحداثة في المجتمعات التقليدية لا تعني بالضرورة الانقطاع بين القديم والجديد، والفصل بين الكنيسة والدولة، والقطيعة بين الماضي والحاضر أي الربط بين الحداثة والعلمانية. بل تعني مجرد التحول من القديم إلى الجديد، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن النص إلى الواقع، ومن العقيدة إلى الثورة، ومن الفناء إلى البقاء، ومن النقل إلى العقل. لذلك ارتبط مفهوم الحداثة بمفهوم إعادة البناء كما هي الحال في مقطع "Re" في Revolution, Renaissance, Reform, Reconstruction ، خروج الجديد من القديم بفعل القراءة والتأويل كما فعل المسيح مع اليهودية بإعطائها قراءة روحية وكما فعل الإسلام مع اليهودية والمسيحية بإعطائهما قراءة تتجاوز القانون والمحبة إلى العدل، ومن ملكوت الأرض في اليهودية وملكوت السماء في المسيحية إلى الدولة العادلة، ملكوت الله في الأرض.

يعقد الرئيس هذا الحوار مرة سنويا. وهذا هو الحوار الثالث. ويعد الحوارات الثلاثة للنشر باللغتين الألمانية والإنجليزية. يطرح فيها الأفكار دون أخذ القرارات.

لم يصب الحاضرون، متكلمين ومستمعين، أوروبيين وغير أوروبيين بالخوف. ولا أسمعوه ما يجب أن يسمع، الثناء عليه وعلى صحة أفكاره وسلامة مواقفه. لم يتكبر ولم يعل على أحد. كان متواضعا، مثله مثل الآخرين، هو بشر مثلهم، يخطئ ويصيب بل يخطئ أكثر مما يصيب. وألمانيا هي ألمانيا، مركز الثقل في أوروبا، وقلعتها الصناعية الأولى. طالما تعاون معها المصريون في عصرهم الصناعي، وأملوا فيها لتحقيق خلاصهم من الاحتلال البريطاني، وفي عصر التنظيمات في تركيا وبناء قطار الشرق السريع من برلين إلى بغداد. صحيح أنها تقف اليوم في وجه انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لعنصرية دفينة مازالت راسخة فيها ولصعود حزب النازي الجديد الذي قتل مروة الشربيني. ومازالت تضع الصعوبات أمام حركات الهجرة، ويقف المصريون أمام سفاراتها بالساعات منذ الصباح الباكر بعد تحديد موعد مع موظفيها لطلب التأشيرات، لا فرق بين عامل وعالم. صحيح أنها مازالت تدافع عن حدود الدولة الوطنية التي غزاها بسمارك والأباطرة الألمان من قبله. وتدافع عن أوروبا كجغرافيا لا كتاريخ. فالبحر الأبيض المتوسط وسط أوروبا بضفتيه الشمال الأوروبي والجنوب الأفريقي، الشرق الآسيوي والغرب الأطلنطي. قد يستيقظ الوعي الأوروبي، ويعلم أنه حلقة من حلقات التاريخ تجيء وتذهب، تبدأ وتنتهي، وليست كل حلقات التاريخ التي لا تنتهي.