عائشة سلطان
كانت المرأة تعيش أجمل لحظات عمرها وهي تتابع العرض الراقص الذي يؤديه ابنها على أحد أشهر مسارح نيويورك، وفجأة التفتت إلى زوجها وهمست له: هل ستسامحني ؟ أجاب من خلال دموعه هو الآخر: كيف لا أسامحك وقد أنجبت لي ابنا بهذه الموهبة ؟ ! كان ذلك مشهدا في فيلم سينمائي شاهدته مؤخرا، وبقي حوار البطلين عالقاً في ذهني، حيث يبرع البعض في القفز على أزماتهم بحوارات ذكية وفي وقتها تماما، انه الحديث المهم في الوقت المهم والذي نحتاج له جميعا دون أن ننتبه إليه أو نمنحه كل القوة ليعيد التوازن لحياتنا، نحن بالفعل لا نمنح الحوار بيننا حقه ولذلك فالحوار شبه معدوم على المستوى العام، ربما يعود السبب إلى أن الإعلام لم يعد يثير قضية أو نقاشاً وربما يعود لتراكمات تاريخية!!
الأشياء الصغيرة التي نشترك في حبها كثيرة، والتي نحبها لوحدنا دون أن نسأل إن كان أحد يعشقها كما نفعل هي الأخرى كثيرة، وكما غيرت تلك العبارة حياة زوجين كانا على وشك الانفصال بسبب ابنهما الذي فارقاه طويلا، فإن هناك أشياء تبدو صغيرة في ظاهرها لكنها في غاية الأهمية والدفء وعلينا أن ننتبه لها جيدا ونحن ما زلنا نصر على الاستمرار في نمط الحياة السريع الذي دخلناه لأسباب مختلفة ويبدو أننا ألفناه حتى أعتقدنا أن الحياة الصحيحة والناجحة هي الحياة السريعة الخطو المتلاحقة الأنفاس وإلا فلا حياة.
في صباحات الشتاء يبقى صوت فيروز مطرا لا يحلو الشتاء بدونه، ومن الجميل أنه ما زالت هناك إذاعات باقية على تقليدها القديم والمتمثل في إذاعة أغان ناعمة كرذاذ المطر للسيدة فيروز لمدة ربع أو نصف ساعة مع بدايات الصباح، هذه البداية تمنح اليوم لونا جميلا بالفعل، ولقد لفت نظري أنني في أول زيارة لي للبنان تصورت أن اللبنانيين لا يسمعون سوى فيروز في مطاعمهم ومقاهيهم وفي سيارات الأجرة والسرفيس والمايكروباص، ولكنني سرعان ما اكتشف أنهم لا يسمعونها بالشكل الذي توقعت، فللناس فيما يسمعون مذاهب!
وفي مساءات الشتاء ما زالت جدتي تصر على أن تشرب الحليب بالزنجبيل وشاي الزعتر، وتحاول جاهدة أن تقنع صغار العائلة بفوائد الزعتر والزنجبيل للصدر والصحة عموما، خاصة في الشتاء، لكن صغار اليوم لا يستجيبون ولا يقتنعون كما كنا نفعل في طفولتنا، وهنا أتساءل لماذا كنا أكثر استجابة لأهلنا من أطفال اليوم؟ لماذا هم شديدو التذمر كثيرو الرفض والمعارضة لكل ما يصدر من الكبار؟ أعرف أن التربية اختلفت وأن الزمن كله دار 360 درجة حولنا، لكن يبقى كلام جدتي صحيحاً وعلمياً بالرغم من أنها لا تعرف شيئاً عن مدى علميته.
لنعد إلى ما بدأنا به حديثنا حول الحوار، ولنتساءل حين يجتمع الناس في البيوت المغلقة في أي شيء يتحدثون يا ترى؟ ماذا يطرحون فيما بينهم، هل ما زال الناس يتحدثون عن الزحام والاسهم؟ أم مازالوا يتحدثون عن حقل التجارب الاول في البلد أعني به التعليم على اعتبار أنه لا أحد بعيد عن التعليم والمدارس وما من بيت الا وبه تلميذ أو طالب جامعة؟ هل يتحدثون عن مدارس الغد أم عن الاجازة الطويلة أم عن لقاح انفلونزا الخنازير أم عن اصدقائهم ومعارفهم الذين تأثروا بالأزمة المالية؟ أم أنهم يتحدثون عن أمور أخرى بعيدة عن كل هذا ؟ عن ماذا يتحدث الناس في مجتمعنا ؟ سؤال سنبحث في تفاصيله لاحقاً