لكأن الكرة أصدق إنباء
القدس العربي اللندنية
GMT 0:18:00 2009 السبت 21 نوفمبر
لكأن الكرة أصدق إنباء من الكتب!
مالك التريكي
ذهبت أغلب التعليقات الأسبوع الماضي إلى أن 'الحرب الكروية' الشعواء بين الجزائر ومصر إنما هي دليل إضافي على شدة تخلفنا وهوان شأننا.حيث اعتبر تحول مجرد مباريات رياضية إلى معارك كرامة يبذل فيها الغالي والنفيس وتمد فيها الجسور الجوية أحدث برهان على غفلة الشعوب عن قضاياها الحقيقية وعلى سهولة تلاعب الأنظمة بهذه الشعوب وبراعتها في 'ترقيصها' على أنغام الوطنية الافتراضية وتسييرها على وقع طبول الحروب الوهمية.
ولا شك أن ما رافق مباراتي القاهرة وأم درمان من تعبئة عامة، إضافة إلى الأحداث الهمجية المخجلة، يمكن أن يعد دليلا جديدا على صحة القولة اللاتينية القديمة عن 'الخبز والسرك' باعتبارهما الضرورتين الوحيدتين اللتين تحيا بهما الشعوب.بل الأنكى أن هذه القولة التي وصف بها الشاعر اللاتيني جوفنال ما شهده في عصره من تفاهة الاهتمامات الشعبية (التي كانت من علائم بدء انحطاط روما)، قد أصبحت تنطبق على عصرنا هذا أضعافا مضاعفة.ذلك أن الخبز (أي الحاجيات المادية) والسرك (أي التسلية والترفيه) لم يعودا في عصرنا هذا الضرورتين اللتين تحيا الشعوب بهما، بل يبدو أنهما أصبحا الضرورتين اللتين صارت الشعوب تحيا، وتموت، من أجلهما!
على أنه إذا صح أن الرياضة عموما، وكرة القدم خصوصا، هي أفيون الشعوب، فإن هذا يشمل معظم الشعوب ولا يقتصر على الشعوب العربية. صحيح أن كارثة 'الحرب الكروية' الجزائرية المصرية، التي أجج الإعلام نارها ولم تكترث الأنظمة بإخمادها، تطرح قضية التخلف والغفلة الشعبية والاستغلال السياسي للرياضة.لكن الأصح أن ما تطرحه هذه الكارثة الصادمة، قبل كل هذا وذاك، هو قضية العروبة، أو بالأحرى إشكالية التوتر بين الواقع القطري والمبدإ القومي.
فقد جرت العادة على الاعتقاد بأن الشعوب العربية 'الشقيقة' صادقة في شعورها بالانتماء إلى أمة عربية واحدة ومخلصة في إيمانها بحلم الوحدة العربية، وأن العائق الوحيد أمام تحقيق هذا الحلم الشعبي هو الأنظمة التي لا مصلحة لها في الوحدة ولا حتى في مجرد التكامل الإقليمي. لكن ها أن الحروب الكروية تأتي من حين لآخر لتذكّر بأن الشعوب العربية لا تعرف بعضها بعضا، وهي غير معنية ببذل الجهد اللازم لاكتشاف 'الآخر العربي' (إن جاز التعبير) لأنها مكتفية بالجاهز من التصورات والتحيزات والكليشهات التي لا يقلّ بعضها استعلاء وعنصرية عن الكليشهات التي يحملها معظم الغربيين عن العرب أجمعين (ذلك أن الآخر الغربي لا ينظر إلينا في الأغلب إلا على أننا عرب، بصرف النظر عن الأقطار والجنسيات، حيث لا فرق عنده بين عربي وعربي إلا بالقدرة الشرائية).
بل إن هذه الحروب الكروية تعطي الدليل من حين لآخر على أن هنالك من التضامن بين الأنظمة (التي لا تؤمن بالوحدة والتي لا مصلحة لها فيها) أكثر بكثير مما هنالك من التضامن بين الشعوب (التي من المفترض أنها تؤمن بالوحدة وبأن لها فيها كل المصلحة)!!! وأنّى يكون التضامن بين شعوب وقبائل لا تعارف ولا معروف بينها أصلا! وأنّى يكون الوفاء لفكرة قومية عروبية لا تعلم عنها الأجيال الناشئة شيئا! أنّى يكون الولاء لأمة عربية لم يعد لها وجود إلا في الكتب: أمة يناضل واقع التعصب القطري ضدها نضالا يوميا!
قد تكون الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي محقة في القول إننا ربما نحتاج إلى 'جيش من علماء الاجتماع لفهم مكمن هذا الحقد الدفين الذي يحمله كل عربي للعربي الآخر على الرغم من إيماننا جميعا بالعروبة وحبّنا لبعضنا البعض'.إلا أن الواجب يقتضي الاعتراف بهذه الحقيقة المرّة: وهي أن التاريخ العربي المعاصر لم يطور فعليا أي شرعية وأي وفاء وأي ولاء إلا للكيانات القطرية الأنانية المهزوزة التي أفرزتها تطورات ما بعد الاستعمار ومصادفات البترودولار.فلا عجب إذن أن تكون للمباريات الرياضية كل هذه الأهمية 'المصيرية' في الوعي الشعبي، وأن تنطق كرة القدم، على ما يبدو، بما لا تنطق به الثقافة والسياسة من الحقائق.أي أنه إذا كان واقع الهوية القطرية المغرقة في محليتها والمدججة بفولكلورها قد عطّل، بل أبطل، مبدأ (أو حلم) الهوية القومية العروبية القوية والغنية بتنوعها، وكرّس العجز عن ميز الغريب من القريب والعدو من الصديق، فلا عجب إذن أن تبدو الكرة كما لو أنها، مع المعذرة من أبي تمام، 'أصدق إنباء من الكتب' عما وصلت إليه حال الإخوة الأعداء من عرب هذا الزمان.