GMT 18:38:09 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

كذب على الهواء
أوان الكويتية

GMT 0:15:00 2009 الإثنين 23 نوفمبر

عدنان حسين


بدا المشهد مهيبا، يفرض الاحترام، ويؤكد التقدير. فالمتحدث الذي وقف على المنصة، حرص على أن يظهر بكامل أناقته، مرتديا بدلة مهندمة، وقميصا ناصع اللون، وربطة عنق زاهية، وتصفيفة شعر مرتّبة، وأن يتحدث بلهجة واثقة إلى ما احتشد على المنصة من مايكروفونات القنوات الفضائية، وأجهزة تسجيل الصحف ووكالات الأنباء.. ولزوم إضفاء الصدقية على ما يقول.. وحرص المتحدث أيضا على أن يكون إلى جانبه زميل له يهز رأسه موافقا، ومؤكدا، كلما نطق هو (المتحدث) بكلمة.
حدث هذا في بغداد الخميس الفائت.. والمتحدث هو رئيس اللجنة القانونية (أكرر القانونية وأشدد عليها) في مجلس النواب العراقي بهاء الأعرجي. أما الذي كان يقف إلى جواره هازّا رأسه مع كل كلمة ينطق بها، فهو رئيس لجنة الأمن والدفاع في المجلس هادي العامري.
المناسبة هي ردّ المحكمة الدستورية العراقية على رسالة من مجلس النواب بشأن استخدام نائب الرئيس طارق الهاشمي حقه الدستوري في نقض النسخة الجديدة من قانون الانتخابات، التي رفعها مجلس النواب الى هيئة الرئاسة للمصادقة عليها، حتى يكون القانون نافذاً، وتجري على أساسه الانتخابات المقررة مطلع العام المقبل.
عرض السيد الأعرجي على الصحافيين ورقة رفعها بإحدى يديه، قائلا إنها ردّ المحكمة المتخذ بإجماع أعضائها التسعة، وبحماسة أردف، أن المحكمة ردت بأن «نقض الهاشمي غير دستوري».
كانت تلك كذبة كبرى انطلت على بعض الصحافيين، وعلى معظم الناس، فقد تبين لاحقا أن المحكمة الدستورية لم تطعن في نقض الهاشمي، بل إنها أيدته ضمنا بقولها إن الدستور وقانون الانتخابات لا يميّزان بين فئة عراقية وأخرى، وإنهما يقرران أن يكون لكل مئة ألف نسمة ممثل في البرلمان، ولا فرق في ذلك بين عراقيي الداخل والعراقيين الذين اضطروا للهجرة إلى الخارج. ونقض السيد الهاشمي تركّز على أن النسخة الجديدة من القانون أعطت لعراقيي الخارج على نحو اعتباطي سبعة مقاعد، فيما يُقدّر عددهم بما يتراوح بين 2.5 و3 ملايين نسمة، ما يجعل حصتهم بين 25 و30 مقعدا.
الدستور العراقي النافذ يعطي هيئة الرئاسة المؤلفة من الرئيس ونائبيه الاثنين حق نقض القوانين التي يشرعها البرلمان. وتتمتع بهذا الحق هيئة الرئاسة بأكملها أو بجزء منها.. أي أن كل عضو من أعضاء الهيئة الثلاثة يمكنه نقض القوانين. وينص الدستور أيضا على أن للبرلمان أن يعيد رفع القانون المنقوض إلى الرئاسة مرة ثانية لإقراره، وفي هذه المرة أيضا يحق للرئاسة استخدام حق النقض، فإذا حدث يمكن للبرلمان إعادة رفع القانون إلى الرئاسة، وفي هذه المرة (الثالثة) فقط، لا تكون هناك أي قيمة للنقض الرئاسي سواء كان كليا (الأعضاء الثلاثة) أم جزئيا (واحدا أو اثنين من أعضاء هيئة الرئاسة). ومنذ أسابيع قليلة مرر البرلمان قانونا يتعلق بالامتيازات الإضافية لأعضائه (جوازات السفر الدبلوماسية لهم ولعائلاتهم والأراضي السكنية في مناطق مميزة)، نقضه مجلس الرئاسة مرتين، لكنه أصبح نافذا بعدما أعاد البرلمان رفعه إلى هيئة الرئاسة للمرة الثالثة.
كذب السيد الأعرجي كذبا صريحا ومتعمدا بإعلانه أن المحكمة الدستورية اعتبرت نقض الهاشمي غير دستوري، وكذب معه زميله السيد العامري كذبا صريحا ومتعمدا بموافقته على ما قاله الأعرجي وتأييده له. والسيدان الأعرجي والعامري يمثلان كتلتين كبيرتين في البرلمان العراقي، وهما لا يشكلان استثناء في حال هذا البرلمان، فالعشرات الآخرون من أعضاء كتلتيهما، ومن كتل أخرى، هم من الطراز عينه، كذّابون ومحتالون ومزيّفون للوقائع والحقائق، وما كان لهم أن يدخلوا البرلمان لولا نظام المحاصصة الطائفية والحزبية الذي يكرسه قانون الانتخابات، هذا القانون الذي يدافع عنه الأعرجي والعامري وغيرهما بضراوة، لسبب وحيد يتعلق باحتفاظهم وأحزابهم وجماعاتهم الطائفية بالسلطة والامتيازات.