زيارة السلام على النار الخليجية - الإيرانية
أوان الكويتية
GMT 0:10:00 2009 الأربعاء 25 نوفمبر
زيارة البرد والسلام على النار الخليجية - الإيرانية
عبدالله السعدون
مهمة، وهادفة جداً الزيارة التي قام بها مؤخراً سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وخصوصاً في مثل هذه الظروف الحساسة والدقيقة للغاية التي تمر بها منطقتنا الخليجية بخاصة، والعربية بعامة.
صحيح أن الزيارة (جاءت تلبية لدعوة إيرانية في الأساس كان تقدم بنا النائب الأول لرئيس الجمهورية الإسلامية محمد رضا رحيمي)، حملت عناوين اقتصادية وتجارية حيوية لمصالح البلدين الجارين، حيث قال سموه مثلاً «إننا سنشهد في المستقبل القريب نمواً في هذا الخصوص، وأبواب الكويت مفتوحة أمام التجار الإيرانيين، وهي ستقدم لهم جميع التسهيلات اللازمة لرفع مستوى التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين».. صحيح ذلك كله، لكن الاختراق الدبلوماسي العالي والإيجابي الذي أحدثته الزيارة بتوقيتها من شأنه حقيقة أن يذيب الكثير من الجليد الظاهر وغير الظاهر بين دول الخليج من جهة.. وإيران من جهة أخرى. وهي إن دلت على شيء، فعلى هذه السياسة الخارجية الحكيمة التي تنتهجها الكويت، بقيادة سمو أميرها المفدى، مع دول العالم عموماً، ودول الجوار خصوصاً، وهي سياسة واقعية مرنة، وسطية، وهادئة في تصويبها، تنطلق من أن الحوار هو سيد الموقف في الأزمات المستعصية وشبه المعلقة.. كما أنه الوسيلة الوحيدة الناجعة التي من شأنها أن تعيد الحقوق للجميع، ولا بديل عنها البتة، وذلك انطلاقاً من واقع أن الحروب لا تولّد إلا المزيد من الأزمات والمزيد من الانغلاق المسمط والمدمر بين الشعوب.
لنكن صرحاء.. لدول الخليج مآخذ جدية،
لا بل صارخة في جديتها على السياسة الخارجية الإيرانية، وممارساتها غير المقبولة، وذلك بدءاً من احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث: طمب الكبرى، وطمب الصغرى، وأبوموسى، ورفضها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للبت بالأمر، كما اقترح ذلك، في المحصلة، رئيس دولة الإمارات السابق المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مروراً بالتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للعراق والبحرين، ووصولا إلى اليمن الآن، من خلال دعم تمرد جماعة الحوثيين، وكذلك دعم دعاة الانفصال في الجنوب اليمني، بقيادة الحزب الاشتراكي، والناطق باسمه هذه الأيام، الرئيس السابق علي سالم البيض، الذي اعترف بالتدخل الإيراني في بلاده، من خلال حديث صحافي قال فيه رداً عن سؤال يتعلق بدعم إيران للمعارضة اليمنية: إننا نتعاون مع الجميع، باستثناء إسرائيل، في سبيل تحقيق أهدافنا برفض تسلّط علي عبدالله صالح وإسقاطه.
أمور التدخلات المباشرة في الشؤون الداخلية للدول العربية هذه، لابد إذاً من أن نتحاور فيها بصراحة وجرأة مع إيران.. حوار الشقيق للشقيق، والجار للجار، ولابد من أن نصل إلى نتيجة سواء بيننا وبينهم، وخصوصاً أنه يجمعنا بهم تاريخ واحد، ودين واحد، وجغرافيا واحدة، وأبدية، وأننا في النهاية لا نريد إلا الخير والتقدم للشعب الإيراني ولإيران الدولة - الأمة.
ولابد من أن نشير هنا إلى أن الإعلام العالمي يضخم جداً الخطر الإيراني على دول الخليج، ويهوّل منه ليل نهار، ولأهداف، طبعاً، غير بريئة، أقلها تحويل أنظارنا عن الخطر الإسرائيلي وحصره بإيران.. أو بالأحرى قلب الحقائق من خلال تصوير أن إسرائيل هي حليف للعرب، خصوصا في الخليج، ضد الأخطار المداهمة الإيرانية، وخصوصاً من خلال امتلاكها الوشيك للسلاح النووي.. هذا ما يقوله الإسرائيليون أنفسهم في إعلامهم.. إلى جانب وسائل إعلام غربية كبرى.. ونحن هنا، بصراحة أيضا، ينبغي أن نفرز في الأمور، ونوضح أبعادها واستهدافاتها الخبيثة، فلا نستعدي إيران في النتيجة البتة.. لكن على إيران أن تساعدنا على ذلك لتصويب الأمور، خصوصاً أن بعض المواقف، أو التباينات السياسية بين إيران وبعض الدول العربية، يتم حرفه وقلبه على السياسة، لجعله يبدو صراعاً دينياً أو مذهبياً بين السنة والشيعة، وفي هذا مقصد الإعلام المشبوه، وصيده الثمين من داخل إسرائيل وخارجها في آن.. وهذا الشر المستطير الذي نرى، وبأم العين، تجلياته الخبيثة، في غير مكان عربي وإسلامي، لا نتخلص منه.. نعم لا نتخلص منه، إلا بمساعدة إيران نفسها. وإذا ما عرفنا أن الكويت أصلاً هي بلد السياسة العقلانية الراجحة، وأن صورتها بالنسبة إلى أشقائها في دول التعاون، وعلى مستوى العالمين العربي والإسلامي، هي صورة ذلك البلد الساعي، وجوهرياً، إلى التضامن والتآزر، وتقريب وجهات النظر، وإزالة كل الألغام الراهنة واللاحقة، وردم الهوات، وأنها البلد الإطفائي الذي يسارع إلى إطفاء الحرائق بكل ما لديه من وسائل وطاقات في هذا الشأن، فإن هذه الزيارة لسمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، يمكن لها أن تكون بالفعل زيارة برد وسلام على العلاقات النارية المتوترة بين الجانبين العربي الخليجي، والإيراني، وبإمكانها نزع الفتائل التي قد تشتعل مباشرة، من هنا وهناك في أي لحظة.. وتلتهم، ليس الطرفين المعنيين هنا فقط، وإنما المنطقة بأسرها، والعالم أيضاً، بما لها من تأثيرات على مصالح الدول كافة.. شرقاً وغرباً.
إن الكويت يمكن أن تضطلع بدور كبير ومركزي جداً في رأب هذا الصدع الإقليمي والدولي الخطير، خصوصاً أنها مقبلة على ترؤس قمة مجلس التعاون، القريبة الانعقاد على أرضها (منتصف الشهر المقبل)، وأنها تتمتع بثقة كامل الأطراف الخليجيين المعنيين.
وينبغي هنا أن نذكر أن سمو رئيس مجلس الوزراء مهتم جداً، لا بل هو متخصص جداً بالملف الإيراني، وبالعلاقات الكويتية - الإيرانية.. وهو يعرف الشخصية الإيرانية في العمق، كونه كان سفيراً لمدة سنوات طويلة في ذلك البلد الإقليمي الكبير، فضلاً عن أنه يعرف ثقافة الشعب الإيراني ومزاجه، وتاريخه العريق في جانبيه الذاتي، والمشترك مع العالم العربي، وسائر البقاع الإسلامية، وتلك مزية ورمزية يمكن أن تضطلعا بها الزيارة من خلال أن الشيخ ناصر شخصية يثق بها الطرف الآخر أيضاً، وبحملها بالتالي أسراراً سياسية كبرى، ويستأمن عليها لدى القادة في الكويت وسائر دول الخليج.
إننا بالفعل أمام زيارة سياسية عربية ودولية تاريخية، وذات أبعاد نوعية، تكسر الجدران السوداء والسميكة التي تعمرت بين جانبي ضفة الخليج، وتفتح على استيلاد علاقات جديدة، عمادها الحوار الحر والجريء حول كل شيء في أزمات المنطقة، للخروج إلى آفاق جديدة، هي في مصلحة المنطقة ودولها والعالم بأسره، لأن هذه المنطقة، كانت ولاتزال، هي رئة العالم، وعصب اقتصاده الخصب من خلال، أولاً: الثروات النفطية والغازية فيها، وثانياً: الموقع الذي تحتله هذه المنطقة في قلب العالم. والزيارة بقدر ما تحمل بشائر خير للجانب العربي، ولاسيما الخليجي منه، هي أيضاً تحمل بشائر خير للجانب الإيراني بأن دولنا مثلاً، وبحكم الجيرة والتاريخ المشترك، والجغرافيا المشتركة، لا يمكن لها أن تكون أبداً خنجراً في قلب الخاصرة الإيرانية، مهما اشتد الحصار الدولي عليها،
والزيارة في رأينا بعد ينبغي أن تكون عنوان تحوِّل جديد في سياسة المنطقة، من وجهة نظر كبار المفكرين، والمحللين السياسيين، العرب والدوليين، ومعهم التيارات السياسية على اختلاف مواقعها وتباينات رؤاها، فضلاً عن قوى المجتمع المدني ومحبي السلام، والعاملين على وأد أشباح ودواعي الحروب الوهمية والواقعية في آن معاً.. وينبغي أن نذكّر في النتيجة أننا، ومهما اشتدت الخلافات السياسية بيننا وبين جيراننا الإيرانيين، لا غنى لنا عن العيش المشترك معهم في المنطقة، أو الجغرافيا الواحدة، وأن كل من يدعو، بالتالي، إلى القطيعة مع إيران، من الجانب العربي.. وكذلك إلى القطيعة مع العرب من الجانب الإيراني، هو مغرض كبير، ومشبوه كبير، إن لم نقل إنه عدو بالفعل لوطنه ولوطن جيرانه، فهو سواء درى بذلك أم لم يدر بصنيعه هذا، يسهم في خدمة أعداء شعوب العالمين العربي والإسلامي، وبخاصة في مثل هذه الظروف الدولية المشبوهة التي لا تستهدف بالفعل من بين شعوب الأرض قاطبة إلاّنا عرباً ومسلمين.. ومن ينظر إلى الخارطة تأتيه الصورة، الجواب على الفور، وأوضح من ضوء الشمس في رابعة النهار.