عدنان حسين
في الحوار الذي أجريته معه الأسبوع الماضي، حاول الرئيس العراقي جلال طالباني تلمُّس بعض العذر لتقصير حكومته في تأمين الاحتياجات والخدمات الأساسية للشعب العراقي، بعد نحو ست سنوات من إسقاط نظام صدام، مصدر كل الشرور والنوائب التي حلّت بالعراق لأكثر من ثلاثين سنة.
الرئيس طالباني أشار الى الخراب الشامل الذي ورثه النظام الجديد من صدام. لكن هذه الحقيقة ليست سوى وجه من وجهي العملة.. الوجه الآخر أن الطبقة السياسية التي تولت حكم العراق بعد صدام لم تكن جديرة بهذه المهمة، وهنا بعض الأمثلة:
- وضعت هذه الطبقة صيغة للحكم تقوم على المحاصصة الطائفية، أثبتت السنوات الست الماضية أنها لا توافق العراق، ولا تناسب رغبات الشعب العراقي، ولا مزاجه ولا مصالحه، وهذا ما جرى التعبير عنه على نحو ساطع في الهزيمة التي مُنيت بها الأحزاب الأكثر طائفية في الانتخابات المحلية الأخيرة (المجلس الأعلى والصدريون والإخوان المسلمون).. لكن هذه الطبقة تتمسك على نحو عجيب بصيغة المحاصصة!! فعدم النجاح في تعيين رئيس لمجلس النواب بعد أشهر من إقالة الرئيس السابق، يرجع إلى أن هذه الطبقة لا تريد إحلال الصيغة الوطنية–المهنية محل الصيغة الطائفية. والبلاد تواجه أزمة كبيرة بسبب هذا النهج، فكل شيء معطل في بلد كل شيء فيه مخرَّب ومدمَّر، ويحتاج إلى أن تعمل حكومته وبرلمانه من أجله أربعا وعشرين ساعة في اليوم.
- على ذكر البرلمان، فإن هذه الهيئة قدَّمت الدليل بعد الآخر على اهتمام الطبقة السياسية بشؤونها الشخصية والحزبية، أكثر من الاهتمام بمصالح الذين انتخبوهم.. فالقوانين المتعلقة بحياة الناس اليومية يتأخر تشريعها، فيما القرارات التي تخص شؤون أعضاء البرلمان تُؤمَّن بسرعة فائقة، مثلما تُؤمَّن أكبر المنافع والامتيازات لهؤلاء الأعضاء. والرئيس المقال لمجلس النواب مُنح راتبا تقاعديا قدره 40 ألف دولار شهريا، أي ما يعادل دخل عشيرة كاملة.. وهذا الرئيس أُقيل (أرغم على الاستقالة) بدعوى أنه غير جدير بمنصبه، وهذه حقيقة مؤكدة وساطعة. والرجل أقرّ بها علنا غير مرة، مؤكدا أنه ما كان ليصل إلى هذا المنصب لولا نظام المحاصصة الطائفية.. وكان الأحرى ألا يخصص أي راتب لهذا الرئيس، أو أدنى راتب، فليس من المعقول أن يُكافأ الموظف غير الجدير براتب تقاعدي فلكي غير مسبوق.
- بعدما حققت حكومته نجاحات ملموسة في إعادة النظام والقانون إلى البصرة وبعض مناطق بغداد وديالى، بدأت تظهر على رئيس الوزراء نوري المالكي علامات النزوع نحو الدكتاتورية، متناسيا أن تلك النجاحات ما كان ممكنا تحقيقها من دون تعاون الشعب الذي ضاق ذرعا بالتصرفات المستهترة للغاية للأحزاب والجماعات الدينية، الشيعية منها والسنية على السواء، ولولا دعم القوات الأميركية والبريطانية، وغافلا ايضا عن أن تلك النجاحات يمكن أن تصبح بسرعة أثرا من الماضي، إن لم تدعم بتعمق الممارسة الدستورية والانصراف الى حل المشكلات الكبيرة التي تواجهها البلاد، وفي المقدمة منها مشكلات الخدمات العامة والبطالة والفساد المالي والإداري والمصالحة الوطنية، فضلا عن مشكلة كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها.. وما انطلاق نوبة جديدة من أعمال الإرهاب الدموية خلال الأسابيع الأخيرة إلا دليل على أن الإرهاب لم يُهزم بعد، وأن على رئيس الوزراء وحكومته أن يتواضعا و«ألا يطوفا على ماي الكروش»، كما يقول العراقيون.. فالمسافة بين ما يريده الشعب العراقي من طبقته السياسية وحكومته، وما تحقق حتى الآن، طويلة جداً.. جداً.