عندما ينطق الرويبضة عون في لبنان
الرأي العام الكويتية
GMT 1:45:00 2009 الجمعة 20 مارس
خيرالله خيرالله
لا شيء ينجح مثل النجاح. لذلك لا يهاجم فاشل من نوعية النائب ميشال عون سوى الناجحين. يفعل ميشال عون ذلك نظراً إلى أن حياته العسكرية والسياسية كانت سلسلة من الهزائم دفع ثمنها لبنان واللبنانيون، خصوصاً المسيحيين منهم. يصح في ميشال عون، عندما يهاجم شخصاً ناجحاً وآدمياً بكل المقاييس مثل الوزير نسيب لحود، وصفه بالرويبضة. وردت كلمة الرويبضة في حديث شريف رواه أبوهريرة. قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ستأتي على الناس سنون خداعة يُصدّق فيها الكاذب ويُكذّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل ما الرويبضة؟ قال: الرجل السفيه يتكلّم في أمر العامة».
ينطق الرويبضة هذه الأيام غير مدرك أن في لبنان سياسياً يحترم نفسه اسمه نسيب سليم لحود. أنه ابن مدرسة خدمت لبنان وأسست للبنان. والده، رحمه الله، كان وزيراً للأشغال (إضافة إلى توليه الخارجية مرتين والتربية مرة واحدة) ووضع الأساس لأهم المشاريع التي عرفها لبنان في أيام الرئيس الرحل كميل شمعون (1952 - 1958). هناك رئيسان مرا على لبنان تركا بصماتهما في كل مكان. أنهما كميل شمعون وفؤاد شهاب. كميل شمعون بنى لبنان الحديث، وفؤاد شهاب بنى الإدارة اللبنانية ووضع الأسس للتنمية في كل الأراضي اللبنانية. لا يوجد مشروع طليعي على علاقة بالبنية التحتية، من سد الليطاني إلى الأوتوسترادات المختلفة، التي تربط بين المدن اللبنانية وبين لبنان والخارج، إلا وكان على ارتباط ما بعهد كميل شمعون الذي كان سليم نسيب لحود وزيراً للأشغال في عهده. لم يكن هناك مشروع تنموي أو خطة اعمارية، أو عملية إصلاح للإدارة وتطوير لها إلا وكان مرتبطاً بعهد فؤاد شهاب. لا يمكن بالطبع تجاهل عهد الشيخ بشارة الخوري الذي بدأت به دولة الاستقلال، ذلك أن الشيخ بشارة كان مع الزعيم الوطني رياض الصلح رجلاً أسس للبنان الحديث وعمل من أجل تكريس الكيان اللبناني وتثبيته في ظروف إقليمية معقدة. فقد كان بشارة الخوري رئيساً للجمهورية ورياض الصلح رئيساً للوزراء عندما تغيّرت خريطة الشرق الأوسط نتيجة قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين والحرب العربية - الإسرائيلية الأولى في العام 1948.
كان لا بدّ من هذه المقدمة لانعاش ذاكرة أولئك الذين لا يعرفون من هو نسيب سليم لحود وإلى أي مدرسة ينتمي، كما لا يعرفون ما الذي فعله الرجل منذ توليه مسؤولية عامة للمرة الأولى. كان أول ما قام به نسيب لحود لدى تعيينه سفيراً للبنان في واشنطن بعد انتخاب إلياس الهراوي رئيساً للجمهورية أن منع شركته، وهي من بين أكبر الشركات العربية في مجال إنشاء المحطات الكهربائية وتحلية المياه والبناء، من تنفيذ أي مشروع في الأراضي اللبنانية. لا حاجة إلى تأكيد كم نسيب لحود نظيف الكف. ولا حاجة إلى تأكيد أنه كان من أنجح السفراء اللبنانيين والعرب في واشنطن، كما لا حاجة إلى تأكيد أنه رفع مستوى النقاش في مجلس النواب اللبناني عندما كان عضواً فيه بين العامين1991 و2005. كان نسيب لحود ناجحاً في كل كل ما قام به. كان رمزاً للاستقامة والصدق والوضوح. كان عنواناً للاستقلالية والابتعاد عن كل ما يمكن أن يسيء إلى لبنان واللبنانيين. عمل بكل بساطة من أجل المحافظة على الجمهورية ومؤسساتها وفاء للمدرسة التي ينتمي إليها. إنها مدرسة الشجاعة، والاستقامة، والاعتدال، والانفتاح على الآخر، والبناء، والاعمار، والتنمية ورفض التبعية لأي كان، وقول كلمة لا حيث يجب أن تقال ومتى يجب أن تقال. هذه أسباب اكثر من كافية ليتعرض النائب ميشال عون للوزير نسيب لحود، لا لشيء سوى لأن ميشال عون لا يملك أي صفة من هذه الصفات التي تميّز نسيب لحود عنه، وعن نوابه ووزرائه وأتباعه الآخرين.
ولكن، ما الذي يمكن توقعه من شخص لا يمتلك من الرجولة سوى صفة واحدة، وهي صفة لبنانية للأسف الشديد تستند إلى مثل شعبي يقول «أن الكذب ملح الرجال»! هل من صفة أخرى، باستثناء صفة الرويبضة، يمتلكها ميشال عون الذي يرتضي أن يكون أداة لدى الأدوات، وأن يحاضر في العفاف لتغطية الأعمال المشينة التي يرتكبها بما في ذلك الاستفادة سياسياً من جريمة اغتيال شيخ الشهداء والشباب الوزير والنائب بيار أمين الجميل؟
لا يحتاج نسيب لحود إلى من يدافع عنه. كذلك لا تحتاج المدرسة المتجذرة في أرض المتن التي ينتمي إليها إلى شهادة في الوطنية من أحد. لم يهرب كما فعل غيره إلى السفارة الفرنسية في بعبدا تاركاً زوجته وبناته في خطر. لم يتمرد على الشرعية اللبنانية فمنع الرئيس المنتخب رينيه معوض من الانتقال إلى قصر بعبدا في العام 1989 مسهلاً عملية اغتياله على يد الأجهزة السورية. لم يبرر، قبل أقل من عام، قتل الضابط الطيار سامر حنا لمجرد أنه حلق في طائرة تابعة للجيش الوطني فوق الأراضي اللبنانية... هل لهذه الأسباب يهاجم ميشال عون نسيب لحود، هل لأنه لا يمتلك أي صفة من صفات الرجل، الرجل، الذي يرأس حزباً يضم لبنانيين من كل الطوائف والمذاهب بعيداً عن أي نوع من أنواع التعصّب والتزمت، هل ذنب نسيب لحود أنه معتدل ومحاط بأفضل اللبنانيين من شيعة، وسنة، وموارنة، وأرثوذكس، وكاثوليك، وآخرين من طوائف ومذاهب متنوعة تمثل المجتمع اللبناني الحي بكل تلاوينه، وأفضل ما فيه؟
كثير على ميشال عون أن يقال عنه أنه جاهل. الجاهل يمكن تعليمه القراءة والكتابة ويمكن افهامه أن نسيب لحود لا يتزلف لأحد كما ليس لاهثاً خلف منصب. لذلك اتخذ الرجل موقفاً في غاية الوضوح من المعركة الانتخابية في المتن عندما قال قبل أيام: «انني كنسيب لحود أشارك فقط في لائحة كان لي اليد في تأليفها. اللائحة التي سأكون فيها أريد أن أكون من المساهمين في تأليفها». كان نسيب لحود في غنى عن موقف من هذا النوع لو كان يريد الوصول إلى النيابة بأي طريقة كان على غرار أولئك النواب الذين يتحلقون حول الجنرال بابتساماتهم الغبية!
مشكلة ميشال عون أنه شبه أمي. أنه يقرأ ويكتب... تقريباً، لكنه لا يفهم ما الذي يقرأه، وفي حاجة دائمة إلى من يمسك بيده عندما يريد أن يخط حرفاً. أشباه الأميين أخطر بكثير من الأميين. انهم يعتقدون أنهم يعرفون في كل شيء، ويحتكرون المعرفة، وأن في استطاعتهم استغباء الآخرين. لا يدركون أن لعبتهم مكشوفة كل الوقت. لا يدرك ميشال عون مثلاً أن هجومه على نسيب لحود لا يستهدف نسيب لحود وحده، بل يستهدف عملياً رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي يعرف قيمة نسيب لحود، ويسعى إلى الاستفادة من خبرته وصفاته الحسنة، خصوصاً خبرته السياسية، ونظافة كفه، واعتداله، وعلاقاته العربية والدولية... التي تشكل كنزاً للبنان وللمؤسسات اللبنانية التي يعمل ميشال سليمان من أجل المحافظة عليها.