GMT 7:32:29 2012 السبت 11 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

فلسطين الامتحان الحقيقي لأوباما
الرأي العام الكويتية

GMT 1:00:00 2009 السبت 13 يونيو

13-06-2009

فلسطين الامتحان الحقيقي لأوباما


خيرالله خيرالله


هل ينجح الرئيس باراك أوباما، من خلال الخطاب الذي ألقاه في القاهرة، في تغيير صورة أميركا في العالمين العربي والإسلامي؟ كل ما فعله أوباما في العاصمة المصرية أنه حاول نقل المعركة الناجحة التي خاضها من أجل الوصول إلى البيت الأبيض إلى ميدان آخر. بدا كأنه يسعى إلى تحقيق النجاح نفسه الذي حققه على الصعيد الأميركي في العالم الإسلامي الكبير الممتد من أندونيسيا إلى موريتانيا. كان بارعاً في اختيار النص، ولكن هل النص المتقن يكفي لإصلاح ما أفسده الدهر... أي ما يزيد على نصف قرن من السياسات الخاطئة، في معظم الأحيان، في منطقة مهمة من العالم؟
لابدّ من الاعتراف بأن الخطاب كان رائعاً وشاملاً في الوقت ذاته، كذلك طريقة الالقاء التي جعلت من باراك أوباما خطيباً لامعاً قلما وجد في العالم من يمكن مقارنته به. كان أسلوب الرجل في الخطابة ومضمون الخطاب نفسه بمثابة مفتاح لقلوب العرب والمسلمين. ولكن يبقى السؤال المطروح هو السؤال ذاته الذي يطرحه الأميركي العادي وهو هل في استطاعة أوباما تحويل مضمون خطابه إلى خطوات عملية تساهم في تغيير العلاقة بين الولايات المتحدة من جهة والعرب والمسلمين من جهة أخرى؟ هناك فارق بين الانتصار في الانتخابات، وخوض معركة انتخابية ناجحة، من جهة وممارسة السلطة من جهة أخرى. ما يزيد في التعقيدات التي تواجه أوباما كونه في حاجة إلى حلول سحرية لمشاكل مستعصية خلفها له جورج بوش الابن إن على الصعيد الداخلي، أو على الصعيد العالمي.
لا شك أن اللغة التي استخدمها الرئيس الأميركي في خطابه، الذي اختار توجيهه من القاهرة، لغة مختلفة. ما يمكن قوله في شأن المضمون أن سياسات أوباما تلتقي أحياناً مع سياسات الإدارة السابقة، وتختلف معها في أحيان أخرى. على سبيل المثال وليس الحصر، لا جديد في ما يتعلق بإيران باستثناء أن أوباما جاهز للدخول في مفاوضات معها في حال كانت مستعدة للتخلي عن برنامجها النووي، وتوفير الضمانات اللازمة التي تجعل منه برنامجاً سلمياً.
بكلام أوضح، أكد الرئيس الأميركي أن إدارته ليست على استعداد للقبول بقنبلة نووية إيرانية. في هذا المجال، يتبين أن لدى أوباما فكرة عن الطموحات الإقليمية لإيران وعن مشاريع الهيمنة التي تصبو إليها وهو لا يستطيع، مثله مثل أي رئيس أميركي، القبول بقوة إقليمية تسيطر على الخليج الغني بالنفط وتجعل أهله يعيشون في حال من الخوف الدائم. ألم يدفع صدّام حسين ثمن عجزه عن استيعاب هذا الواقع، واعتقد في مرحلة معينة أن في استطاعته تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة في منطقة الخليج؟
باختصار شديد، ان رفض تقاسم النفوذ مع أي قوة أخرى في الخليج من ثوابت السياسة الأميركية بغض النظر عما إذا كان جورج بوش الأب، أو جورج بوش الابن، أو بيل كلينتون، أو باراك أوباما في البيت الأبيض. ولذلك، يمكن اعتبار الهم الإيراني همّاً أميركياً قبل أن يكون همّاً إسرائيلياً. وهذا ما يدفع بأوباما في اتجاه اعطاء مهلة، حتى نهاية العام، لإيران كي تقرر ما الذي تريد أن تفعله ببرنامجها النووي.
لم يختلف أوباما مع بوش الابن في شأن إيران. الاختلاف يقتصر على الأسلوب. اختلف معه عندما وصل الأمر إلى النزاع العربي- الإسرائيلي عموماً، والفلسطيني- الإسرائيلي على وجه التحديد. هنا، تبين أن الرئيس الأميركي يعتبر أن في الإمكان إيجاد تسوية على أرض فلسطين تقوم على قيام دولة فلسطينية مستقلة. كان موقف أوباما على نقيض من الموقف الإسرائيلي الرافض لتفكيك المستوطنات، والرافض خصوصاً لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة. لا شك أن الرئيس الأميركي سعى إلى طمأنة حكومة بنيامين نتانياهو إلى أن ما يقوم به يخدم مصلحة السلام في الشرق الأوسط، وحتى مصلحة إسرائيل نفسها على المدى الطويل. ولكن هل حكومة نتانياهو مهتمة بالسلام فعلاً... أم تفضل عليه الاحتلال، وتستخدم البعبع الإيراني للقول ان لديها أولويات مختلفة.
كل ما فعله باراك أوباما من القاهرة هو السعي إلى إقناع إسرائيل بأن ليس في استطاعتها التهرب من استحقاق اسمه الدولة الفلسطينية إلى ما لا نهاية. ستظهر الأشهر القليلة المقبلة مدى جدية الإدارة الأميركية في سعيها إلى تأكيد أنها إدارة مختلفة عن إدارة بوش الابن. فلسطين ستكون الامتحان بالنسبة إلى أوباما الذي يبدو مؤمناً أن التوصل إلى تسوية تقوم على خيار الدولتين أمر ممكن. ما قد يساعد في احباط الرئيس الأميركي استمرار الوضعين الفلسطيني والعربي على ما هما عليه، أي غياب التأييد العربي الواضح والعلني لمواقفه، ومتابعة «حماس» حملتها على السلطة الوطنية الفلسطينية كي تؤمن دعماً لحكومة نتانياهو التي تدعي أن لا شريك فلسطينياً يمكن التفاوض معه ما دام هناك من يطالب بالقضاء على دولة إسرائيل.
نعم، هناك مسؤولية يتحملها أوباما الذي سيتوجب عليه إظهار أنه لم يأت إلى القاهرة لإلقاء خطاب آخر على نسق الخطابات التي كان يلقيها في أثناء الحملة الانتخابية عندما كان مجرد مرشح للرئاسة. ولكن هناك أيضاً مسؤولية عربية وفلسطينية. استطاع الفلسطينيون تشكيل حكومة جديدة لتأكيد مدى جديتهم، ومدى جدية السيد محمود عباس (أبو مازن)، ومدى استعداده للذهاب بعيداً من أجل التوصل إلى تسوية. يفترض في العرب مساعدة أوباما في المواجهة المقبلة بينه وبين نتانياهو. يفترض بهم أن يؤكدوا له أنهم يمتلكون ما يكفي من الشجاعة لتوفير دعم صريح وعلني للرئيس الأميركي ومواقفه. إنه السبيل الوحيد لجعل أوباما الرئيس يتخلى عن صورة أوباما المرشح. في النهاية إن الوصول إلى البيت البيض شيء والعمل الجدي من أجل تسوية تاريخية في الشرق الأوسط شيء آخر. انها مهمة في غاية الصعوبة، ولكنها ليست مستحيلة!