تحديات العراق بعد الانسحاب الأمريكي
محمد السعيد ادريس
ا حتفل العراق رسمياً يوم الثلاثين من يونيو/ حزيران الفائت بانسحاب القوات الأمريكية من مدنه، واعتبر هذا اليوم عيداً وطنياً للعراق استذكاراً لثورة العشرين التي قادتها العشائر العراقية ضد الاحتلال البريطاني عام ،1920 وأخذ هذا العيد اسم “يوم السيادة الوطني”. ورغم أن انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية يعد نوعاً من إعادة الانتشار قبل تنفيذ الانسحاب الكلي في نهاية عام 2011 بحسب تعهدات الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ورغم أن 130 ألف جندي وضابط أمريكي بكامل معداتهم وأسلحتهم ما زالوا في قواعد خارج المناطق المدنية فإن الحكومة العراقية بالغت كثيراً في الاحتفال بالحدث رغم كل مشاعر الترقب والحذر الأمني التي تسيطر على كبار المسؤولين وخاصة رئيس الحكومة نوري المالكي الذي يراهن بتفاؤل على قدرة قوات الجيش والأمن في فرض الأمن وملء فراغ الانسحاب الأمريكي.
لقد تعرضت قوات الأمن العراقية لاختبار صعب بعد ساعات قليلة من إعلان الانسحاب عندما وقع انفجار كبير هز مدينة كركوك وراح ضحيته أكثر من مائة شخص بين قتيل وجريح، كما تعرضت في اليوم ذاته القوات الأمريكية لهجمات أدت الى مقتل أربعة من الجنود الأمريكيين في إشارة مهمة تقول إن هذه القوات ظلت تتعرض للخطر طيلة وجودها على أرض العراق وأن انسحابها خارج المدن لم يكن غير انسحاب اضطراري خشية أعمال المقاومة.
التحديات الأمنية ليست هي كل التحديات لكن سيبقى الاستقرار السياسي العراقي مهدداً في ظل غياب حل سياسي للأزمة الوطنية يحقق مصالحة حقيقية بين التيارات كافة، ومن دون مسؤوليات وأدوار يجب أن تقوم بها الدول العربية ودول الجوار ضمن مشروع عراقي عربي إقليمي يستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في العراق كمدخل لا بد منه للاستقرار الإقليمي.العراق مُقدم خلال الأشهر القليلة القادمة على محطات اختبار صعبة أبرزها بالطبع ترتيبات ما بعد الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق، وقبلها الاستفتاء الشعبي على الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية الذي كان مقرراً له الشهر الجاري، وبعده الانتخابات التشريعية العراقية في يناير/ كانون الثاني المقبل، وبين هذا وذاك تتعرض معظم الائتلافات السياسية العراقية للتفكك، وتتصاعد مخاطر التقسيم في ظل حرص كردي على تحقيق نوع من الاستقلال النسبي ضمن إطار فيدرالي عراقي.
بؤرة الخطر الأمني مستقبلاً ستتركز في كركوك في ظل هواجس ومخاوف أمنية كردية بعد الانسحاب العسكري الأمريكي، وفي ظل تفاقم أطماع السلطة المحلية الحاكمة للإقليم في ضم إقليم كركوك ومناطق أخرى مجاورة للكيان الكردي ضمن مسعى جاد للسيطرة على الثروة النفطية في شمال العراق.
لكن هذا الخطر الأمني مرشح للتفاقم في ظل عجز الحكومة العراقية عن حسم قضية الخروقات الأمنية لأجهزتها، الأمر الذي من شأنه جعل القوات الأمنية ذاتها مصدراً للتهديد نظراً لتأخر القيادات السياسية العراقية كثيراً في حسم مسألتين عاجلتين وهما: تطهير الأجهزة الأمنية من العناصر التي تخرق صفوفها والموالية لمنظمات مقاومة أو منظمات إرهاب، ووقف الفساد والرشوة في وزارات الأمن والدفاع والداخلية، هذ الفساد الذي يسهل الاختراق ويقضي على كل الجهود.
ومع غياب الحلول السياسية للأزمة وفي مقدمتها المصالحة الوطنية والتوقف نهائياً عن ممارسات الاقصاء السياسي ودون الشروع السريع في مشرع وطني لإعادة التعمير والبناء وتيسير عودة النازحين واللاجئين في الداخل والخارج إلى ديارهم، ستبقى الأوضاع مهددة في العراق وسيبقى الخطر قائماً.
هذا الخطر سوف يتفاقم دون وجود مشروع عربي يجري التفاهم حوله مع دول الجوار خاصة إيران والعراق.