هل تكرر حماس تجربة فتح؟
عوني فرسخ
برز موقفان في قراءة خطاب خالد مشعل بدمشق. موقف المتعاطين مع الخطاب بكليته، وبالإحاطة بمضمونه وانتهوا إلى أن رئيس المكتب السياسي لحماس لم يأت بما يخالف ما عرفت به وإن هو أبدى الاستعداد لحوار الإدارة الأمريكية فيما لو ترجم الرئيس أوباما إيجابيات خطابه في القاهرة إلى أفعال ملموسة. وموقف من لم يروا في الخطاب سوى إبراء الاستعداد لحوار الإدارة الأمريكية، وانتهوا للقول إن حماس بهذا الخطاب تكون قد دخلت النفق الذي سبق لفتح دخوله بخطاب الراحل ياسر عرفات في جنيف سنة ،1988 متجاهلين التمايز الكيفي بين مضمون الخطابين والغاية المستهدفة من كليهما.
وبالعودة لخطاب الرئيس عرفات يتضح أنه إنما كان خطاب اعتماد بين يدي الإدارة الأمريكية إذ تضمن إعلام قبوله، باسم منظمة التحرير الفلسطينية، بما كان مطلوباً منها لإلغاء الحظر الأمريكي على الحديث معها، وبخاصة الاعتراف بالقرار 242 ونبذ الإرهاب. ما يعني التخلي عن الكفاح المسلح للتحرير والعودة، والاقرار بمشروعية الوجود الصهيوني داخل حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967. ويذكر شفيق الحوت في مذكراته أن أحد كبار الرأسماليين الفلسطينيين المشاركين في لقاء جنيف كان على تواصل مع الخارجية الأمريكية، وأنه تلقى من الوزير جورج شولتز نص البيان المقبول أمريكياً وقام بترجمته للعربية قبل أن يلقيه أبو عمار. وبالمقابل حرص خالد مشغل على تأكيد التزام حماس بالمقاومة خياراً استراتيجياً، والقول إن الحركة لا تطلب من أحد الاعتراف بها وإنما تشترط الاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني المشروعة بالتحرير والعودة. وليس في خطابه ما يستشف منه القبول بالشروط الأمريكية “الإسرائيلية” على حماس التي تتبناها الرباعية.
هذا في ما يتصل بالتمايز الكيفي بين خطابي القائدين. وهو تمايز إنما يعود بالدرجة الأولى لاختلاف الظروف الموضوعية التي قيل فيها كل منهما. فخطاب الرئيس عرفات صدر بعد الخروج من بيروت بست سنوات، توقفت فيها العمليات الفدائية، ونالت خلالها حياة المنفى وما أثقلها من الفساد والافساد، من بنية المنظمة ومعنويات قادتها وكوادرها ومكانتها الوطنية والقومية. وبالتالي بدا الانفتاح الأمريكي على عرفات والمتكسبين بالدوران في مداره وكأنه خشبة خلاصهم مما كانوا يستشعرونه من الضياع وانسداد آفاق المستقبل بعد خسارتهم كل رهاناتهم غير المحسوبة. فيما جاء خطاب مشعل بعد أقل من ستة شهور من ملحمة الصمود في قطاع غزة، وفشل المحرقة الصهيونية في النيل من إرادة وعزم مقاوميه، أو استعادة قوة الردع التي أبدتها المقاومة اللبنانية صيف 2006. أي في زمن احتلال المقاومة الشعبية زمام المبادرة، والتفاف جماهير الأمة العربية والعالم الإسلامي وأحرار العالم من حولها، بل وصيرورتها الرقم الصعب في معادلة الصراع إقليمياً ودولياً.
ولم يكن المناخ الدولي والإقليمي مواتياً عندما ألقى أبو عمار خطاب اعتماده، إذ كانت الإدارة الأمريكية على عتبة التفرد بالقطبية الدولية، فيما “إسرائيل” تعيش وضعاً إقليمياً غير مسبوق، كنتيجة لخروج النظام بمصر من الصراع والفشل باقامة جبهة عربية مشرقية معوضة لغياب الدور المصري القومي. وإذا كانت “إسرائيل” قد خسرت الحليف الإيراني بسقوط نظام الشاه فإنها لم تكن تشعر بخطر النظام الإيراني الجديد المستغرق بحربه مع العراق. فيما كان النظام العلماني التركي، حليفها التاريخي، متفرداً بصناعة القرار التركي. وبالمقابل يبدو المناخ الدولي والاقليمي غداة إلقاء خالد مشغل خطابه على النقيض تماماً على الصعد الأربعة. فالادارة الأمريكية برئاسة أوباما ورثت ورطة سلفه في أفغانستان والعراق، فضلاً عن تداعيات الأزمة المالية المتفاقمة في شتى نواحي الحياة الأمريكية. فيما التجمع الاستيطاني الصهيوني يعيش أزمة بنيوية كشفها عجزه أمام المقاومة في لبنان وفلسطين، وافتضاح طبيعته العنصرية بالمحرقة على غزة، بحيث لم يعد رصيداً استراتيجياً لرعاته على جانبي الاطلسي بقدر ما صار عبئاً تاريخيا عليهم، مشغولين بتوفير ضمانات “آمنة” واستقراره. وبينما غدت إيران قوة صريحة العداء للكيان الصهيوني، تشهد تركيا تحولات ملحوظة لصالح القضية الفلسطينية، وإن هي لم تسقط تحالف علمانيها التاريخي مع العدو الصهيوني.
والثابت في مختلف تجارب حركات الاستقلال والتحرر الوطني أن الانخراط في مساومة قوى الاستغلال والاستعمار، والاستعداد لتقديم التنازلات عن الثوابت الوطنية، لم يأتيا مطلقاً نتيجة قصور النفس في النضال فقط، وإنما قبل ذلك وأهم منه بفعل الطموح لنيل بعض المكاسب الذاتية.
ولا تبدأ حماس من فراغ، إذ بين يدي قادتها وكوادرها تجربة حية غنية بالعبر، إنها تجربة فتح التي كانت معقد آمال شعبها وأمتها، حين بادرت للكفاح المسلح، واستعادت بذلك الصورة المشرقة للشعب العربي الفلسطيني، واعادت له اعتباره كشعب يخوض معركة التحرر الوطني في مواجهة احتلال عنصري. ولكنها بخياراتها الخاطئة، وبقصورها في توظيف ما توفر لها من امكانات وقدرات ودعم وطني وقومي انتهت لواقعها المأساوي. وفي مقدمة أخطائها الاستراتيجية موضوع الاعتبار بالقول بفلسطينية القضية والصراع، في تناقض مع كون التحدي الصهيوني انما يستهدف الامة العربية من بوابتها الفلسطينية. واعتمادها التفرد بالقيادة في تضاد مع كون القيادة الجماعية والجبهة الوطنية الواسعة أداة المقاومة الناجحة في كل حركات التحرر عبر التاريخ. وعدم إدراك أن التنازلات البسيطة تجر لتنازلات أكبر فيما تصعيد المقاومة وحده الذي يفرض على العدو تقديم التنازلات، وعدم التنبه إلى أن المعركة مع الاستعمار الاستيطاني كانت على الدوام معركة وجود ولا وجود و”مباراة صفرية”.
وفي ضوء ما سبق يتضح أن ظروف حماس هي اليوم أفضل بما لا يقاس بما كانت عليه ظروف فتح حين ألقى عرفات خطابه في جنيف. وعليه فالمسؤولية الوطنية والقومية والأدبية والتاريخية هي اليوم على حماس وقادتها أكبر وأجل إن هم لم يتعظوا بتجربة فتح، ويعززوا قدراتها بقيادة جماعية وجبهة وطنية ملتزمتين بالثوابت التي قامت عليها فتح، واعتمدتها من بعدها حماس، لأنهم من دون ذلك لن يسلموا من مآل فتح المأساوي. والتاريخ قد يكون ملهاة ولكنه حين يستعاد فهو باليقين مأساة كارثية. وهذا هو التحدي الذي يواجهه خالد مشغل وقادة حماس.