التنمية المتوازنة... واقتراحات فهد بن سعد
عبدالله بن ربيعان
كتب الأمير فهد بن سعد آل سعود السبت الماضي مقالة علّق فيها على تصريحات نائب وزير المالية السابق الدكتور صالح العمير للصحافي المؤرخ محمد السيف نشرتها صحيفة «الاقتصادية» في حلقات متتابعة، وقصر الأمير فهد مقالته على التعليق على نقطتين مهمتين وردتا في الحوار، هما ترتيب أولويات موازنة الدولة، والتنمية غير المتوازنة بين المناطق. ولأن الأمير ختم سطوره بحثّ «الباحثين والمختصين في الشأن الاقتصادي على أن يدلوا بآرائهم في هذا الموضوع المهم، الذي يتناول حاضرنا ومستقبلنا»، فسأورد دلوي عساه أن يعود مليئاً من بئر الأفكار التي تثمر وتنضج بالنقاش، لهدف الرقي باقتصاد الوطن.
وأبدأ بالقول إن موضوع ترتيب أولويات الموازنة العامة للدولة، وهو الموضوع الأول الذي تناولته أسطر الأمير فهد يخضع للهدف العام للتنمية، والأخير لدينا غير موجود أو غير واضح البتة، وسأرجئ توضيح غياب هدف التنمية للمقالة المقبلة، لأنه يرتبط أكثر بالموضوع الثاني الذي طرحه فهد. وكما يعلم الجميع، فإن البابين الأول والثاني من الموازنة، وهما الرواتب والمصروفات العامة يخصص لهما الجزء الأكبر من الموازنة (60 إلى 70 في المئة)، فيما يخصص للباب الثالث وهو اعتمادات التشغيل والصيانة حصة تتراوح بين 10 و15 في المئة، وما تبقى (وعادة لا يتبقى شيء) يذهب للباب الرابع وهو المشاريع الجديدة. وخلال فترة الشح وعجز الموازنة العامة للدولة، يكون الأخير مثل اليتيم، لا يُعطى سوى الفتات، وأما خلال فترة الطفرة والفائض فلابد أن يحظى المشروع الجديد قبل التفكير فيه بدعم من وزير المالية.
وأما الطريق الآخر، وهو الأقل بيروقراطية لتنفيذ المشاريع الجديدة، فهو طريق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله، ولك يا أمير أن تعد وتغلط في عدد المشاريع التي نثرها حفظه الله خلال الأعوام الأربعة الماضية شرق البلاد وغربها جنوبها وشمالها. وما أدهشني حقاً هو قولك «والحقيقة أن الاعتقاد السائد أن الخطة الخمسية للدولة ذات أهمية كبرى في العملية التنموية، لكن اتضح من كلامه عكس ذلك، فالخطة ليست مُلزمة، إنما هي استرشادية، وليس بالضرورة تنفيذها بحذافيرها، كما كنا نعتقد بأن ترتيب أولويات الموازنة يتم من خلال جهة واحدة تتولى عملية التنسيق بين الوزارات وبالتالي إقرار الأولويات ومراقبة الأداء».
ولكي أزيدك اندهاشاً، فإن كثيراً من الاقتصاديين (ومنهم كاتب هذه السطور) طالبوا مراراً بإلغاء خطط التنمية الفضفاضة، التي تكون أهدافها واسعة وكبيرة، ولا يتحقق منها شيء في النهاية، وطالبنا باستبدالها بخطط قصيرة ذات أهداف محددة وقابلة للتنفيذ، خصوصاً أننا نعتمد في تمويل مشاريعنا الجديدة على عائد النفط، وفي فترات الانخفاض ودخول الموازنة في عجز متواصل لا يمكن إنجاز مشاريع جديدة، وتبقى خطط التنمية حبراً على ورق، ولكن قاتل الله البيروقراطية.
وأما الحل الذي يطرحه الأمير فهد، وهو «وجود استراتيجية عامة، ووضع خطة متكاملة تغطي أهداف هذه الاستراتيجية لتنمية الدولة في جميع المجالات، عبر إنشاء جهاز مستقل يرتبط مباشرة بالملك، يتولى عملية التخطيط والمراقبة والمتابعة، ويقتصر دور الوزارات على تنفيذ هذه الاستراتيجية والالتزام بخطها العام». وأنا لا أوافقك هذا الطرح، لأننا سنخرج من «مركزية» المالية إلى «مركزية» أخرى، والأجدى (من وجهة نظري) هو تحديد أولوية كل منطقة عن طريق مجلس اقتصادي تابع لإمارتها، يتولى التخطيط والصرف والمراقبة داخل المنطقة التي يتبع لها، ويرتبط بأمير المنطقة مباشرة، فأهل مكة أدرى بشعابها، وكل منطقة تعرف ما تحتاج إليه أفضل من أن تخطط لها وزارة الاقتصاد والتخطيط من مقرها في الرياض، كما أن الوزارة التي يتبع لها المشروع مقرها الرياض أيضاً، ويتخلل سير تخطيط المشروع والموافقة عليه ومراقبة تنفيذه بيروقراطية وتأخيرات لها أول وليس لها آخر.لذا فالأفضل أن تعطى كل منطقة مخصصاً محدداً للمشاريع الجديدة لتتولى تنفيذها، على أن تكون متوافقة مع هدف التنمية المحدد مسبقاً، ويراعى أيضا «التوأمة» بين المناطق المتجاورة، بحيث لو حصل عائق يمنع تنفيذ مشروع تم اعتماده في منطقة عرعر مثلاً فينقل الاعتماد إلى مشروع آخر (مماثل أو مختلف) في منطقة الجوف أو القريات، لأن المواطن في عرعر سيستفيد بشكل أو بآخر من المشروع في المنطقة المتاخمة لمنطقته، ولكنه لن يستفيد إطلاقاً فيما لو نقل الاعتماد إلى أبها أو الباحة لبعدهما عنه.
ولأن المساحة المخصصة للمقال انتهت، فليسمح لي الأمير فهد والقرّاء الكرام بتأجيل قراءة الموضوع الثاني في مقالته وهو: «موضوع التنمية غير المتوازنة بين المناطق» إلى مقالة الأسبوع المقبل.