محمد عاكف جمال
عودة العنف في العراق، بعد أن تراجع كثيراً عام 2008، ليست ظاهرة عفوية عابرة بل تنفيذاً لسياسات مرسومة بدقة. قد تكون مبررات وقوع أعمال العنف هذه نابعة من التربة العراقية ذاتها بسبب التناقضات الداخلية التي برزت، وازدادت شدتها، بعد سقوط النظام السابق، أو قد تكون مفروضة عليه من قبل قوى خارجية ترى في عدم استقرار العراق، وفي إدامة ضعفه، وفي اقتتال أبنائه، أمناً لها.
المتابع للشأن العراقي، على مدى السنوات الست المنصرمة، لا يجد أمامه مفراً من الإقرار بأن كلا السببين يكمنان وراء إدامة العنف في العراق، كما لا يستبعد وجود ثغرات أمنية تتيح فرص تنفيذ العمليات الإجرامية بيسر وسهولة، بسبب ضعف كفاءة بعض الأجهزة الأمنية أو بسبب فساد بعضها. ولعل الناس تتساءل عما سيحدث بعد أن أكملت القوات الأميركية انسحابها من المدن وبعد أن ترفع الحواجز الكونكريتية التي قطعت أوصال العاصمة بغداد وأوصال مدن أخرى غيرها.
ومما يلفت النظر، في هذا المجال، أن قوى الظلام مصرة على التمسك بنهجها الإجرامي مستهدفة، في أغلب العمليات، أبناء طائفة واحدة، مقابل إصرار الحكومة العراقية على التمسك بنهجها الذي لا يرقى إلى مستوى مواجهة هذه الأحداث.
مقاربة الحكومة العراقية للملف الأمني فيها بعض الخلل، فمعالجتها، لهذا الملف، قد انطلقت بالدرجة الرئيسية، من اعتبار مفردة «الأمن» أكثر قرباً إلى مفردات القاموس الجنائي منها إلى مفردات القاموس السياسي.
لذلك اقتصرت، في إجراءاتها، على زيادة عدد العاملين في الأجهزة الأمنية بشكل كبير جداً، واستخدمت وسائل أكثر تطوراً في مكافحة الإرهاب، وقامت باعتقالات واسعة وفق نظام استخباري عليه الكثير من المآخذ، وهو ما يطلق عليه نظام المخبر السري الذي راح ضحيته الكثيرون من الأبرياء، إلا أنها أهملت مقاربة عناصر أخرى عديدة ترتبط بالأمن والاستقرار ارتباطاً حيوياً، منها: حجم البطالة، الفساد المستشري في أجهزة الدولة، العدد الكبير من المعتقلين، الظلم الواقع على بعض شرائح المجتمع، سوء الخدمات، ضعف أداء معظم قطاعات الدولة، الطائفية السياسية، الخلافات العميقة بين المشاركين في العملية السياسية، المهاجرون والمهجرون، وأمور أخرى كثيرة تضعف، بمجملها، الثقة بقدرة أجهزة الدولة.
التفجيرات الإجرامية الأخيرة التي شهدتها المناطق الفقيرة في العراق: مدينة الصدر (بغداد)، البطحاء (الناصرية)، تازة (كركوك)، والتفجيرات الأخرى التي تزامنت مع انسحاب القوات الأميركية، وراح ضحيتها المئات من الشهداء وأضعاف عددهم من الجرحى، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن حدثين هامين، أحدهما يخص العراق بشكل مباشر، والآخر يخصه بشكل غير مباشر.
الحدث الأول هو خروج القوات الأميركية من المدن العراقية في الثلاثين من يونيو المنصرم، وفق الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، والحدث الثاني هو الاضطرابات التي حدثت في إيران منذ الثاني عشر من يونيو، والتي رافقت إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وفوز الرئيس أحمدي نجاد بولاية ثانية.
ثمة بُعد ثالث، لا يمكن إغفاله، يكمن وراء هذه الموجة من الأحداث الدموية، وهو قرب الانتخابات التشريعية في يناير من العام المقبل، وتراجع حظوظ الكتل السياسية التي بنت نفوذها في الشارع العراقي، على مدى السنوات الست المنصرمة، على النفس الطائفي.
فمن المستفيد من هذه الأعمال الإجرامية؟
عودة العنف إلى العراق وعودة مخاوف أبنائه من الانحدار إلى ما هو أسوأ، يخدم أهداف تيارات سياسية مختلفة، بطرائق مختلفة، بسبب تقاطع مصالح هذه التيارات. فهذه التفجيرات تخدم أهداف الجهات التالية:
1. المعارضون للانسحاب الأميركي من العراق والداعون إلى بقاء القوات الأميركية في مدنه، على الرغم من أن هؤلاء لم يجرؤوا، في العلن، على المطالبة بذلك.
2. بعض دول الجوار العراقي التي يهمها كثيراً، في هذا الظرف بالذات، أن يُشغل الإعلام عما يجري في ساحاتها، ويعود إلى وضع ما يجري في العراق على رأس أولوياته.
3. بعض الكتل السياسية التي تجد في تخلي الشارع العراقي عن إسناد التوجهات الطائفية خسرانا وضياعا لها، فالدعوة إلى إعادة الحياة إلى التكتل الطائفي «الائتلاف العراقي الموحد» لم تلق استجابة تذكر من قبل الكتل السياسية التي انفصلت عنه، كما أن التفاف أبناء الطائفة حول بعض هذه التكتلات التي فاحت منها روائح الفساد لم يعد مضموناً.
فتنفيذ هذه الهجمات الإجرامية التي يستهدف فيها أبناء طائفة معينة، هي وسيلة غير مباشرة للترويج لأهمية عودة هذا التكتل وترميم بنيته، من منطلق أن الاصطفاف فيه هو الوسيلة المناسبة للحفاظ على وجود الطائفة وديمومة نفوذها. والحقيقة أن ذلك لا ينفصل عن رغبة قوى خارجية ترى أن خارطة التحالفات الانتخابية القادمة لن تكون في صالحها، وأن عودة الروح إلى هذا التكتل ضمانة لبقاء نفوذها على القرار العراقي.
4. قيادات طائفية في مواقع سياسية هامة، ترى أن دوام ما تتمتع به من نفوذ ومكاسب يعتمد على الاستمرار في الشحن الطائفي والتمهيد لحرب طائفية تترك تقسيم البلد خياراً لا بديل له.
5. المليشيات التي تراجع دورها كثيراً بعد نجاح الحكومة في مطاردتها وتصفية بعضها والتي تسعى إلى استعادته، واستعادة نفوذها على الأحياء والمناطق من أجل ابتزاز المواطنين وترويعهم.
6. المستفيدون من الفساد المستشري في أجهزة الدولة، ودفع الحكومة لوضع الملف الأمني مجدداً في موقع الصدارة للتخفيف من الحملة التي بدأ يتعرض لها المفسدون، بعد أن باشر المجلس النيابي بممارسة دوره الرقابي على السلطة التنفيذية.
والحقيقة أن الحكومة العراقية مهما اتخذت من إجراءات لتحقيق الأمن، وعلى مختلف المستويات، سيبقى هذا الأمن هشاً وقابلاً للتردي حالما تسنح الفرص بذلك، ما لم تتحل بالجرأة والشجاعة في مواجهة أبرز وأهم الملفات، وهو ملف المصالحة الوطنية، بشكل جدي، فجميع ما وضع موضع التنفيذ في هذا الشأن، حتى الآن، لا يرقى إلى مستوى المطلوب لمعالجته.