|
عمار تقي
أكثر من 75 في المئة من أصل 46 مليون ناخب إيراني توجهوا إلى صناديق الاقتراع الشهر الماضي لاختيار الرئيس الإيراني الجديد وسط زخم جماهيري حاشد لم تشهده أي انتخابات رئاسية من قبل في الجمهورية الإسلامية. مشهد ديموقراطي فريد من نوعه وغير مألوف في المنطقة عندما تابع العالم تلك المناظرات التلفزيونية الصريحة والجريئة التي جمعت المرشحين للرئاسة على الهواء مباشرة!
انتهى ذلك المشهد الفريد، وجاء الإعلان عن إعادة انتخاب الدكتور محمود أحمدي نجاد لولاية رئاسية ثانية بأكثر من 60 في المئة من أصوات الناخبين ليشكل مفاجأة سياسية من العيار الثقيل لكل المراقبين في الداخل والخارج تماماً كتلك التي شكلها ابان فوزه في الولاية الأولى قبل أربعة أعوام. هذه الانتخابات التي جاءت بمثابة استفتاء جماهيري واسع على شعبية الرئيس محمود أحمدي نجاد وعلى مدى نضج الشعب الإيراني وقدرته على اختيار من يمثله، وأيضاً، وهو الأهم، جاءت لتعكس مدى تمسك الشعب الإيراني بنظام الجمهورية الإسلامية، والتفافه حول قيادته ومرجعيته الشرعية من خلال ملايين الناخبين الذي ذهبوا إلى صناديق الاقتراع، وهو ما شكل عنصر المفاجأة الآخر!
هذه الانتخابات تحديداً، يضاف لها الفوز الساحق الذي حققه الرئيس نجاد، شكلا صدمة كبيرة وخيبة أمل واسعة بالنسبة إلى الغرب الذي كان يراهن على عزوف الشارع عن الانتخابات. فاستطلاعات الرأي الغربية كانت جميعها تشير بشكل قاطع إلى تبدل كبير في مزاج الشارع الإيراني تجاه نظام الجمهورية الإسلامية، وأن هذا التغيير ستعكسه صناديق الاقتراع عندما تعلن عن فوز المرشح الإصلاحي مير موسوي حسبما كانت تشير استطلاعات الرأي الغربية! إلا أن الرياح الإيرانية جرت بما لا تشتهي سفن الغرب! وهذا إن دل على شيء فانه يدل على أن الغرب ما زال حتى اللحظة يجهل طبيعة وحقيقة الشارع الإيراني، وأنه ما زال يحقق الفشل تلو الآخر في فهم وإدراك وقراءة أدبيات الشارع الإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية ظناً منه أن أي حراك داخلي، مهما اشتدت ضراوته، يعني أنه مؤشر على قرب انهيار الجمهورية الإسلامية!
بالطبع الصراع بين الغرب وإيران له تاريخ طويل ممتد إلى بداية قيام الثورة الإسلامية، ونحن هنا لسنا في وارد الحديث عن تاريخ هذا الصراع، لكن فقط أود الإشارة إلى جزئية واحدة في هذا الموضوع وهي أن الغرب وجد على ما يبدو ضالته في الأحداث الإيرانية الأخيرة وقام، استكمالاً للصراع بينه وبين إيران، بالتستر خلف شعارات مثل «نزاهة الانتخابات»، و«حرية الشعب»، و«حقوق الشعب»، و«لا لتزوير صوت الناخب»، والسماح «للاعتصامات والتظاهرات»، كل ذلك ليس من أجل سواد عيون الناخب الايراني وإنما من أجل تأليب وتحريض الشارع ضد النظام على أمل أن يؤدي هذا التأليب والتحريض إلى زعزعة وإضعاف نظام الجمهورية الإسلامية من الداخل! وبالطبع كانت الأداة «العلنية» لتحقيق هذه الغاية هي وسائل الإعلام الغربية المتنوعة! فشاهدنا، على سبيل المثال لا الحصر، كيف أن الـ «بي بي سي ـ هيئة الإذاعة البريطانية» أعلنت عن تقويتها لإرسالها الموجه باللغة الفارسية، وكيف أن وزارة الخارجية الأميركية أوعزت إلى شبكة «تويتر» بتأجيل أعمال الصيانة لتمكين الإيرانيين من تبادل المعلومات دون انقطاع، حتى أن محرك البحث «جوجل» دشن أخيراً خدمة جديدة تمثلت في الترجمة إلى الفارسية لمواكبة الأحداث الجارية في إيران!
لكني لن أتوقف كثيرا عند التعاطي الإعلامي الغربي مع الأحداث الإيرانية لسبب بسيط هو أن الغرب بات فاقداً، منذ زمن بعيد، لأهلية توزيع صكوك وتسويق شعارات «الحرية» و«الديموقراطية» و«حقوق الإنسان» بعد أن اتخذ من سياسة «الكيل بمكيالين» و«ازدواجية المعايير» أساساً ومنهجاً لتوزيع هذه الصكوك! فهذا الغرب الذي انتفض من أجل «الديموقراطية» في إيران، رفض بشكل قاطع بالأمس القريب نتائج الانتخابات الديموقراطية التي جرت في فلسطين المحتلة، وساهم بشكل مباشر في الحصار الجائر المفروض على الشعب الفلسطيني، ولم يحرك إعلامه أي ساكن! وهذا الغرب الذي انتفض من أجل «حقوق الإنسان» في إيران، نجده هو نفسه صاحب معتقلات «غوانتاناموا» و«أبو غريب» والسجون السرية المتنقلة التي شهدت أبشع أنواع انتهاك حقوق الإنسان! وهذا الغرب الذي رفع «قميص عثمان» في إعلامه من خلال صورة الضحية «ندا سلطان» التي سقطت خلال المظاهرات في طهران، هو الإعلام ذاته الذي التزم الصمت المخزي جراء جثث وأشلاء آلاف الأبرياء في لبنان، وفلسطين، والعراق، وأفغانستان الذين سقطوا بقاذفات وراجمات وصواريخ وطائرات الغرب... تحت مرأى ومسمع «إعلام» الغرب!
نعم، هذا هو الإعلام الغربي الذي انتقد السلطات الإيرانية بسبب حزمها وتعاملها مع المتظاهرين، لم يحرك ساكنا جراء المجازر الوحشية وجرائم الحرب التي ارتكبها الكيان الصهيوني «ربيب الغرب» تجاه شعب أعزل! إذاً أبعد كل هذا، الذي هو ليس سوى غيض من فيض، نأتي ونلوم الإعلام الغربي على سياسته الإعلامية تجاه الأحداث في إيران، والجميع يعلم جيداً حقيقة ودوافع وسر هذه التغطية الإعلامية «المميزة» للأحداث الأخيرة في إيران؟
لكن المصيبة والكارثة والطامة الكبرى ليست في تغطية الإعلام الغربي للأحداث الأخيرة في الجمهورية الإسلامية خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هذه التغطية ما هي إلا أحد أوجه الصراع الغربي ضد نظام الجمهورية الإسلامية! المصيبة والكارثة والطامة الكبرى، وأضيف أيضاً «سخرية القدر»، هي تغطية بعض وسائل الإعلام العربية للأحداث الأخيرة في الجمهورية الإسلامية خصوصاً تلك المرتبطة بدول الاعتدال العربي! حقيقة، وكما يقول أحد الزملاء الصحافيين، لا يستطيع المرء وهو يتابع بعض وسائل الإعلام العربية أن يتمالك نفسه من شدة الضحك على تغطية إعلام عرب الاعتدال للأحداث الأخيرة في إيران!
فمنذ اللحظة الأولى لقراءتك بعض الصحف والمقالات أو لمشاهدتك النشرات الأخبارية لبعض الفضائيات التابعة لذلك المحور، ستعتقد بما لا يدع مجالاً للشك بأن الجمهورية الإسلامية باتت على وشك «الانهيار» بعد أن «أكلت الثورة أبناءها»، وأن «انقلابا أبيض» بات وشيكاً ضد النظام الإيراني، وأن «عاصفة في ايران»، وأن أيام «الولي الفقيه» باتت معدودة! قد أتفهم أن يقوم الإعلام الغربي بشن حرب إعلامية ضروس ضد نظام الجمهورية الإسلامية متسلحاً بالأحداث الأخيرة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية في المنطقة، وسأقول حينئذ «مجازاً» أن الغرب يتمتع بتاريخ ديموقراطي طويل وحرية إعلامية كبيرة وهو، أيضاً مجازاً، يعطي لنفسه الحق في انتقاد الأحداث الإيرانية عبر بوابة «الحرية» و«الديموقراطية» و«حقوق الإنسان»! لكن أن تنحى بعض وسائل إعلام عرب الاعتدال منحى الإعلام الغربي نفسه في التعاطي مع الشأن الإيراني فهذا ما دعاني أن أنفجر من شدة الضحك!
ففي الوقت الذي تشهد فيه الجمهورية الإسلامية كل أربعة أعوام خروج ملايين الناخبين لاختيار الرئيس الذي سيحكمهم، نجد أن الغالبية الساحقة، واستثني هنا الكويت ولبنان، من الدول العربية لم تدرج بعد في قاموسها السياسي كلمة ناخب أو انتخاب أو ديموقراطية! ألا تخجل بعض وسائل الإعلام العربية وهي تنتقد الديموقراطية الإيرانية وتنعتها بأنها قاصرة وشكلية وغير حقيقية وهي التي لم تبرح حتى اللحظة من تلميع وتزيين صورة بعض الأنظمة العربية التي لم تعرف بعد أي شكل من أشكال الديموقراطية، ولا معنى كلمة «حرية» أو «احترام الآخر»، ألا تخجل بعض وسائل الإعلام العربية وهي تنتقد تصرف السلطات الإيرانية مع المتظاهرين وهي التي ما انفكت تتغاضى عن الممارسات القمعية التي تقوم بها بعض الأنظمة العربية ضد شعوبها بشكل يومي منذ عقود من الزمن، ألا تخجل بعض وسائل الإعلام وهي تنتقد انتهاك حقوق الإنسان في إيران وهي التي لا تجرؤ على مجرد التلميح لحوادث انتهاك حقوق الإنسان التي تعج بها الكثير من الأنظمة العربية؟
أما ما يدعو، ليس للضحك هذه المرة، وإنما «للقرف»، هو إصرار بعض وسائل إعلام عرب الاعتدال على رفع شعار «الحيادية» و«المهنية»، عن أي حيادية أو مهنية تتحدثون يا سادة، أهي الحيادية التي تعمل ليل نهار لكي تساوي بين الضحية الفلسطيني والجلاد الإسرائيلي، أهي المهنية التي جعلتكم تتغاضون عن تغطية بشاعة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة وصور حرب الإبادة تجاه شعب أعزل، أهي الحيادية التي تحاول جاهدة الانقلاب على ثقافة المقاومة وإحلال ثقافة «الاستسلام» محلها، أم هي المهنية التي حتى وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة «تسيبي ليفني» أعلنت بأنها لم تستطع التفريق بين الأسئلة التي توجهها لها بعض الفضائيات العربية والأسئلة التي تأتي لها من الإسرائيليين، أم هي يا ترى المهنية والحيادية التي جعلت المعارضين للنظام الإيراني يظهرون بشكل يومي على شاشاتها؟ حتى أن البعض قال ساخراً بأن المعارض الإيراني علي نوري زاده قد انضم إلى طاقم المذيعين بسبب حضوره اليومي وعلى مدار الساعة في إحدى الفضائيات العربية!
خلاصة القول بعيداً عن «الضحك» و«القرف» الذي اتبعته بعض وسائل إعلام عرب الاعتدال حيال الأحداث الأخيرة في طهران، أن انجرار بعض الدول العربية عبر «أدواتها» الإعلامية إلى التدخل المباشر في الأحداث الداخلية الإيرانية، ومحاولة استثمار الوضع في إيران عبر المساهمة «الممجوجة» لتحريض المتظاهرين وتأجيج نيران الغضب الداخلي وإظهار البلاد تحت مزاعم «الحيادية» و«المهنية» بأنها على حافة الانهيار، هو خطأ استراتيجي فادح يضاف إلى سلسلة الأخطاء الاستراتيجية التي أقدمت عليها هذه الدول ضد إيران منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية، فهل يتعظون من أخطائهم، أم ستستمر أدواتهم الإعلامية في «النباح»؟ والله من وراء القصد.
|