|
محمود حيدر
أين هي أميركا من إيران؟.. سؤال يروح يتوسع كلما مرّ وقت على الجدل الذي أطلقه الحادث الرئاسي الإيراني. فلم تمضِ ساعات على امتلاء شوارع طهران بالمحتجِّين على نتائج الانتخابات حتى عصف النقدُ بالبيت الابيض. واللّافت ان الكلام على الرئيس باراك أوباما ظهر وكأنه ينبت خارج الحقل المألوف للثقافة السياسية التي ترسخت بقوة في عهد المحافظين الجدد.
بعض شيوخ الكونغرس سخروا مما أعلنه أوباما من عدم التدخل في الشأن الإيراني.. وتساءلوا في شيء من التهكّم: منذ متى تتعفّف الولايات المتحدة الأميركية عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأجنبية؟!
بعض الصحافيين الأميركيين المحسوبين على التيار المحافظ علقوا على أداء الرئيس، فوجدوا أنه عندما يتحدث في الموضوع الإيراني فإنه يزن كلماته ثلاث مرات قبل أن يتكلم.
تعليقات كهذه تحمل أكثر من دلالة في ميدان فهم تعاطي واشنطن مع الحادث السياسي الجاري بتداعياته هذه الأيام في ايران.
من أهم هذه الدلالات ما يُنظر اليه كمراجعة جذرية لـ «كوزموبوليتية حرب» المحافظين الجدد. فقد بدا كما لو ان المشهد الإجمالي الذي صنعته ولايتا جورج بوش، يعود ليُطوى كصفحة شاحبة في التاريخ الاميركي المعاصر. والذين يلاحظون بذهول إرهاصات التفكير السياسي في مرحلة ما بعد المحافظية الجديدة، يحلو لهم إجراء المقارنة عبر طائفة من الثنائيات المتعاكسة: بوش دخل العراق وأوباما يخرج منه. بوش فتح سجن غوانتانامو وأوباما يغلقه. بوش صادق على التعذيب لتحصيل المعلومات وأوباما جاء ليبطله. بوش يعادي تشافيز، وأوباما يصله بالود. بوش يهدد ملك السعودية وأوباما ينحني أمامه. بوش طالب العالم العربي-الإسلامي بالتغيير في السياسية والثقافة والعقيدة، وأوباما يقبل هذا العالم كما هو.. وأخيراً، بوش اعتقد أن حكم الطغاة في العالم الإسلامي هو نظير حكم طغاة الشيوعية الغاربة، وأما أوباما فلا يرى أن أنظمة الاستبداد الإسلامية والعربية تقل شرعية عن الديمقراطيات البيضاء المتعالية في الغرب.
هذه القائمة من المحاسبات الانتقادية لسلوك أوباما ما كانت لتظهر لولا الحادث الإيراني وتداعياته. فعلى هذا الحادث، سوف تنهض كل أصناف الخطاب الذي سيؤسس حاضراً ولاحقاً لرؤية أميركا.. وعندئذٍ ستكون إيران قضية معيارية، ربما لكل الاختبارات التي سوف تتقرر في ظلّها سياسات واستراتيجيات الإدارة الأميركية في المنطقة والعالم.
ناقدو صمت أوباما وتردده، حيال الحادث الإيراني جلُّهم من أبناء ووارثي إيديولوجيات الحرب التي نمت، وتبلورت، وشاع أمرها منذ نهاية الحرب الباردة، ثم لتبلغ ذروتها مع الولاية الثانية للرئيس جورج بوش الإبن. لكن هؤلاء الأبناء والوارثين لا ينفكون عن حضورهم البيّن في فضاء التأثير على الإدارة. فهم لايزالون يمسكون بالعصب الإيديولوجي للعقيدة الأميركية، المؤسَّسة على «لاهوت الغلبة» والحروب المفتوحة. وإذ يتعرض هؤلاء بقسوة النقد للرئيس أوباما، فإنما يقصدون بذلك تفكيك فلسفته السياسية المترددة من أول الطريق. ففي رأيهم ان إيران الممتلئة بأثقالها هي «مثال ذهبي» لا يتكرر لكي تُدرج أطروحة «التدخل» في أمر اليوم الاستراتيجي. فتلك بحسب الناقدين فرصة لأميركا لكي تستعيد مجدها المهزوز في أفغانستان والعراق وفلسطين، ولو على صهوة «الغورباتشوفية» الإيرانية الجامحة.. ذلك ما قصد إليه بول وولفوويتز -وهو أحد أبرز عناوين المحافظية الجديدة- حين رأى أن الإصلاح الذي يطلبه المتظاهرون الإيرانيون هو أمر يستحق تأييد أميركا. وفي وضع كهذا ليس للولايات المتحدة من خيار سوى الميدان، يضيف: عندما يأتي الصمت من رئيس أميركا إزاء حدث جلل كهذا، فذلك يعني في الحقيقة والجوهر تأييداً لأولئك الذين يتولون السلطة في مواجهة أولئك الذين يعارضون. وسيكون من السخرية القاسية اذا رجَّحت أميركا كفة الميزان لمصلحة مستبدين يفرضون إرادتهم على أناس يدافعون عن حريتهم. فالإيرانيون -حسب وولفوويتز وسواه من نقاد أوباما- لا يحتجون على تزوير الانتخابات فقط، بل على أصل النظام، ولذا ليس هذا هو الوقت الملائم للرئيس أن «يتخندق» في موقع محايد، فلقد حان الوقت لتغيير مسار الأحداث».
مهما يكن من أمر نقد كهذا، فهو في مرجعيته يستعيد لغة إيديولوجية بائسة لا محل لها على ما يبدو في الحقبة الأميركية الجديدة.
هل يعني هذا، أن تردد أوباما هو ضربٌ من العودة إلى القلعة الأميركية المغلقة؟
لا بالطبع.. ذلك ان واقع الحال، لا يمكث في تلك الزاوية الحادة من السؤال..
كثيرون وجدوا في سلوك البيت الأبيض الأخير كأنه استعادة لنظرية الانسحاب الاستراتيجي من الجغرافيات المشتعلة، لكن آخرين لاحظوا الشيء وعكسه في آن. أي أن خيارات أوباما الإستراتيجية، بقدر ما تقارب نظرية المراجعة والإنسحاب، فإنها تقترب في الوقت عينه من المصدر الأصلي لعقيدة السيطرة والاحتواء. وعند هذه الدالَّة المركبة سيكون على الرئيس أوباما أن يمضي في رحلة الاحتواء الإستراتيجي قاصداً «تحويل»، «عالمية أميركا» إلى نشأة أخرى. وقد تكون خطوط عمل ما يسمى بـ «الامبريالية الناعمة» هي الصيغة الفضلى لتلك النشأة.
وأما البادي في الصورة الآن، فهو أن إيران شكلت في حادثها الراهن، نقطة البداية، وموضع الاختبار.
|