|
منصور مبارك
في الذهنية العربية والإسلامية دائماً ما تنسب إخفاقاتنا وهزائمنا الكبرى والصغرى إلى عدو خارجي متربص بنا. وتتعمق الهوة التي نلقي أنفسنا فيهـا مع حرارة الإيمان بأن تلك الشياطين المتعددة إنما تمارس التآمر منذ أمد بعيد، ضمن خطة كونية شاملة منفتحة ومستوعبة لكل الاحتمالات، التي قد تطرأ بين لحظة وأخرى.
سلوك النظام الإيراني يأتي أنموذجاً باهراً على تلك الذهنية. فالاحتجاجات السلمية التي انطلقت من ضمن حدود القوانين، التي كفلها دستور الجمهورية الإسلامية، نظر إليها على أنها دورة جديدة للتآمر على الجمهورية الإسلامية في إيران. فالمرشد الأعلى السيد علي خامنئي وجه - في معرض حديثه عن أسباب تلك الاحتجاجات الجماهيرية - أصابع الاتهام إلى الحكومة البريطانية، إذ رأى بأن الأخيرة قد رتبت لهذه الأحداث ونظمتها قبل فترة ليست بالقصيرة. وللحقيقة، فإن اختيار الحكومة البريطانية لم يأت عشوائياً. فثمة تاريخ مديد من تدخل الحكومات البريطانية في الشأن الداخلي، بلغ ذروته مع إسقاط حكومة مصدق، ما يعزز إلى حد ما ذلك الإدعاء.
لكن، وكما شهدنا، فإن تهمة إلصاق مأزق النظام بالحكومة البريطانية، لا يبدو مستساغاً من قبل غالبية الإيرانيين، وبخاصة أولئك الذين هم في حالة تماس مع العالم الخارجي من خلال منجزات التكنولوجيا، والمتطلعين إلى هامش أوسع من الحرية على المستوى الثقافي والمجتمعي والسياسي والاقتصادي، والذي تحدوهم الرغبة بالتصالح مع العالم المعاصر من خلال تعزيز مفاهيم التعدد والاختلاف والتسامح، وقبل ذاك إعلاء قيمتي الحرية والفردية، وهاتان القيمتان جعلتهما أنظمة الاستبداد، على طول تواريخ المنطقة، حطباً لنيران الشهادة والجهاد والوطن.
بيد أن ميل النظام إلى إعادة شحن ثقافة الشك والتآمر، على النحو الذي وجهت به الاتهامات إلى بريطانيا وأميركا وأوروبا والأمم المتحدة وبالطبع إسرائيل، بحيث يصبح قمع الاحتجاجات مهمة وطنية نبيلة، أخذ الإيرانيون يتعاملون معه بوصفه مزحة ممجوجة، يكتفون بالتعليق عليها بالقول: «عمي نابليون».
و «عمي نابليون» رواية للكاتب الإيراني إيراج بزيشكزاد صدرت في العام 1970، وأصابت نجاحاً كبيراً جعلها الرواية الأكثر مبيعاً ومقروئية في تاريخ إيران الحديث، إذ تتناول الرواية ثقافة مجتمعية في إيران تتمثل في التنصل على الدوام من تحمل مسؤولية ما يقع من أحداث، والميل إلى تحميل العالم وزر المصائب التي تحل بإيران. وفي تلك الفترة كانت بريطانيا على لسان كل الإيرانيين، وموضوع أحاديثهم في المنزل والشارع، إذ نظر إليها على أنها المسؤول عما يحدث في البلد من اضطرابات، بدءاً من تغيير الحكومات، وانتهاء برفع أصحاب الحوانيت لأسعار الشاي. وتصور الرواية ذروة الأجواء البارانويائية، بتعمد الإيرانيين التحدث همساً في الشوارع خوفاً من أن تسترق بريطانيا السمع. بعد ذاك تحولت الرواية إلى مسلسل تلفزيوني شهير، ومع قيام الثورة الإسلامية في العام 1979 منعت الرواية والمسلسل. ويذكر بزيشكزاد أن السلطة الدينية بررت منعها الاثنين لكونهما يقتلعان من نفوس الإيرانيين الدين.
وما تشهده السلعة الإيرانية راهناً ما هو إلا تجسيد للرؤية الساخرة التي صورتها بدقة رواية «عمي نابليون»، واعتقال الشريحة المثقفة والساسة الإصلاحيين والصحافيين، فضلاً عن اعتقال المتظاهرين من الطلبة في مدن طهران وتبريز وشيراز، مترادفاً مع إفراغ إيران من وسائل الإعلام المحايدة، وبث اعترافات غائمة في التلفزيون الحكومي، ونثر الإحساس الأسود على طول البلاد وعرضها بأن ثمة طوابير تنتظر دورها في الاعتقال، يجعل من مهمة التصدي لخرافات الاستبداد على القدر ذاته من الأهمية مقارنة بالمطالبات السياسية، بل إنهما متلازمتان لا تستقيم إحداهما من دون الأخرى.
|