سعد بن طفلة العجمي
هلع يجتاح المنطقة سببه إنفلونزا الخنازير. الهلع غير مبرر -كما يرى كثير من الأطباء، فالمرض أخف وطأة من الإنفلونزا العادية، ويمكن علاجه بعشر حبات خلال خمسة أيام، خاصة إذا تم تشخيصه مبكراً. الإنفلونزا العادية تقتل الآلاف سنوياً خصوصاً بين كبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة. وقد قتلت الإنفلونزا العادية في العام الماضي في الولايات المتحدة الأميركية وحدها أكثر من ثلاثين ألف إنسان. وتظهر أرقام منظمة الصحة العالمية منذ ظهور المرض وحتى وقت كتابة هذا المقال أن ضحايا إنفلونزا الخنازير 77201 ضحية، وأن مجموع من توفي منهم هو 353 مريضاً فقط لا غير. ولم يبلغ العدد الإجمالي للمصابين بهذا المرض في البلدان العربية المائتي مريض. كعربي -بدأت أشتمّ رائحة مؤامرة "طبية صيدلانية" حاكتها الصهيونية والإمبريالية!
طبعاً المسألة ليست كذلك، ومنظمة الصحة العالمية غير مشتركة -حسب المتوافر من المعلومات- بأية مؤامرة أو مصالح طبية. سويسرا أعلنت أنها اكتشفت لقاحاً للوقاية من إنفلونزا الخنازير وبأنها ستبدأ بتسويقه اعتباراً من شهر سبتمبر القادم، اللهم وفق السويسريين في مسعاهم واشفِ مرضانا ومرضاهم.
الصحة أولوية لمن أصابته علة أو مرض. فأغنى أغنياء العالم على استعداد لأن يتنازل عن كل ما يملك مقابل استعادة صحته إن أصابه داء عضال أو مرض خبيث. وقديماً قيل: "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه سوى العليل". وفي الدعاء ترتبط العافية بالعفو والمغفرة من الله، فيقال: "اللهم اعف عنا وعافنا وشاف مرضانا". وغالباً ما نضيف "ومرضى المسلمين" فقط.
كلما تقدم العمر بالإنسان زاد معه تعلقه واهتمامه بالصحة. والشباب لا يتحدث كثيراً عن أنواع الأغذية والغذاء وتناول هذا وتجنب ذاك، بينما يتكاثر الحديث عن الحمية وفائدة هذا المأكول، وتحاشي ذاك، بين كبار السن. أزور إحدى الديوانيات في الكويت التي تبدأ من بعد صلاة الفجر وحتى العاشرة صباحاً. حديث أهلها الصباحي لا بد أن يحتوي على فقرة "صحتك بالدنيا"، وماذا تعشى فلان البارحة، أو "شلون صارت صحة بوفلان". زيارة هذه الديوانية مفيدة بكم المعلومات الصحية التي يتداولها زوارها، لكنه مؤشر خطير على تقدم السن وزيادة الاهتمام بمواضيع الصحة. وأكثر أدعية كبار السن ترتبط بالصحة و"العفو والعافية". وكثيراً ما رددوا علنا: "أهم شيء في هذه الدنيا هي الصحة والعافية". ويكاد يتلاشى الفرق بين الصحة والعافية، وإن كانت الصحة أكثر شمولاً من العافية التي ترتبط بالبدن وسلامته من الأمراض وقوته، ويقول أهل الخليج: "فلان متعافي"، بمعنى أنه ذو بنية بدنية قوية، لكن يندر أن يقال: "فلان صحيح"، إذ يقال: "فلان بصحة جيدة"، والفرق بينهما واضح، فغالباً ما يكون "الصحيح" في "العربية" الحديثة تعنى عكس "الخطأ"، لكن "المتعافي" عكس العليل أو المريض.
يندر بين رواد ديوانية الصباح التي بدأت بالتردد عليها حديثاً مَن لا يعاني من أمراض العصر، ويتردد سؤال هذا عن السكر معه، وعن أبو فلان الذي انقطع عن الديوانية منذ أيام بسبب ارتفاع ضغط الدم، وهكذا. ويلوح في وجه أبو فلان المسن "خرش جدري"، أي بقايا الجدري الذي كان يجتاح المنطقة حتى الخمسينيات من القرن الماضي قبل اكتشاف لقاحه.
يتجه العالم المتقدم والصناعات الطبية ومصانع الأدوية نحو ما يسمى بالطب الجيني الحديث، والأبحاث والمخترعات في هذا المجال تتسارع يوماً بعد يوم، وأسهم شركات الأبحاث الطبية والأدوية تتصاعد ارتفاعاً كالصواريخ، والمصادر الطبية تشير إلى أن كثيراً من أمراض العصر المزمنة والخبيثة كالسكري وضغط الدم والسرطان وكولسترول الدم في طريقها إلى التلاشي خلال السنوات القليلة القادمة.
العالم على أبواب ثورة جديدة في عالم الصحة والطب، عافانا الله وإياكم ومرضى المسلمين والبشرية أجمعين...