إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | جوال إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3092 الأحد 8 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 10:55:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    


الغرفة رقم 329

GMT 0:15:00 2009 السبت 4 يوليو

البيان الإماراتية


ياسر سعيد حارب
  
عندما كُتب إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية عام 1776م وردت فيه جملة تقول: «هناك بعض الحقوق للإنسان غير قابلة للمصادرة، منها الحياة، والحرية، والبحث عن السعادة».

وفي عام 1789م ظهر الفيلسوف الإنجليزي (جيرمي بنتام) بمفهوم جديد سمّي بمبدأ المنفعة، حيث يقول، باختصار، إن الحياة وضعت الإنسان تحت رحمة سيّدين مسيطرين عليه سيطرة تامة، هما السعادة والألم، ولذلك فإن كل عمل نقوم به في الحياة لا بد أن تنتهي نتائجه لصالح أحد هذين السيدين، فإن أدى ذلك العمل إلى السعادة فإنه عمل خيّر يستحق أن يقوم به الإنسان، وإذا أدى إلى الألم فإنه عمل شرير لا يجب القيام به. ومن هذه الفلسفة اشتق مبدأه الشهير الذي يقول: «الهدف من السياسة هو توفير أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس».

وقبل ثلاث سنوات أُجريت دراسة حول السعادة في جامعة «ليستر» البريطانية شملت 80 ألف شخص في العالم، سُئلَ فيها هؤلاء الناس مجموعة من الأسئلة للاستدلال على مستوى سعادتهم ورضاهم عن حياتهم، فاعتلت الدنمرك أعلى القائمة، وتأخرت دول إفريقية مثل زيمبابوي وبوروندي. وفي نفس القائمة حلّت الإمارات في المركز الثاني والعشرين، وهي الدولة الأولى عربياً، أما مصر فلقد حلّت في المركز 151 من أصل 178 دولة شملتها الدراسة.

وحلّت المملكة العربية السعودية في المركز الواحد والثلاثين، تسبقها مباشرة عمان في المركز الثلاثين، وتليها في المركز الثالث والثلاثين مملكة البحرين، ثم الكويت في المركز الثامن والثلاثين ثم قطر في المركز الخامس والأربعين.

عندما سُئِلَ الناس في الاستبيان عن أهم العوامل التي تؤثر في إحساسهم بالسعادة قالوا بأنها الصحّة، ثم أتى بعدها المال، واكتشف الباحثون أن معظم الدول التي ترتفع فيها نسبة السعادة تكون الرعاية الصحية فيها أفضل من غيرها.

قبل أيام نزلتُ في أحد الفنادق الجميلة في قرية «إنترلاكن» بسويسرا، وعندما جنّ الليل، اخترق ضوء الإنارة الخارجية نوافذ الغرفة رقم 329 وانعكس على سقفها مما أحال المكان إلى غرفة أشباح.

هذا كان أول شعور راودني، ثم أمعنت النظر خارج الغرفة، وعندما اعتادت عيني على المكان، تراءى لي الجبل وقد رمى ثقل النهار من على كاهليه، ليخلد إلى راحة أبدية تمتد إلى آخر الدهر. كان الصمت في الغرفة، التي دخلتها قبيل مغيب الشمس، ساكناً حتى كادت زقزقة العصافير في الغابة أن تتحول إلى صرخات عالية، وكانت الدقائق بطيئة وكأنها آتية من أعماق الزمن الذي جاء يجرّ الذكريات جرّاً.

عندما تراءت لي ملامح الجبل، تذكرت الرسوم المتحركة (هايدي) التي كنا نشاهدها ونحن صغار، وتذكرت كيف كانت تلعب مع كلبها وتركض مع صديقها الطفل (بيتر) الذي أنقذها من مآزق كثيرة. ثم اندفعت ذكريات الطفولة إلى مخيّلتي وكأنها نهر جارٍ لم تستطع حتى صخور الهمّ أن توقفه، وبعد بضع دقائق مفعمة بالذكريات، استحال ذلك الضوء الذي هتك أستار الغرفة إلى نور برّاق جميل، يعدّ العدة لليلة مريحة، ويَعِدُ بصباح جبلي مشرق.

كنت أستيقظ كل يوم على صوت العصافير واندفاع مياه النهر بوقار تحفّه البهجة، وكنت أجلس في الغرفة أنظر إلى الجبل وما حوله من أشجار دون أن أفكّر في أي شيء، كنت في تلك اللحظات الخاطفة أتّحد مع الجبل، أطلّ، مثله، على مناظر جميلة، أشاهد المارة في أسفل السهل، وأشهد الأحداث المتنوعة التي تمر عليّ دون أن تهزّني نوائب الوقت. كان توحّدي بالجبل يبث فيّ روح المكان، التي لا يمكن أن يجدها الإنسان إلا إذا أخلص لذلك المكان، وعاشه بكل تفاصيله.

إن روح المكان تفرض عليك أن تتجرّد من كل روح أخرى ومن كل أفكارٍ تخلو أحداثها من أركان المكان نفسه، ثم تدفعك تلك الروح لأن ترى الحياة من خلال البصيرة لا البصر.

لم تكن الغرفة رقم 329 إلا ركنا لم أكتشفه في حياتي بعد، وهو الركن الذي يستطيع أن يغوص بك في أعماق اللاشيء لتعود منه بكل شيء. تعرفه عندما يرنّ هاتفك ولا تسمعه، عندما ينبح كلب في الخارج ولا تعير له بالاً، عندما تشرق الشمس وتغرب دون أن تعرف كم الساعة. إن السعادة التي يأتي بها ذلك الركن القصيّ لا تنتمي إلى المكان فقط، ولكنها تنبع من داخل النفس البشرية، بشرط أن يبحث الإنسان عنها في كل زاوية في نفسه حتى يعثر عليها.

تقول الحكمة إن كل شيء إذا ما قسّم على اثنين فإنه ينقص، إلا السعادة فإنها تزداد، ولذلك يصعب على المرء أن يجد السعادة وحيداً. أفادت دراسة لإحدى الجرائد البريطانية أن السعادة تنتقل بالعدوى بين أفراد الأسرة وبين الأصدقاء أسرع من انتقالها بين زملاء العمل. وأظن أن السبب في ذلك هو حب الأقارب والأصدقاء لبعضهم أكثر من حبّهم للمكان الذي هم فيه، فجوهر السعادة يكمن في الإنسان لا في المكان.

عندما دخلت الغرفة رقم 329 كنت عازماً على ألا أفتح الكمبيوتر إلا في الحالات الطارئة، ولكنني فهمت من الغرفة أن السعادة لا يمكن أن توضع في إطار عمل، وإذا كان استخدام الكمبيوتر سيشعرني بالسعادة، فليكن، وبدون شروطٍ أيضاً، وها أنذا أكتب هذا المقال وغيره دون أن أشعر بالذنب لاستخدامي التكنولوجيا في إجازتي.

أكثر ما أعجبني فيما قيل حول السعادة والتفاؤل هو قول ابن تيمية عندما سجن: «إذا سجنوني فسجني خلوة، وإذا قتلوني فقتلي شهادة، وإذا نفوني فنفيي سياحة». لنَعْبُر إلى الضفّة الأخرى من الحياة، ولنبحث عن الغرفة رقم 329 في نفوسنا قبل أي مكان آخر، حتى وإن كانت ركناً من أركان منزلنا الصغير في حيّنا المتواضع، فإننا سنجد فيه أرواحنا الضائعة قبل أن نجد السعادة.

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2009 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By