GMT 22:48:24 2012 الجمعة 10 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

أمثولة الحجاج وولده
البيان الإماراتية

GMT 21:15:00 2009 الجمعة 3 يوليو

محمد فاضل

من منظور «بناة الأمم»، لا يمكن التعامل مع استلام الجيش العراقي لمهمات الأمن داخل المدن العراقية إلا باعتباره خطوة مهمة في طريق طويل لبناء دولة وأمة. وهي خطوة مهما كانت تحيطها الشكوك والتردد، يتعين اتخاذها حتما.

لكن من العراق نفسه، يتعين أن يستعيد هذا الجيش والحكومة العراقية أمثولة من التاريخ كان مسرحها العراق: أمثولة الحجاج وولده. الفارق سيبقى كبيرا بين أن يقوم جنود عراقيون بدخول المنازل ومطاردة المعتدين على امن وحياة العراقيين، وبين أن يقوم بهذه المهمة جيش محتل. لا يمكن للذاكرة العراقية أن تحفظ حقبة بغيضة أكثر من السنوات الست التي مضت.

وأيا كانت المقارنات مع العهد السابق، فان الفارق سيبقى كبيرا للغاية بين عهد كان العراقيون جميعهم يعانون فيه من استبداد نظام حاكم، وبين أن يكونوا في أتون حرب أهلية يكون فيها المحتل القاضي والحكم.

لماذا يستدعي الذهن أمثولة الحجاج وولده في هذا الوقت؟ السبب يكمن في حقيقة ماثلة بقوة: أن يكون المحتل هو الغراء الذي يشد العراقيين لبعضهم وبدونه فان الاحتراب هو البديل.

أول ما يتعين على الحكومة والجيش العراقي وهو يباشر مسؤوليته الطبيعية في حفظ الأمن، أن ينتبه جيدا للذاكرة العراقية عن ست سنوات من الاحتلال الأميركي. فهذه الذاكرة مثقلة إلى ابعد الحدود بكل ما هو سلبي وبغيض عن جنود غرباء يدخلون المنازل ويفتشونها ويعتقلون الأبناء والآباء والإخوة ويسوقونهم إلى المعتقلات.

بل إن سجل ست سنوات مثقل إلى الحد الذي حرك ماكينة هوليوود وأوروبا لإنتاج أفلام لا تحصى في وقت قياسي، عن انحراف السوية البشرية التي أثمرت مآسي ودراما عاشها عراقيون في مناطق شتى من العراق.


الآن يتعين على الجيش العراقي، أن يقدم صورة مغايرة عن كل ما في ذاكرة العراقيين عن هذه الحقبة، عليه أن لا يدفع العراقيين للمقارنة بين الجيش الأميركي والجيش العراقي، بين الطريقة التي يتصرف بها الجنود الأميركيون والطريقة التي يتصرف بها الجنود العراقيون.

بل ابعد من هذا، أن لا يدفعوا العراقيين للتوقف والسؤال عن الفارق بين الجيش العراقي الجديد والجيش في العهد السابق. عليهم ببساطة أن يقدموا البرهان على العراق الجديد الذي يريد العراقيون بناءه أو يطمحون له، ولا يدفعون العراقيين للترحم على أيام الأميركيين أو الأيام الخوالي.

هذا هو الجانب المباشر والآني من المشكلة، لكن قصة الحجاج وولده تلح أكثر، طالما بقيت حقيقة «حالة الاحتراب» شاخصة وباقية وطالما بقي الأميركيون يمثلون الغراء الذي يشد العراقيين لبعضهم، وهذه الحقيقة تمثل إخفاقا كبيرا للعراقيين أنفسهم.

من السهل هجاء الآخر أيا كان، الاحتلال، التدخلات الخارجية، لكن من الصعب الحديث عن المسؤولية الذاتية للعراقيين أنفسهم وقادتهم. والمؤسف أن حصيلة السنوات الست الماضية لم تدفع العراقيين إلى إدراك حقيقة واحدة، وهي أن المحتل لن يستطيع أن يحل مشكلات مستعصية يتعين أن يحلها العراقيون بأنفسهم. أقصى ما لدى الاحتلال، أي احتلال، أن يفرض صيغ الحلول التي يراها بالقوة. لقد سجل التاريخ ذلك، وأثبتته سنوات الاحتلال الست حتى الآن.

فالأميركيون أو غيرهم لن يستطيعوا (وهم ليسوا معنيين بالدرجة الأولى) أن يحلوا مشكلة الهوية والانتماء في العراق. وإذا كانت السنوات الست قد أثبتت شيئا، فإنها أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، أن الهويات الطائفية والعرقية والدينية ليس بإمكانها بناء مجتمع صحي ودولة قوية وحياة مزدهرة. وما جرى طيلة السنوات الست هو ثمن باهظ دفعه العراقيون نتيجة تدمير »المواطنة«، لصالح الهويات الطائفية والعرقية.

نعم هناك ميراث كبير من الشك والأحقاد والثأر، لكن العراقيين رأوا بأم أعينهم كيف أن الهويات البديلة لم تحل شيئا، بل هي لا تزيد عن مشروعات احتراب أهلي وتقسيم للأرض والناس. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الخراب الروحي والنفسي الذي لحق بالعراقيين جراء عقود من الدكتاتورية والاستبداد والتردي البالغ الأذية في مستويات المعيشة جراء الحصار، فلن يكون هناك مجال للشك في أن بناء العراق الجديد مهمة استثنائية تتطلب زعماء استثنائيين، وليس زعماء طوائف وعشائر يتقاتلون حول الثروات والنفوذ. لقد خلف الاستبداد ندوبا في النفسية العراقية تحتاج وقتا طويلا لكي تبرأ منها.

إن مهمة بناء الأمة، لا يمكن أن تتم دون منظور أخلاقي وقيمي يسندها ويعطيها الشرعية اللازمة، وفي العراق يبدو هذا المنظور هو الغائب الأكبر، طالما أن «الغراء» الذي يشد العراقيين لبعضهم ما زال غائبا أو لا يزيد عن عبارات ملتبسة عن الانتماء والهوية.. «المواطنة».

هذا أمر خطير، يمكن أن يشكل عائقا متجددا. وما لم يرتق الزعماء العراقيون إلى مستوى استثنائي من التفكير، وما لم يتحلوا بالشجاعة للخروج من منطق المحاصصة الطائفية إلى منطق «المواطنة» الذي يجمع كل العراقيين بمختلف طوائفهم وأعراقهم وأديانهم، فان مهمة بناء العراق الجديد ستتعثر.

انه وضع يذكرنا دوما أن التضحيات مطلوبة من الجميع، وبالمنطق السائد في العراق اليوم، التضحيات مطلوبة من السنة والشيعة والأكراد.