إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | جوال إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3092 الأحد 8 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 2:18:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    


توازن الضعف في إيران

GMT 0:30:00 2009 السبت 4 يوليو

الشرق القطرية


طلعت رميح

في المشهد الداخلي في إيران، تبدو الأمور المتفجرة قد انتهت إلى تأكيد وتشديد قبضة النحبة الحاكمة على جهاز الدولة وعلى الحركة في الشارع ،إذ أعلن وبصفة نهائية عن اعتماد فوز أحمدي نجاد -عقب عمليات الفرز الجزئية -رئيسا للبلاد ،كما توقفت التحركات الجماهيرية في الشارع أو أوقفت تحت ضغط أجهزة الدولة .
لكن التدقيق في تفاصيل هذا المشهد ،يظهر أن القوى التي رفضت من قبل قرار فوز الرئيس أحمدي نجاد وتحركت ضد اعتماد هذا القرار لم تبد موافقتها على الإجراءات "الجديدة " التي اتخذتها السلطات وانتهت إلى إعادة تأكيد فوز نجاد ،كما أنها لم تعلن موافقتها على صدور القرار النهائي ،بل إن الكثير من رموز هذا التيار المعارض بدأت حملة سياسية إعلامية عن عدم اعترافها بشرعية الحكومة الراهنة ،والذي هو تعبير مستخدم في إيران للحديث عن سلطات المرشد والرئيس أوعن تشكيلة النظام السياسي الراهن في إيران .
وهنا يبدو الأهم في متابعة المشهد الراهن في إيران ،هو تقدير حجم التغييرات الحادثة في هذا البلد -كما أظهرتها تلك الأحداث -ورؤية اتحاهات المستقبل ،انطلاقا من مقارنة الأوضاع السابقة في إيران بالأوضاع المستجدة ،وتحديد حجم هذه التغيرات وطبيعة ومدلولات هذا التغير في التأثير على مستقبل الأوضاع السياسية في داخل إيران وانعكاسات هذا التغيير على تحديد الاستراتيجيات الإقليمية والدولية لإيران .
وبمعنى آخر ،فنحن من الأصل أمام تساؤلات تتعلق بما إذا كان ما حدث في إيران هو مجرد حدث عابر في أوضاع إيران الداخلية لا تأثير أساسيا له -كما هو جار في كل دولة –حين تحدث اعتراضات وتخرج مظاهرات جماهيرية وتقع أحداث عنف ،بما لا يؤثر على طبيعة النظام السياسي ولا على الاتجاهات الرئيسية للحكم في هذا البلد أو ذاك ،أم أننا أمام حدث تغييري له ما بعده ،في طبيعة النظام السياسي وعلى مستوى توزيع السلطات والصلاحيات في داخله ،وعلى توجهاته الاستراتيجية في السياسة الخارجية ..الخ .
وواقع الحال أن كل الاحداث الداخلية في هذا البلد أو ذاك ،هي حالة من حالات التغيير بغض النظر عن نتائجها المباشرة وقت حدوثها ،باعتبارها تساهم في تشكيل الوعي الشعبي أو بالنظر إلى تأثيراتها على رؤية أو طريقة أو قدرة أجهزة الدول على حكم الشعوب ،كما يجب النظر لها باعتبارها إشارات على طبيعة الاحتقان في كل مجتمع وحدوده ..الخ .
لكننا في الحالة الإيرانية ، أمام دراسة حالة خاصة – ويمكن القول شديدة الخصوصية-من حالات التمرد الشعبي .فمن ناحية نحن أمام حالة تمرد شعبي تجري في داخل تجربة سياسية هي الأولى من نوعها في العالم على الأقل في خصوصيتها المذهبية ،إذ قضية بناء نظام سياسي بضوبط دينية أو لنقل مذهبية من هذا الصنف هي عملية غير مسبوقة ،ومن ثم فإن حالة التمرد الشعبي التي جرت في مواجهة هذا البناء أو حتى من داخل هذا البناء هي عملية جديدة غير مسبوقة .ومن زاوية ثانية ،فنحن أمام حالة تمرد وغضب شعبي بقيادة قطاع من نخبة الحكم السابقة وبالتواصل مع نخبة في الحكم حاليا ،وضمن حالة مذهبية وقانونية لا تعترف بوجود مؤسسات سياسية خارج إطار الحكم تسمح بتجمع الناس والنخب ،كما هو الحال في المؤسسات الحزبية في دول أخرى .وفي الجانب الثالث ،فنحن أمام اختلاف داخلي جوهري على شرعية رئيس دولة تعيش حالة صراع خطيرة للغاية مع أهم دول العالم ،حول ملفات ذات طبيعة تتأسس عليها معالم قوتها ونهضتها ،بما يوجد حالة من التداخل الشديد بين ما هو داخلي وخارجي ،سواء باعتبار هذا الظرف يجعل التوتر الداخلي أمرا مؤثرا على علاقات الدولة الخارجية ،أو لأن مثل هذا الوضع يوفر فرصة لطعن النظام في شرعيته في الداخل والخارج ،بما يوغره من مناخ يسمح بتضخيم الأحداث .
وكل ذلك هو ما يجعل التساؤل حول مؤثرات الأحداث التي جرت وتجري في إيران ،هي تساؤلات هامة أبعد وأهم من الإجابة عن تساؤلات اللحظة والحدث .
الحركة والمستقبل
في متابعة الختام الراهن للأحداث في إيران -يبدو الحكم أو النظام السياسي ويمكن القول إن جهاز الدولة -قد استقر في ختام المطاف على قرار باعتماد فوز الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ،بما يعني أن هذا النظام قد وازن بين مسألة التراجع أمام الحركة الجماهيرية وقطاعات النخب من جهة ،والتمسك بنتائج ما جرى في الانتخابات من جهة ،واختار اعتماد النتائج السابقة لتصوره أنها تحافظ على استقرار النظام والدولة والمجتمع .وهنا يبدو الوضع متعلقا برؤية النخب الرافضة والحركة الجماهيرية فيما إذا كانت حسابات الحكم صحيحة أم خاطئة .ومن متابعة المشهد يبدو أن النخب المعارضة –بالمقابل-قد اختارت استمرار المواجهة بطابعها المستقبلى ،وأنها فضلت أن تواجه الإصرار على نتائج الانتخابات ،ولكن على نحو مدروس .النخب المعارضة ممثلة في قطبيها البارزين أو المرشحين موسوي وكروبي قد أسست لفكرة واتجاه حركتها المستقبلية ،بالإعلان عن عدم شرعية حكم أحمدي نجاد .وهنا نحن أمام عدة دلالات ،أولها أن هذا الرفض للقرار النهائي جاء في مواجهة مرشد الثورة ،بما يعني ارتقاء أو تصعيدا في الموقف السياسي الحالي والمستقبلي ،إذ هو يدخل المعارضة في مواجهة أشد عمقا وخصوصية ،كما هو يحدد اتجاها للحركة المستقبلية لها يجعل التغيير المستهدف مرتبطا بتغيير هو الأشد جوهرية في طبيعة النظام السياسي .وثانيها أن القرار بالرفض جاء مواكبا لظهور تحالف واسع جرى تشكيله في المجتمع الإيراني ،إذ لم نعد أمام مرشحين بل أصبحنا أمام تيار فكري وسياسي يتبلور في المجتمع بقدرات وفكر وطاقة هي الأولى في شكلها وقدراتها .هناك موسوي الذي يمثل جانبا من المحافظين الأقل تشددا أو الأكثر براجماتية أو هو الحالة المتطورة لنظرات وتحرك هاشمي رافسنجاني ،وهناك تيار محمد خاتمي الأشد حيوية والأكثر عقلانية والأوضح رؤية لتركيبة النظام السياسي المستهدف ،وهناك مهدي كروبي ممثلا للتيار الأكثر "ثورية" في نظرته للتغيير .ويضاف إلى ذلك أننا نشهد مع ميلاد هذا التيار المركب والمعقد ،ارتباطا حقيقيا بينه وحركة الشارع إلى درجة الاستعداد للموت من أجل التغيير .
هنا يتوفر للتغيير قوة وطاقة وفكرة وجبهة واسعة ،كما يتوفر له قيادة ورؤية سياسية وفكرية ،وعمل بنفس طويل ،والأهم أن الظرف العربي والدولي صار على نحو ما على درجة من الاستعداد للتعاطي مع هذا التحالف على نحو مختلف ،وبذلك تتحول إيران من دولة تؤثر في الأوضاع الداخلية للدول الأخرى إلى دولة تتأثر أوضاعها بنشاط ودور مواقف الدول الأخرى ،وهو ما يهيئ ظرفا أفضل للتغيير الداخلي على خلاف ظروف وأوضاع سابقة .
ضيق رقعة النظام
والأبعد من فكرة الصراع السياسي الجاري ،هو ان المضمون المستقبلى ، يشير الى ضيق رقعة تمثيل النظام السياسى ،وذلك هو اخطر تحول فى تاريخ الثورة الايرانية .فى توصيف الوضع الجارى فنحن امام تمايز واعادة اصطفاف داخل النخب الايرانية الحاكمة وبشكل خاص نحن امام اصطفاف بين ابناء الثورة .وفى التوصيف، فان الجماهير الايرانية خرجت تندد بالنظام السياسى وباجراءات الانتخابات رافعة اتهامات بالتزوير ،وكذا بدى واضحا ان منصب المرشد لم تعد له تلك الهالة والقدسية فى داخل نفوس المواطنبن وربما فى داخل بعض اجهزة الدولة ..الخ .لكن المعنى العام والاطار الخطر الذى تنتظم فيه كل تلك الملامح المستجدة على اوضاع ايران ،هو اننا امام تقلص مساحة تمثيل الحكم فى داخل المجتمع ،بما يوجد معادلة جديدة تحدث لاول مرة داخل هذا المجتمع .فى خصوصبة التجربة الايرانية تابعنا جمهورا يتوحد مع قادته الى درجة البناء العقائدى لا الولاء السياسى فقط.كان الامر واضحا فى تجربة الثورة ذاتها بملامحها الخاصة للغاية ،اذ رفع القادة الى درجة التقديس ،كما كان ما جرى فى الحرب العراقية الايرانية شاهدا اخر على حالة التوحد بين القيادة والشعب الى نفس الدرجة السابقة-يفهم الامر بشكل اوضح لمن لا يعرفون خصوصبات تلك التجربة من خلال متابعة درجة الارتباط بين الامين العام لحزب الله والجمهور الشيعى فى لبنان –كما تواصل الامر فى علاقة الشعب بتوجيهات المرشد وفى العلاقة بقرارات الدولة فيما يتعلق بموضوعة البرنامج النووى الايرانى .لكن الاحداث الاخيرة حققت حالة الانفصال بين المجتمع والسلطة فى جانب اول ،كما غيرت طبيعة العلاقة بين المرشد والجمهور العام فى جانب ثالث،او هى حولت الشعب الى شعب والحكم الى حكم ،واقامت حالة الفصل بدلا من حالة الدمج –اذ يعطى المجتمع الحق للمرشد فى النيابة عنه بل واتخاذ القرارات التى يراها هو وفقا للفقه والمصلحة بسلطة اعلى من النواب والرؤساء الذين يختارهم الشعب ،وهنا اذ طورت المعارضة موقفها الى درجة عدم الاعتراف بشرعية الحكومة –وهو ما يجيز الخروج عليها بطبيعة الحال وتشكيل التكتلات والتجمعات والتحركات لاسقاطها -فنحن امام ضيق رقعة تمثيل النظام السياسى الراهن ،بما يدفعه بالمقابل الى حالة تسلط تنفيذى وادارى وقمعى ،لتدخل البلاد فى دوامة تغيير البنية الفكرية والتنظيمية الراهنة وفق معادلة تقليص رقعة تمثيل النظام .وذلك امر اخطر حتى من فكرة الخروج على حالة التقديس للمرشد ومكانته ،اذ تلك هى الوصفة الاسوا لكل جهاز دولة او نخبة تمارس الحكم .
توازن الضعف
وفى محاولة فهم الوضع الذى انتهت اليه احداث ايران ،فيمكن القول بان المعارضة اختارت العمل وفق قاعدة توازن الضعف فى مواجهة المعادلة التى اختارها النظام وهى اعتماد معادلة القوة المختلة لصالحه.
لقد حسم الحكم فى ايران الاوضاع وفقا لقوة سيطرته على القرار فى الدولة او هو استخدم سلاح قوة القرار باعتباره الموجود فى الحكم وصاحب صلاحيات تعطيه القدرة على فرض ما يراه هو على الاخرين ،وهو ما تمثل فى اجراءات الانتخابات واجراءات وحدود فرز الاصوات -10 % من الاصوات -وفى اعتماد نتائج الانتخابات وتنصيب احمدى نجاد رئيسا ..الخ .كما اختار النظام وفقا لمعادلة توازن القوة المختلة لصالحه ،استخدام صلاحيات اجهزة العنف فى الدولة لتحقيق الاستقرار فى الشارع الايرانى كما هو الحال فى قمع المتظاهرين والقبض على قيادات الاصلاحيين او المتظاهرين ،وتامين السلطة باستنفار القوى العسكرية ذات الطبيعة الداخلية..الخ .
وفى المقابل اختارت المعارضة خاصة فى مرحلتها الاخيرة ،التعامل مع الازمة وفق منطق ومعادلة توازن الضعف ،الذى استند الى حركة الشارع وفق الياته المتراجعة ،مع تسجيل الموقف الذى يضع اساسا لحركة مستقبلية دون الدخول فى حالة صراع مفتوحة مع ادوات القوة التى يملكها الطرف الاخر .
وفى رؤية سيناريوهات الصراع بين اختيارات السلطة والمعارضة ،يمكن القول اولا بان عاملا حاسما مازال يختبىء فى داخل المجتمع ولم تظهر مؤثراته بعد،وهو عامل التحرك التفتيتى داخل المجتمع ،وفقا لتلك الاطلالات بالراس التى ظهرت فى التفجيرات واعمال القتل الموجهة لرموز السلطة والسيطرة فى بعض مناطق ايران التى تعيش فيها اقليات او مجموعات عرقية ومذهبية ترى انها غير ممثلة فى النظام السياسى الراهن ،اذ ان تحرك بعض تلك المناطق وفق احداث واسعة بهذه الطريقة او تلك قد يغير اتجاهات الاحداث على نحو كبير فى هذا البلد .ولعل المتابع بدقة لافكار الاصلاحيين يجد ان جانبا منها يعبر عن قلق بشان استمرار الاوضاع السياسية الراهنة بسبب تاثيرها على استقرار النظام ،وكذا باعتبار ان الحديث عن عدم شرعية رئاسة وحكومة نجاد انما يفتح الباب واسعا امام الرافضين للحكم وفقا لاسس عرقية ومذهبية الى تعزيز ارتباطهم بالاصلاحيين واطلالهم فى حركتهم السياسية من بوابات الاصلاح .وذلك ما يدعم تطور الاحداث وفقا لسيناريو توسع رقعة المعارضة وتعاظم قدرتها على احداث التغيير ،او هو ما ينقل حركة التغيير من طهران الى الاقاليم الاخرى ،بما يورط الحكم الراهن فى صراعات تستنزف عوامل تمثيله السياسى فى داخل المجتمع ،وتوفر فعاليات اعلى لحركة المعارضة قد تبدو غيها غير مسئولة عن تداعياتها .
كما يمكن القول ،بان امام النظام الحاكم فى ايران فرصة اعادة توجيه الاحداث او تعديل مسار التطورات من خلال ادخال تعديلات تدرجية فى النظام السياسى بما يمكنه من استعادة وضعيته داخل المجتمع على نحو افضل.
 

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2009 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By