|
سامي شورش
رغم الفوارق في طبيعة الأحداث والتفاصيل التاريخية وموازين القوى، يصح الحديث عن قواسم مشتركة عديدة بين ما نشهده اليوم من انسحاب لـ(المحتل) الأميركي من المدن العراقية، وما شهده العراقيون قبل نحو ثمانين عاماً من انسحاب لقوات (المحتل) البريطاني من المدن نفسها. لكن التفاصيل وأوجه التشابه في الانسحابين ليست مهمة، إنما المهم هو سؤال محدد مفاده: هل يمكن للانسحاب الأميركي أن يفرز، بالنسبة الى العراقيين، نتائج تشبه التي أفرزها انسحاب البريطانيين في حينه؟
في الزمن البريطاني الغابر، اعتقد العراقيون، انطلاقاً من خطأ تاريخي خلقته السياسة وتفسيراتها الآيديولوجية، أن انسحاب البريطانيين يمهّد لسيادة وطنية ناجزة وخروج نهائي من ربقة الاحتلال والدخول في عهد من الازدهار والتحرر الوطني. ما رسّخ هذه القناعة، أن الأحزاب والجمعيات السياسية العراقية غذّت، في ذلك المقطع الزمني، أحاسيس العراقيين بكمّ هائل من الشعارات والمنمقات الكلامية والتفسيرات غير الصحيحة حول قدرات الجيش والأجهزة الأمنية على تأدية مهامها، وقدرات العملية السياسية على التطور والديمومة ودمج العراقيين في هوية وطنية طوعية وجامعة.
في ما بعد، جاءت النتائج مغايرة. فالجيش والعامل الأمني لم يفلحا في بناء عراق متين ولا في تأمين حدوده ولا في حماية أمن مواطنيه، بل على العكس أسهما في نخر كيانه الداخلي وصبّ الزيت على نيرانه وتعكير الأمن مع الجوار، إضافة الى تجييش المجتمع والدولة.
في تعبير فجّ عن لاأهلية النظام السياسي، شرعت الدولة في شنّ هجوم عسكري على منطقة بارزان في كردستان العراق العام 1931، ما مهّد لتاريخ من القمع ضد الأكراد استمر الى العام 2003. في الأثناء ذاتها، شنّت الدولة هجوماً آخر، في العام 1933، على الآثوريين في قرية سميل. ثم جاء الانقلاب الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936، ومهّد للتمرد العسكري في العام 1941 ضد البريطانيين. وفي أقل من خمس سنوات عّلقت الحكومة أربعة من خيرة الضباط العسكريين الأكراد على أعواد المشانق. وأخيراً، جاء الانقلاب الدموي الذي قاده الجنرال عبدالكريم قاسم في تموز 1958 ليزجّ بالعراق في نفق مظلم لم يخرج منه حتى اليوم.
معروف أن العراقيين، آنذاك، هللوا بحماس منقطع النظير للتحرير والجلاء. ورأوا أن البلاء الذي جلبه الاحتلال البريطاني الى بلادهم أصبح في طريقه الى الزوال، معتقدين أن الحكم الوطني هو أكثر رحمة بالعراقيين وأشد حرصاً على بناء الوطن حتى في غياب القدرة الذاتية. في الحقيقة، يصح اعتبار زوال الاحتلال انتصاراً. لكن في ما يتعلق بالعراق، تجسد الخلل في أن الطبقة الحاكمة في تلك الفترة تغافلت عن مكامن ضعفها، وتجاهلت العمل من أجل تطوير العملية السياسية والشروع في مصالحة وطنية حقيقية بين المكوّنات العراقية التي لم يكن يجمعها جامع وطني. أثمان هذا الاعتقاد الخاطئ جاءت باهظة. فداخلياً، انتهى الحكم، في مجرى زمني غير طويل نسبياً، الى يد طائفة مذهبية وقومية واحدة، ومن ثم الى يد حزب واحد وقبيلة واحدة وعائلة واحدة، وأخيراً الى فرد واحد. هذا، إضافة الى كل ما جرّه ذلك من دماء وكوارث ضد الشيعة والأكراد والسنة وباقي المكوّنات. وإقليمياً، تضررت الشعوب والدول المجاورة بشكل أليم من اختلالات الوضع السياسي في العراق. إذ عدا عن التوترات مع تركيا والسعودية وسورية والأردن، اندلعت حروب وعمليات غزو عسكري ضد إيران والكويت. أما دولياً، فقد ظل العراق عرضة للعزلة والعقوبات طوال عقدين. كما تعرض الى حرب أميركية وأخرى إرهابية.
كل هذا، أفرزه سحب القوات البريطانية من مدن العراق في مطلع ثلاثينات القرن المنصرم قبل نضوج شروط الانسحاب، وقبل استكمال عملية البناء السياسي والاقتصادي. أما في الزمن الأميركي، فالأرجح أن نتائج الانسحاب، ستكون مشابهة لما شهدناه في الحالة البريطانية إن لم تفقه في السوء. فالثقافة السياسية العراقية تفتقر بشكل أشد من السابق الى آفاق الانفتاح والتسامح والتعايش. فيما التوترات الفئوية والتناحرات الحزبية والعنف الطائفي تغور في لجّ عميق. أجهزة الشرطة والجيش غير مؤهلة. بل إن استقطابها الطائفي أكثر هولاً من السابق. فوق هذا وذاك، الاقتصاد مدمر، والخدمات تعيش حالة مزرية والأمن مفقود والمصالحة الوطنية تواجه عثرات، فيما العملية السياسية لا تني تشهد انتكاسات خطيرة.
علاوة على هذا، التدخلات الإقليمية، الإيرانية والسورية، ما تزال ناشطة، فيما التوقع أن تشهد نشاطاً أوسع في مرحلة ما بعد الانسحاب. أما العلاقات الدبلوماسية مع دول مجاورة كالسعودية والكويت فإنها تعيش مرحلة تدهور لافت. من ناحيتها لا تشعر تركيا بارتياح إزاء هشاشة الأوضاع العراقية. الأميركيون بدورهم مشغولون بملفات أخرى كملف الأزمة المالية والشرق الأوسط وتنظيم القاعدة الإرهابي وطالبان في أفغانستان وباكستان.
قد يقول قائل إن الإنسحاب الراهن لا يهدف سوى الى تخلية المدن من القوات الأميركية، ما يعني أن هذه القوات ستظل في موقف يساعدها في التدخل لصالح الحكومة العراقية إذا استجد أي حادث أو تطور. لكن المشكلة أن هذه الحقيقة لا تلغي حقيقتين أساسيتين: الأولى، أن تخلية المدن من القوات الأجنبية تحمل في طيّاتها خطورة كبيرة لأن هذه المدن، بغداد والموصل وكركوك والبصرة وديالى، تشكل مصادر لاختلالات أمنية وسياسية ومذهبية وقومية كبيرة. الثانية، أن الخطورة لا تكمن في الإنسحاب وعواقبه الأمنية فقط، إنما في النتائج السياسية التي تترتب عليه في ظل عدم استعداد وطني عراقي للتعامل مع نتائجه.
في كل الأحوال، تعتقد قطاعات عراقية عريضة، بينها قطاع الحكومة والأحزاب السياسية، أن الاتفاقية الأمنية المشتركة التي تنصّ على انسحاب أميركي وفق جدول زمني محدد، تمثل محطة انتصار ينبغي استثمارها لصالح المشروع الوطني العراقي. لكن، الأرجح، أن هذه المحطة، في ظل الشروط الراهنة، لن تفضي سوى الى ما أفضت إليه عملية انسحاب البريطانيين من المدن في القرن المنصرم: تدهور سياسي، وتخلف ثقافي، واشتداد النزعات القومية والمذهبية، إضافة الى زيادة التوترات الأمنية والسياسية، والتمهيد لتغييب الديمقراطية. كل هذا، بالطبع، إذا لم تتجه الحكومة الى استثمار الانسحاب في اتجاه انفتاح فعلي على معضلات العراق.
|