حازم عبدالرحمن
أسباب كثيرة تبرر وجوب عدم المغامرة بحل مجلس الشعب في هذه الفترة. ومن بينها علي سبيل المثال, أن إجراء انتخابات نيابية في مصر سينشئ فرصة ذهبية يستغلها انصار إيران للتغطية علي فضيحة تزوير انتخابات الرئاسة الإيرانية.
فالواقع يقول إن هذه الفضيحة قد اصابت المشروع الإيراني للهيمنة علي المنطقة بضربة قاصمة. وإذن فلماذا نلقي له بطوق النجاة بدلا من تركه يغرق؟ فلسوف يستغل أنصار إيران في مصر والمنطقة هذا الحل للمجلس لكي تصبح مصر في بؤرة الأحداث بدلا من إيران, وبالتالي تنتقل كرة اللهب من حجر إيران إلي صدر مصر.
(1) لا جدال في أن مشاهد المظاهرات والغضب والسخط التي تفجرت في المدن الإيرانية, قد أضرت السياسة الإيرانية بقوة, ولو كان علي خامنئي المرشد الأعلي يعلم مسبقا أنه سيدفع كل هذا الثمن من أجل اختيار الرجل الثاني في النظام, ما كان قد أجري الانتخابات اصلا أو علي الأقل لعله كان سيقترح تصورا بديلا, بحيث لا يرتفع بسقف توقعات المواطنين. فأحمدي نجاد في كل الأحوال لا يرسم السياسات, ولا يضع الخطط الاساسية, بل هو مجرد منفذ, فالأزمة كلها نشأت من ايجاد أجواء توحي بأن المنافسة شريفة, وأن الصراع يجري علي أدوار حقيقية, وعلي منصب يستطيع شاغله أن يتخذ قرارات مصيرية, ولذلك أقبل عليها الناس بقوة حتي بلغت نسبة التصويت85%. ولهذا السبب كان للنتيجة المعلنة وقع الصاعقة علي الناخبين, وانفجر المجتمع من الداخل, وانقسمت القيادة علي نفسها, وجري تلطيخ الصورة التي اجتهدوا في تزويقها وتزيينها بكل السبل. وجرت حملات الاعتقالات, واطلاق الرصاص علي المتظاهرين, وسقط القتلي والمصابون.
(2) لسنا في حاجة إلي القول بأن أنصار إيران في المنطقة وحلفاءها يبذلون جهودا ضخمة لكي يمنعوا الناس من رؤية الحقيقة, وكل هدفهم هو وضع غمامة علي العيون وعلي العقول ليحققوا هذا الهدف.
لذلك تجدهم يقولون إن ما حدث هو مجرد تحرك لأبناء الطبقة المتوسطة أو تحرك للافندية والمثقفين أو تململ لابناء شمال طهران الاثرياء ضد أبناء جنوبها الفقراء أو أنها مجرد شرشحة.. الخ وهؤلاء في كل الأحوال يتمنون أن يطرأ علي الوضع أي حدث كبير بحيث يغطي علي ما جري في انتخابات إيران.
وأين هذا الحدث الذي يمكن أن يكون أكبر من حل البرلمان المصري؟ وإجراء انتخابات جديدة لاختيار مجلس بديل, بكل ما يعنيه ذلك من حملة انتخابات تستمر لعدة اسابيع؟ والطبيعي أن هؤلاء في حملتهم من أجل التغطية علي ما جري في إيران, سوف يركزون علي كل الجوانب السلبية ابتداء من أي بادرة تحيز للمرشحين عن الحزب الوطني, وانتهاء بأي شائعات عن التضييق علي مرشحي المعارضة من كل التيارات, خاصة المرشحين عن جماعة الاخوان المسلمين المحظورة.
تري لماذا نفعل ذلك؟ ولأي مصلحة نتقدم مجانا بشيء يمكن أن يفيد الخصوم ليداروا علي عوراتهم؟ أعتقد أن أي سياسة سليمة حاليا يجب أن يكون هدفها هو ترك المسرح خاليا تماما بحيث لا يجد الناس, ولا الصحف أو محطات التليفزيون أو الراديو أي شيء ليتحدثوا فيه إلا إيران, وما جري فيها.. وليفعلوا ذلك مثني, وثلاث, ورباع.
هذا الحديث, بكل ما فيه, سيكون هو أبلغ طعنة إيرانية في المشروع الامبراطوري الإيراني للهيمنة علي المنطقة, فهي لن تستطيع أن تصدر لدول المنطقة الاستبداد, والقهر وقتل المتظاهرين في الشوارع أو القاءهم في غيابات السجون..الخ, وهي لن تستطيع ذلك بسبب ما اقترفته بيديها.
(3) علينا ألا ننسي أبدا أن إيران منافس عنيد, وكل همها البحث عن أي نقائص أو نقاط ضعف, فإذا كانت نقطة الضعف الرئيسية في إيران هي قهر المعارضة وقمعها, فإنه يجب أن تكون نقطة القوة الرئيسية فينا هي احترام المعارضة وتعزيز مكانتها.
ويكفي أن نتذكر أن جماعة الاخوان المسلمين المحظورة دخلت المجلس النيابي في عهد مبارك بقوة وأعداد متزايدة حتي وصلت في المجلس الحالي إلي88 نائبا, ثم إن حجم المعارضة الاجمالية عن كل التيارات السياسية في المجلس يدور حول الـ120 عضوا, وهذا الواقع هو شهادة حق وقوة لهذا العهد.
وليس هناك رد أقوي من هذا علي المنتقدين, يكفي أن هذا الحجم من المعارضة لا وجود له في أي برلمان في هذه المنطقة من إيران شرقا حتي شاطيء المحيط الأطلنطي في المغرب, فلماذا نحل البرلمان قبل أوانه؟