إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | جوال إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3109 الأربعاء 25 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 8:34:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    


ديمقراطية الطوائف اللبنانية وحكومتها

GMT 23:45:00 2009 السبت 4 يوليو

البيان الإماراتية


حسين العودات

ما نعرفه عن آلية عمل النظام الديمقراطي وأسلوب الحكم فيه، هو أن الأكثرية تحكم والأقلية تعارض، وتطرح الأحزاب برنامجاً لتطوير البلاد وتنميتها ورفع مستوى عيش سكانها، فإذا استحسنه الناس يختارون ممثليهم من مرشحيها ليشكلوا أكثرية لها الحق في تشكيل الحكم وإدارة البلاد بما يؤهلها لتطبيق برنامجها، وتبقى الأحزاب الأخرى أحزابا أقلية، تعارض الحكومة وبرامجها. وهكذا يأخذ الحكم الديمقراطي طابع التنافس بين أكثرية وأقلية.

الأولى لها الحق في الحكم والثانية لها الحق في الرقابة والنقد، وكل منهما يحاول كسب المواطنين لنصرة برنامجه وإعطائه فرصة كي يحافظ على أكثريته أو يصبح أكثرية في الانتخابات القادمة، وحسب هذا تتيح الديمقراطية الحق للتيارات السياسية أو الاجتماعية في تداول السلطة.

إن الوصول لمثل هذه الديمقراطية يتطلب تطبيق معايير الدولة الحديثة، وعلى رأسها مرجعية المواطنة، والمساواة وتكافؤ الفرص، وعليه فإن حافز الاختيار هو حافز فردي، يحركه الشعور بالمواطنة والإيمان بها وتساوي المواطنين، وانعدام أي دافع لديهم عند اختيار ممثليهم سوى دافع المصلحة الفردية ومصلحة الوطن، دون الاهتمام بمصالح أي تجمع آخر، أو التأثر بأي مرجعية أخرى، وخاصة المرجعيات الطائفية أو الإثنية أو الإقليمية أو غيرها.

تختلف الديمقراطية اللبنانية عن هذا المفهوم، ولا شأن لها به، فالمرجعية فيها ليست مرجعية المواطن الفرد الحر المتساوي بحق الترشيح والاختيار، ولا يستطيع اللبنانيون انتخاب ممثليهم في ضوء برامجهم، بل في ضوء طوائفهم، وعدد الممثلين من كل طائفة محدد بدقة، والمرجعية الأساس هنا هي مرجعية الطائفة، وهذا إلزامي في تحديد عدد النواب من كل طائفة، وعدد الوزراء، وكبار الموظفين في الإدارة وأجهزة الأمن والجيش، وعلى المواطنين عند اختيار ممثليهم أن يختاروا مرشحين حسب الحصص الطائفية. وفي الوقت نفسه يكون التنافس بين المرشحين من الطائفة نفسها وليس مع مرشحين من طوائف أخرى، ولذلك يستحيل أن تستطيع الأكثرية الحكم مهما بلغ عددها دون أخذ المحاصصة الطائفية بعين الاعتبار، وأصبح من المتعذر الحديث عن أكثرية وأقلية، فالمآل الأخير يرتبط بالتوزيع الطائفي.

نصت مقدمة الدستور اللبناني على أنه ينبغي أن تكون الحكومة اللبنانية «ميثاقية»، أي تتمثل فيها الطوائف اللبنانية كلها بنسب وأعداد محددة. والذي حصل خلال السنوات الأربع الأخيرة، منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، أن الطوائف استقطبت أبناءها بشكل لم يعهده لبنان من قبل، باستثناء انقسام ثنائي لدى الطائفة المارونية وهو بدوره استقطب أبناء الطائفة حول هذه الثنائية، وغدا من المستحيل على الأكثرية فيه أن تشكل حكومة دون موافقة الأقلية.

بعد أن أصبح معظم الطوائف إما هنا وإما هناك، ولن تجد هذه الأكثرية شريكاً في الغالب الأعم تتعاطى معه كممثل لطوائف الأقلية، باستثناء نائبين أو ثلاثة لا يمكنهم الزعم بأنهم يمثلون طائفتهم وحدهم. وعليه فالأكثرية لا تحكم لوحدها شأن الأنظمة الديمقراطية الأخرى، والأقلية تصبح معارضة من جهة وشريكة مع الحكومة من جهة أخرى، ولذلك ترفع المعارضة سقف مطالبها كي تقبل الشراكة، وإلا امتنعت عن الدخول في الحكومة وحرمتها من «ميثاقيتها»، كما لا يمكن للأكثرية أن تشكل حكومة لا تضم ممثلين حقيقيين لكل الطوائف. وللخروج من هذا المأزق اخترع اللبنانيون ما سموه «الديمقراطية التوافقية» والتي تعني أن تشترك الأكثرية والأقلية في الحكم، بنسب المحاصصة الطائفية التي ضمنها الدستور والعرف واتفاق الطائف، والطريف أن الأقلية تبقى بعد مشاركتها في الحكومة تحمل اسم «المعارضة».

مع الديمقراطية «التوافقية» يستحيل على الأكثرية أن تضع برنامجاً شاملاً للحكومة، وتضطر بسبب الشراكة الإجبارية أن تتوافق مع الأقلية على برنامج توافقي يتضمن توافقات الحد الأدنى، ولا يمكنها بأي حال تحقيق برنامجها الانتخابي الذي من المفروض أنها طرحته على الناخبين وفازت حسبه. كما لا يمكن للحكومة أن تتخذ قرارات أساسية إلا بموافقة الأقلية الشريكة، لأن الدستور اللبناني نص على ضرورة حصول بعض القرارات (في أربعة عشر موضوعاً) على أكثرية الثلثين.

وإن كان للمعارضة أكثر من ثلث الحكومة يمكنها تعطيل اتخاذ أي قرار هام دون موافقتها، وهذا ما فعلته الأقلية في السنة الأخيرة من عمر حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وتقول الأكثرية النيابية السابقة والحالية ان امتلاك «الأقلية» للثلث أدى إلى تعطيل الحكومة عن إنجاز مهماتها، ولذلك سمته الثلث المعطل، بينما ترى الأقلية أن امتلاك الثلث المعطل يمنع الأكثرية من الاستئثار بالسلطة، ويحميها من أن تتحول (أي الأقلية) إلى شريك نظري، لا يملك من أمره شيئاً، وتكون شراكته وكأنه شاهد زور على قرارات حكومة لا يستطيع التأثير فيها.

لقد تفتق العقل اللبناني أيضاً عن اقتراح يمكن أن يرضي الطرفين، وهو أن يعهد لرئيس الجمهورية باعتباره طرفاً ثالثاً بتسمية عدد من الوزراء يمكنه من خلالهم أن يحفظ التوازن، وأن يكون الثلث (المعطل أو الضامن) بيد رئيس الجمهورية، الذي انتخب على أساس أنه رئيس توافقي، فيكون له الحق في الحد من سطوة الأكثرية وضمان شراكة عادلة للأقلية.

من المهمات الكبرى المقبلة للحكومة اللبنانية (والمجلس النيابي) إصدار قانون انتخاب جديد، سيكون له الدور الأكبر في تحديد الأكثرية والأقلية بعد أربع سنوات، ومعالجة الواقع الاقتصادي اللبناني بعد أن بلغت الديون خمسة وخمسين مليار دولار، هذا فضلاً عن نفخ الروح مجدداً في إدارة الدولة وبناء مؤسساتها واحترام معايير الدولة الحديثة وصولاً للدولة العصرية، التي يفتقدها لبنان مع هذه الديمقراطية المشوهة وتلك الحرية المنفلتة التي لا يتمتع بمثلها الفرد في أي دولة. فهل تستطيع الأحزاب والتيارات السياسية اللبنانية تشكيل حكومة قادرة على تحقيق هذه الأهداف؟

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2009 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By