|
عبداللطيف الفراتي
هدأ الشارع الإيراني ، وانصرف الناس إلى حياتهم العادية ، إذا كان للحياة أن تكون عادية بعد سقوط 20 قتيلا يحملون تسميات متباينة بين شهداء ومشاغبين ، و بعد قبوع المئات في السجون، ممن شاركوا في مظاهرات هي بكل المقاييس سلمية.
ولن ندخل في متاهة ما إذا كان تم تزييف الانتخابات الرئاسية أم لا في إيران ، فحتى المزيفون إذا كان هناك تزييف لا يعرفون أبعاده لأن للتزييف فنونا ومراحل ، تبدأ من طوابير المصوتين ، وتصل للتأثير بوجود أو عدم وجود قائمات هذا أو ذاك من المرشحين ، وبالسماح للمراقبين بأداء دورهم أو لا ، نهاية بسوء النية في عملية الإحصاء ، أو بما يسمى ملء الصناديق ببطاقات معينة ، هذا فضلا على أن الانتخابات الإيرانية تتميز بخاصية معينة ، وهي أن المصوتين ليسوا في حاجة لا إلى بطاقات ناخبين ولا حتى لبطاقات هوية على ما تناقلته مختلف وكالات الأنباء.
ولكن لا بد من القول بأن انتخابات يقع اختيار المرشحين فيها مسبقا ، ولا تخضع لمنع دستوري أو قانوني لا يمكن أن تكون ديمقراطية ، وفي إيران لا يحق الترشح إلا لمن كانوا من داخل النظام أي من يوافق عليهم النظام وبالذات خامنائي.
وتقوم فلسفة نظام الملالي على أن نظام الثورة لا يمكن أن يترك الفرصة لأعدائه ليتسللوا بأي صورة من الصور لمواقع السلطة، وبالتالي فإنه لا حق لهم في الترشح لا للرئاسية ولا للنيابية ولا حتى للبلدية، كل هذا إضافة إلى أن التفويض الشعبي ليس له معنى كبير ، فالسلطة الحقيقية هي بيد مرشد الثورة المعين من قبل صفوة رجال الدين وعلى مدى الحياة، ما يجعل الحكم غير مدني.
وفي ما عدا مظاهرات سنة 1999 الطلابية التي تم قمعها بشدة ، والتي قيل آنذاك "مظاهرات نخبة تطالب بديمقراطية "حقيقية" ، فإن مظاهرات ما بعد الانتخابات التي "نجح" فيها أحمدي نجاد، هي ظاهرة فريدة من نوعها منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، قبل 30 سنة.وهناك ثلاث محطات ينبغي الوقوف أمامها عند الحديث وبهدوء عن هذه المظاهرات الحدث:
أولها : أن وجود أو عدم وجود ديمقراطية في العالم العربي أو على الأصح في غالب بلدانه ليس مبررا مطلقا ، فالديمقراطية تقاس بنفسها ، لا بالقياس إلى الآخرين ، هناك ديمقراطية أو ليس هناك ديمقراطية ، وللديمقراطية شروطها وأساسها حرية التعبير واحترام حقوق الإنسان ودورية انتخابات عامة مباشرة وشفافة تشارك فيها كل القوى التي تأنس في نفسها الكفاءة وفقا لنصوص دستورية وقانونية مسبقة الوضع ،وصندوق الانتخاب هو الذي يفصل بنزاهة بين المرشحين. كل ذلك وفقا لمقاييس ومعايير وضعتها الأمم المتحدة.
فالمقارنة مع بلدان العالم العربي مردودة ، ولماذا لا تقع المقارنة مع البلدان الديمقراطية حقا، حيث ليس هناك من يتظاهر بتهمة التزوير ، وحتى إن حصل وهو يحصل فهناك مؤسسات لها مصداقية، تتولى فحص الشكاوى والبت فيها وأحكامها مقبولة باعتبار ما تتمتع به أعمالها من شفافية.
ثانيها: أن التظاهر السلمي هو حق مشروع ضمنته الشرعة الأممية لحقوق الإنسان وملاحقها ، وأن الترخيص لا يعدو في هذه الحالة أن يكون مجرد إعلام للسلطة لاتخاذ الاحتياطات.
ثالثها: أن الاتهامات بالعمالة أو التدخل الخارجي خطيرة ومردودة على أصحابها ، فلو كانت هناك جبهة داخلية متحدة وقوية ، ولو كانت الانتخابات لا غبار عليها ، لما كان لجهات أجنبية أن تعلق عليها مجرد تعليق ونقل أخبار أو مواقف معلنة أصبحت اليوم في عصر سهولة الاتصالات عملة سائدة.
فالتدخل الخارجي ـ إذا كان حقيقة هناك تدخل خارجي ـ لا يأتي إلا إذا كان الجسم ضعيفا معتلا، وغالب الأمراض لا تدخل الأجسام القوية ذات الصحة التي لا غبار عليها.
إن ما يمكن أن يلحظه المرء أيضا في هذه الظروف هو:
1) أن شرعية الحكم القائم بعد هذه الانتخابات هي في أفضل الأحوال مشدوخة ، من جانب من الطبقة السياسية التي لم تعترف بالنتائج وهذه الطبقة هي من داخل النظام لا من خارجه ، والجديد أيضا من جهة جانب من رجال الدين ، في إطار القيادات الدينية الشيعية العليا ، وبعضها أقدم على التصريح بذلك وإعلان الموقف في تناقض كامل مع المرشد الأعلى ، الذي وجد نفسه وقد تم الزج به في مواقف اعتبرت سياسيا وحتى دينيا غير موفقة في أدنى الاحتمالات وكأنه يغرد خارج السرب.
2) أن تصدعا في القيادات العليا للثورة الإسلامية قد حصل ،و ليس الهدوء الظاهري ، إلا قشرة خارجية تخفي ما تخفي.
3) المستقبل في الحكم الإيراني لن يكون بعد اليوم ، مع المرشد الأعلى ـ السلطة الحقيقية في إيران ـ ، وأحمدي نجاد الذي اختاره المرشد الأعلى ليكون رئيسا ، كما كان في الماضي على مدى السنوات الثلاثين الماضية. ولن يكون الغد مثل الأمس.
داخليا في ظل رفض جانب من أبناء النظام ومريديه ومؤيديه على مدى كل السنوات الماضية ووراءهم الملايين الذين تظاهروا والملايين من الأغلبية الصامتة ، والذي كانوا دائما سندا قويا ، ـ رفضهم ـ القبول بما جرى في ظل قناعة لديهم بحصول التزوير ، سواء حصل أو لم يحصل، وبضرورة إعادة الانتخابات.
في بلد تعتمل داخله تناقضات كثيرة ، تستبطن رفضا سياسيا كان غير معلن، ومثلته أكثر ما مثلته في المظاهرات ـ وهو وما أبرزته الجهات الصحفية الغربية ـ الصبايا والسيدات المتحررات من التشادور والخروج بشعورهن في الهواء شبه سافرات في تحد كامل لحراس الثورة.
وخارجيا من سلوك للحكومات الأجنبية إزاء سلطة متصدعة أصابتها هشاشة لم تكن قائمة من قبل بشرعية ومشروعية مخدوشة.
|