GMT 17:23:09 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

عن أيّ سلام يتحدثون؟
أوان الكويتية

GMT 0:20:00 2010 الأربعاء 10 فبراير

محمد مساعد الدوسري

الحراك السياسي بشأن القضية الفلسطينية في الشرق الأوسط مستمر، وبوتيرة أعلى هذه الأيام، ويمكن التكهن بأنها دلالة على مفاوضات جديدة بين الكيان الإسرائيلي والفلسطينيين من جهة، والسوريين من جهة أخرى، على أن تدشن بخطاب من الرئيس الأميركي الذي يبحث عن أي نجاح في المنطقة لحفظ ماء وجه الدبلوماسية الغربية التي تعاني الفشل في أكثر من مكان هذه الأيام، إلا أن ما لم يطرح على العلن حتى الآن، هو المحصلة النهائية لهذه المفاوضات، وعن أي سلام يتحدثون؟
الأنظمة العربية قبل شعوبها متيقنة من أنه لا سلام مع هذا الكيان المصطنع والغاصب. كما أنها تعرف بأن أي سلام في هذه المرحلة من عمرها، سيكون على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وحقوق الحرية المفترضة باختيار الدول العربية لطبيعة تعاونها مع أي دولة أخرى. ولا أعتقد أن هذه الأمور المسلَّم بها تحتاج إلى شرح وإثبات. فالحقيقة واضحة وتتجسد في الدم. فمن ينزف دما، ويقتل من أجل أن يعيش في أرضه، لا يمكن، أو، بالأحرى، لا يحق لأحد أن يقول له إنه على خطأ.
إذن، نحن أمام نظريتين أساسيتين في المشهد العربي، تقوم إحداهما على أنه لا تهدئة مع هذا الكيان الغاصب، على أن يستمر الصراع إلى أن تُسترد الحقوق، وأن يكون شعار الجميع «الآن وليس غداً»، وهو الموقف الذي تتبناه عدد من الدول العربية مع حلفاء إقليميين آخرين، بينما تقوم النظرية الأخرى على أساس المنطق في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، ومن ثم الصراع مع الدول الحاضنة لهذا الكيان الغاصب للأرض العربية، إذ تعتمد النظرية على أن يتم نزع فتيل الأزمات في المنطقة وتحقيق سلام مؤقت، يكون متساهلاً بالتأكيد مع الأعداء، بحيث يتم التنازل عن الكثير من المطالب الأساسية، في سبيل أن تنعم المنطقة باستقرار فعلي لم يتحقق لها منذ أزمان طويلة، ينتج عنه تغير في قواعد اللعبة السياسية إقليميا وعالمياً، ويؤدي إلى إعادة ترتيب المنطقة بناء على ميزان قوى جديد، يجد فيه العرب مكاناً لائقاً وبشروط أفضل، وهي النظرية التي تجد لها وزنا قوياً في أوساط دولنا العربية، واعتمدت بشكل أو بآخر من خلال جامعة الدول العربية.
إن التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي من منطلق هاتين النظريتين، أمر أكثر سهولة ويسرا للمشاهد العربي، إلا أن التداخل فيما بين هاتين النظريتين، ومواقف أخرى مربكة، تؤدي إلى صعوبة إدارة هذا الصراع، إذ إن جهات عدة تحاول أن تستغل هذا الصراع، بحيث يتحول إلى ورقة ضغط تستخدم لحماية مصالحها، بينما نجد تيارات مشبوهة تسعى إلى ترسيخ الإسرائيلي في المنطقة من خلال تصديره إعلامياً إلى الوعاء الشعبي، ومحاولة أنسنة الشيطان المحتل في وجدان المواطن البسيط، مع تجاهل الحقائق الثابتة في العصور كافة، والتي يمكن لها أن تعطينا فكرة واضحة بأن الاحتلال لا يمكن له أن يبقى أو يبرر، وأن الصراع العربي- الإسرائيلي أكبر من أن تستوعبه السياسة والاقتصاد، فأين هي الإستراتيجيات العربية
من كل ذلك؟
السلام المؤقت فقط هو الذي يمكن للإنسان العربي أن يتقبله في هذه الأوقات، التي تعاني فيها البلدان العربية عدم الاستقرار، والهزال في بعض الأحيان. بيد أن أي سلام آخر يدخلنا في سلسلة من التنازلات الضخمة بلا أي ترتيب مستقبلي لحماية الأمة من تكالب الدول العظمى عليها، أو القبول بشروط أممية تفرض علينا العيش بلا هوية، أو طموحات مستقبلية لهذه الشعوب العربية، فإنه سيكون مدخلاً واسعاً لفوضى مدمرة، يكون نتاجها سقوط الأنظمة في يد أكثر الحركات السياسية راديكالية وعنفاً، مع تصاعد للحركات الانفصالية التي ستدمر ما تبقى من تواصل جغرافي بين الدول العربية.
وعلى ذلك، إن كان هناك مفاوضات مقبلة بين الدول العربية والكيان الإسرائيلي، فأي سلام يريده العرب في مثل هذه الحال.. سلام بلا أفق، أم سلام مؤقت؟