"نسي" جنبلاط... فهلاّ ينسى الآخرون؟
النهار اللبنانية
GMT 2:01:00 2010 الأربعاء 17 مارس
سركيس نعوم
اكد الزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط يوم السبت الماضي وفي مقابلته التلفزيونية الاعتذارية من الرئيس السوري بشار الاسد اتهامه لسوريا حافظ الاسد (الرئيس الراحل) باغتيال والده الزعيم كمال جنبلاط في السادس عشر من آذار عام 1977. وقد فعل ذلك من دون ان يذكر شيئاً من واقعة الاغتيال. فقط قال انه توجه عام 1977 وبعد "اربعين" والده الى دمشق مصافحاً رئيسها (الراحل) ومعاهداً اياه على العمل معاً في اطار الاستراتيجيا القومية التي انتهج. وقال ايضاً انه في ذلك الوقت اعلن انه سامح قتلة ابيه، لكنه لن ينسى هذه الجريمة البشعة. واثبتت الايام منذ ذلك التاريخ حتى اليوم انه لم ينسَ. اذ ثبت على تحالفه مع سوريا وحقق بواسطته الكثير من المكاسب الشخصية والسياسية والفئوية، كما حققت هي عبره وعبر حلفائها الآخرين سيطرة شبه كاملة على لبنان. لكنه بقي ينتظر تغير الظروف المحلية والعربية والاقليمية والدولية التي جعلت من سوريا حاكماً فعلياً للبنان وذلك كي يعبّر عن عدم نسيانه. طبعاً طال انتظاره. لكنه عندما وصل الى نهايته اواخر عام 2004 جراء انقلاب الظروف المذكورة اعلاه من ايجابية حيال سوريا الى سلبية لاسباب كثيرة ومتنوعة اظهر عدم نسيانه وربما عدم مسامحته، فخاض غمار الحرب ضد سوريا بكل جوارحه وبكل مواهبه، اولاً تحت شعار مسؤوليتها المباشرة او غير المباشرة عن اغتيال ابيه، وثانياً تحت شعار استعادة لبنان من وصايتها التي كادت ان تتحول احتلالاً في رأيه.
طبعاً اعتبر اخصام كثيرون لجنبلاط، من لبنانيين وسوريين، ان "اعتذاريته" التي تضمنت نسياناً "ابدياً" لاغتيال والده، تضمنت في الوقت نفسه تكراراً اخيراً ربما لاتهام سوريا بهذا الاغتيال. واثار ذلك غضبهم وربما استبعادهم ان تلقى "الاعتذارية" الصدى الايجابي المطلوب. لكن ذلك على صحته لم يؤثر على الرئيس السوري الذي اتخذ قرارا باستقبال "الابن الضال" قريباً، وابلغه اليه عبر الوسيط، الذي هو قيادة "حزب الله". اما لماذا فعل ذلك؟ فلأسباب كثيرة. منها ان اتهام سوريا بقتل الزعيم كمال جنبلاط بقي اتهاماً سياسياً وشعبياً وجنبلاطياً، فالقضاء اللبناني الذي تحرك لجلاء ملابسات القتل فور حصوله وبعد حصوله لم يستطع التوصل الى خلاصات تمكّنه من توجيه الاتهام الى شخص او مجموعة او دولة. ومنها ايضاً ان اغتيال جنبلاط الأب حصل ابان الحرب الاهلية في لبنان والحروب الاخرى التي خيضت على ارضه وبواسطة شعوبه. وفي حروب كهذه من يستطيع ان يثبت مَن قتل مَن وبأي طريقة، ومن خطط للقتل... الى آخر ما هنالك من امور.
ومن الأسباب ثالثاً عدم اتخاذ المجتمع الدولي قراراً باجراء تحقيق دولي في اغتيال جنبلاط ولاحقاً قراراً بانشاء محكمة خاصة لمحاكمة قتلته. ومن الاسباب رابعاً واخيراً ان اغتيال جنبلاط لم يؤثر على سوريا لا عربياً ولا اقليمياً ولا دولياً ولا لبنانياً، رغم "الاتهام السياسي" لها بالمسؤولية عنه اولاً همساً ثم علانية منذ اواخر 2004. ففي عام 1989 واكبت سوريا ولادة اتفاق الطائف لكنها لم تقبل تنفيذه الذي كلفها به العرب بمباركة دولية الا بعد تعديل احد بنوده. وتم لها ذلك. وبين عامي 1990 – 1991 حصلت على مباركة اميركية بل دولية إضافة الى دعم عربي لحكم لبنان بعد ادانتها غزو عراق صدام حسين الكويت واشتراكها عسكرياً، وإن من دون قتال فعلي، في حرب اخراجه منها. واستمرت المباركة والدعم حتى اواخر 2004. اما ما قبل 1989 فحدّث ولا حرج، إذ استمرت سوريا ورغم مراحل الخلاف التي مرت بها مع اميركا "صاحبة دور بنّاء" في لبنان في نظر الاخيرة، كما استمر نظامها حاجة لاستقرار الوضع الاقليمي او لعدم انفجاره.
لماذا الكلام عن هذا الموضوع اليوم؟
ليس لنكء الجراح طبعاً، وليس لـ"الحرتقة" بالزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط ولا لتكرار الاتهام بالمسؤولية عن اغتيال والده كما عن اغتيالات اخرى لسوريا، بل للفت اللبنانيين الى ضرورة اعطائهم اهمية "للنسيان، الذي اعلنه جنبلاط الابن، والى تذكيرهم بانه قد يكون مطلوباً منهم او من قادة لهم مواقف مماثلة من قضايا مشابهة. والقضايا هي اغتيالات حصلت اتهم فيها القادة وشعوبهم سوريا بالمسؤولية عنها. اما المواقف فهي: النسيان. وهذا المطلوب اليوم قد يكون اكثر الحاحاً من الذي "ظن" وليد بك انه مطلوب منه فنفّذه، ذلك ان هناك "محكمة خاصة" انشأها مجلس الامن ولجنة تحقيق دولية سبقتها واتهامات سياسية لا حصر لها ولا عدّ لسوريا. وسواء كانت الاتهامات صحيحة او غير صحيحة فإن مجرد وجود المحكمة واستمرارها في العمل يزعج سوريا وان لم تُظهر ذلك. اذ ان الامرين يوفران لاخصامها عربياً واقليمياً ودولياً فرصة دائمة للضغط عليها ولمحاولة الحصول منها على ما لا تريد او مجاناً. فضلاً عن ان المحكمة تشكل سيفاً مصلتاً على رقبتها يمكن استعماله عند الحاجة القصوى.
هل المقصود من هذا الشرح الطويل افهام اللبنانيين وخصوصاً الذين منهم معنيون مباشرة بـ"المحكمة الدولية" ان من الافضل لهم ان "ينسوا" وان يسامحوا، لأنهم لم يسامحوا بعد، وذلك لازالة اي تأثير سلبي للمحكمة؟ كلا ليس ذلك هو المقصود، علماً ان هذا موقف يقرره هؤلاء وحدهم. بل هو (اي المقصود) لفت هؤلاء، واستطراداً كل اللبنانيين، الى ان سوريا ليست في وارد النسيان سواء كانت مذنبة او بريئة، والى انها ستحاول وبكل الوسائل تبييض صفحتها سواء كانت اساساً بيضاء، او غير بيضاء وذلك من خلال استغلال الظروف والتطورات "الايجابية" حتى الآن على الاقل بالنسبة إليها. فهل تنجح؟ لا احد يعرف. وهل يطاوعها "اللبنانيون" المقصودون؟ لا احد يعرف ايضاً. علماً ان موقفهم يرتبط الى حد بعيد ليس فقط بالداخل الموالي لهم والذي لا يزال على ولائه بل ايضاً بالخارجَيْن العربي والاقليمي فضلاً عن الخارج الدولي. والتجارب مع هذا الخارج المتنوع كانت في مصلحة لبنان على مدى نحو ثلاثة عقود ونصف حيناً، لكنها كانت في غير مصلحته احياناً، وكثيرة جداً.