GMT 1:20:59 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

العراق وأزمة الخيارات السياسية
الخليج الإماراتية

GMT 0:19:00 2010 الأحد 21 مارس

محمد السعيد ادريس

أفرزت الانتخابات العراقية مجموعة من الحقائق المهمة التي سوف تحكم مسيرة التطور السياسي والأمني في العراق على الأقل في المدى القصير والمتوسط . أول هذه الحقائق أن الشعب العراقي لم يشأ أن يعطي ثقته الكاملة لتيار سياسي أو لتحالف انتخابي أو لزعيم بعينه، ولكنه وزّع خياراته بين معظم القوى السياسية بنسب متفاوتة تعكس حالة الانقسام الحاد حول هذه التيارات والأحزاب والقوائم الانتخابية والزعامات السياسية . ثانية هذه الحقائق أن هذا الانقسام سوف يعكس نفسه مباشرة على عملية ترجمة نتائج الانتخابات من نتائج رقمية مختلف حولها إلى حقائق سياسية يحكم العراق من خلالها، وبالذات تلك الهياكل والمؤسسات الجديدة، خاصة الحكومة ورئيسها، ومنصب رئاسة الجمهورية، وأيضاً رئاسة البرنامج .

 

أما الحقيقة الثالثة فهي أن قدر أمريكا بات مرتبطاً في العراق بقدر استطاعتها على إدارة الصراع مع إيران بما يؤمن استمرارية العملية السياسية باعتبارها عماد وركيزة النفوذ الأمريكي في العراق، وبما يحمي استمرارية المصالح الأمريكية في العراق التي تتمحور بصفة أساسية حول ثروات العراق النفطية الهائلة، وتأمين “إسرائيل” من خطر عودة العراق كقوة قادرة مجدداً على أن يصبح مصدراً حقيقياً لتهديد المصالح “الإسرائيلية” .

 

فالانتخابات لم تستطع تهميش أي من القوتين الأمريكية والإيرانية، لكن العكس هو الذي حدث، فقد استطاعت القوى العراقية الحليفة لإيران أن تحقق أفضل النتائج وخاصة ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، والائتلاف الوطني العراقي بزعامة عمّار الحكيم ومقتدى الصدر، هذان الائتلافان لم يحققا فقط نتائج تجعل منهما قوة قادرة على تشكيل الحكومة الجديدة باتفاق مع بعض الأطراف الصغيرة، ولكنهما اقتربا من بعضهما أكثر من أي وقت مع احتدام التنافس مع “القائمة العراقية” برئاسة إياد علاوي الذي نجح في أن يجعل من قائمته قوة قادرة على تهديد نفوذ المتحالفين المذكورين، ما دفعها إلى العودة مجدداً إلى التحالف والتقارب الذي فشل علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) في تحقيقه في زيارة خاصة لبغداد قبل الانتخابات، استهدفت دمج تحالف دولة القانون مع الائتلاف الوطني العراقي، بهدف الاحتفاظ بالسيطرة على الحكومة الجديدة .

 

مجمل القوى التي فازت في الانتخابات مرتبطة بشكل أو بآخر بالنفوذ الأمريكي، وتعمل وفق قوانين أرساها الاحتلال ودستور من صنع الاحتلال، وحريصة على أن ترث النفوذ السياسي الأمريكي بعد انسحاب القوات الأمريكية، وأن تكون الوكيل المعتمد لواشنطن في العراق، انطلاقاً من قناعتها بأن النفوذ الأمريكي أضحى قدراً عراقياً لا فكاك منه، لكن هذه القوى هي نفسها، أو معظمها، حليفة لطهران، ومن ثم فإن هذه القوى ستكون صاحبة مصلحة في فرض توافق أمريكي إيراني في العراق، باعتبار أن هذا التوافق هو وحده القادر على تأمين استمرارية العملية السياسية وضمان تحقيق الاستقرار في العراق، لكن مشكلة هذه القوى تكمن في عمق الخلافات الأمريكية الإيرانية، وصعوبة عزل تفاعلات الملف العراقي مع تفاعلات ملف أزمة البرنامج النووي الإيراني، في وقت يزداد فيه تعقيد تلك الأزمة بعد إبداء واشنطن ميلاً، وإن كان ما زال إعلامياً، لضغوط “إسرائيل” لاستعادة الخيار العسكري مجدداً كأحد الحلول المحتملة للتعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني .

 

مشكلة هذا التوافق الأمريكي الإيراني لا تقتصر فقط على تعقيد العلاقة بين تفاعلات الملف العراقي مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، لكنها تمتد أيضاً إلى صعوبة تحقيق هذا التوافق بين الائتلافات العراقية وانقسامها حول القضايا الأساسية المرتبطة بالنتائج شديدة التعقيد للانتخابات التي حالت دون فوز قائمة بعينها بالأغلبية التي تمكنها من تشكيل الحكومة منفردة . فالنتائج الانتخابية تفرض مجدداً خيار التحالف الانتخابي لتشكيل الحكومة، وهو تحالف أكثر تعقيداً من حال العراق في انتخابات عام ،2005 خصوصاً بعد التجارب المريرة لتحالف تشكيل حكومات تلك الانتخابات، وميل نوري المالكي، بدافع من سلبيات تلك التجارب إلى تشكيل حكومة أغلبية وليس حكومة توافقية تجمع كل القوى السياسية .

 

من هنا، بالتحديد، سوف تتفجر الأزمة السياسية مجدداً، لأن واقع العراق لا يحتمل تهميش أي من الطرفين الكردستاني أو السني، إذا ما لجأ المالكي إلى التحالف مع الائتلاف الوطني العراقي وعدد من الأطراف الصغيرة لتشكيل حكومة تعزل القوى الأخرى، لأن ذلك لن يقدم حلولاً للأزمة السياسية، ومن ثم ستبقى الأزمة محاصرة بالصراع حول أي ديمقراطية ستكون الأفضل للعراق، الديمقراطية التنافسية بقبول خيار تشكيل حكومة أغلبية وتحويل الأطراف الأخرى إلى معارضة سياسية، أم الديمقراطية التوافقية التي قد تعيد إنتاج المحاصصة السياسية التي رفضها الشعب العراقي في خياراته التصويتية في تجربتين انتخابيتين متلاحقتين: الانتخابات البلدية (المحافظات) والانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث أظهر الناخب العراقي بُغضه للطائفية والعرقية وتعمّد التصويت لبرامج سياسية، ودعم التيارات العلمانية والوطنية .

 

هذه التعقيدات سوف تمتد إلى شخص رئيس الجمهورية الجديد، فهل سيكون سنياً هذه المرة أم أن واقع التحالفات الاضطرارية سوف يعيد جلال طالباني رئيساً للجمهورية، والأمر ذاته سوف يمتد إلى رئيس مجلس النواب، ضمن انسياق اضطراري مجدداً إلى المحاصصة السياسية الطائفية غير المرغوب فيها شعبياً في ظل العجز عن بلورة مشروع وطني يستحيل تحقيقه ضمن عملية سياسية من صنع الاحتلال .