رضوان السيد

مضى على اختلاف العلماء في تعريف مصطلحَي الحضارة والثقافة ما يزيد على قرن من الزمان. وكانت المشكلة دائماً في تداخُل المصطلحين. ثم جرى الأمر في العقود الثلاثة الأخيرة على التمييز بين الأمرين؛ في أنّ الحضارة تُعنى على الأغلَب بالعوامل المادية مثل المباني والعمائر وأنظمة الري والتنظيمات الإدارية والتجارية ونظام الحياة العملي بشكلٍ عام؛ فيما تُعنى الثقافة بالبُنى الفكرية والروحية التي تُشكِّلُ دوافعَ ومستحثّات، تؤثّرُ في الواقع وتمتدُّ على مَدَياتٍ طويلة بحيث ينطبعُ المجال الحضاريُّ المُعَيَّن بها.
وقد قدَّمْتُ بهذه السطور للنظر في الإشكالية التي أثيرت من جانب المستشرقين بشأن مكوِّنات الحضارة العربية الإسلامية منذ ستينيات القرن العشرين، ثم تركّزت منذ مطلع الثمانينيات على مرحلة الإسلام الأُولى (القرن الهجري الأول)؛ بما في ذلك النبوة والقرآن وظهور الدولة في عالم القرنين السابع والثامن للميلاد. ومنذ البداية قَسَّم المستشرقون الجُدُد quot;مصادرquot; التعرف على تلك الحضارة إلى قسمين رئيسيَّين: المصادر التوثيقية، والمصادر الأدبية. وقد عنى هؤلاء بالعمائر والنقود والعُملة والكتابات التي يمكن التأكُّدُ من انتمائها إلى القرن السابع الميلادي. أما المصادر الأدبية فقد عَنَوا بها أعمال المؤرّخين وقصائد الشعراء والنتاجات الأُخرى الكتابية، الفقهية والأدبية والجغرافية وفنون الكتابة الأُخرى. ومنذ البداية أيضاً اعتبروا أنّ الأدبيات هذه إنما كُتبت بعد منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن والتاسع للميلاد)، وهي تتحدث من منظور القرنين الثاني والثالث للهجرة عن وقائع القرن الأول باعتبارها ماضياً قُدْسياًَ أو صورة عمّا جرى وكان، وتؤثِّرُ فيها التحزُّبات اللاحقة، ومتغيرات النُظُم والأفكار. وبعد تردُّدٍ قليلٍ ألحقوا بها القرآن الكريم والسُنّة النبوية. وعِلّةُ ذلك من وجهة نظرهم أننا لا نجدُ مخطوطاتٍ للقرآن من القرن الأول؛ باستثناء الآيات المنقوشة على مسجد قُبّة الصخرة، كما لا نجد سُنَناً مدوَّنةً ومنسوبةً للنبي صلى الله عليه وسلّم إلاّ بعد منتصف القرن الثاني الهجري. وما كان ذلك كلُّهُ صحيحاً، لكنهم أصرُّوا على تلك القسْمة، وما اعترفوا إلاّ بمفهومهم للوثائق؛ بل وانصرفوا إلى الكتابات المسيحية واليهودية من القرن السابع الميلادي، ليستنطقوا معلوماتِها القليلة عن الدين الجديد والدولة الجديدة!

ومنذ الثمانينيات، انصرف العلماءُ العربُ والمسلمون الذين كتبوا بالعربية والإنجليزية والفرنسية إلى الردّ عليهم بأُسْلوبين: الهجوم على أطروحاتهم الجديدة هذه باعتبارها مؤامرةً على العرب والمسلمين ديناً وكتاباً مقدَّساً وثقافةً طالعة، والأُسلوب الثاني: محاولة جمع دثائر النقوش والعمائر والكتابات عليها، والنقود التي تحمل تاريخَ السكّ وما عليها من عباراتٍ قرآنيةٍ وألقاب. وأضاف بعضُهم لذلك ربطاً بين الوثائق هذه، وما يَرِدُ في المصادر الأدبية المتأخرة من رواياتٍ وأخبارٍ تتطابقُ مع وقائع الوثائق تلك. وكان ذلك كُلُّه مفيداً، لانّ علماء الدارسين (وقلةٌ قليلةٌ منهم من الغربيين) كشفوا عن رقوقٍ وبردياتٍ تعودُ للقرن الهجري الأول وعليها نصوصٌ قرآنيةٌ، وتنظيماتٌ للعطاء والخراج والجزية، من مصر وفلسطين والعراق واليمن. وفي ضوء المعلومات المُستقاة من الرقوق والبرديات والنقوش على الصخور والسدود والأضرحة والمسكوكات، تنبَّهوا إلى أنّ الوثائق الواردة هذه، تَرِدُ أيضاً وفي تطابُقٍ كاملٍ فيما سمّاه المستشرقون الجددquot; مصادر أدبيةquot; اعتبروها متأخّرة؛ مثل تاريخ خليفة بن خياّط وتاريخ دمشق لأبي زرعة وفتوح البلدان للبلاذُري وتاريخ المدينة لعُمر بن شبّة وتاريخ الرسل والملوك للطبري. وهذا يعني أمرين: أنّ المؤرّخين هؤلاء ما كانوا يخترعون ما يُوردونه من مَرْويّات باعتبارها انطباعات شخصية أو حزبية، كما لم يكونوا يعتمدون على المعلومات الشخصية؛ بل على مدوَّناتٍ تعودُ في الأعمّ الأغلب إلى القرن السابع الميلادي ومطلع القرن الثامن. فمصادرُ معلومات المؤرّخين والمحدِّثين وصُنّاع دواوين شِعْر العصور الثلاثة، الجاهلي وصدر الإسلام والأُموي، تعودُ لجهتين: المدوَّنات في دواوين الدولة، أو الرسائل والمجموعات في شتّى المسائل والتي كُتبت في العصر الأًُموي. وهذا يعني بالتَتبع أمرين آخرين: أنّ حركة التعريب في دواوين الدولة ما بدأت في عهد عبد الملك بن مروان في مطلع القرن الثامن؛ بل بدأت قبل نصف قرنٍ على ذلك، أي على أثر الفتوح مباشرةً، وإنما بلغت ذروتَها في عهد عبد الملك بن مروان، وأنّ الرواة والمحدِّثين والشعراء واللغويين تساوقوا مع الدولة أو سبقوها في تدوين أُمورٍ ومسائل دينية وثقافية لا تعني الدولةَ مباشرةً؛ وإنما تعني المجتمع الجديد وعقائده وممارساته وأَولوياته؛ ومن ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية.

بين السابع والعشرين والتاسع والعشرين من شهر أبريل الماضي، أتت إلى بيروت بدعوة من المعهد الألماني للدراسات الشرقية الأستاذة quot;وداد القاضيquot;، فألْقت محاضراتٍ بالمعهد والجامعة الأميركية عن مرحلة التكوين في الدولة والحضارة العربية. والدكتورة القاضي من أصلٍ بيروتي، وهي منذ عام 1988 تشغل كرسيَّ الدراسات الإسلامية بجامعة شيكاغو. وفي متحف جامعة شيكاغو منذ ثلاثينيات القرن الماضي بَرْدياتٌ عملت عليها قبل خمسين عاماً دارسةٌ عربيةٌ أخرى من أصل عراقي هي نبيهة عبُّود، وكان همّها وقتَها تبيان تطور الكتابة بالخطّ العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة. أمّا الدكتورة القاضي فعملت خلال عشرين سنةً الماضية على المصادر الوثائقية للحضارة العربية أو وثائق دواوين الدولة كما تبدو في البرديات، وفي الوثائق الإدارية الأُموية التي سجّلها مؤرّخو القرنين الثاني والثالث في كتبهم.

لفت انتباهَ الدكتورة القاضي أنّ أبا زُرعة الدمشقي من القرن الثالث الهجري، يذكر في كتابه quot;التاريخquot; أنّ شيوخَهُ قرأوا في ديوان العطاء (المرتَّبات) بحمص أنّ خالد بن معدان (وهو تابعيٌّ وعالمٌ ومن الفاتحين) توفّي عام 104هـ. كان همُّ أبي زُرعة التحقُّق من سنة وفاة خالد بن معدان لأنه من العلماء، وهو كان يؤرّخُ لهم. وقد استنتجت القاضي من ذلك أنّ quot;ديوان العطاءquot; كان يتضمن أسماء كلّ الذين يتقاضَون مرتّبات من الدولة، وأنّ الديوانَ كان يُحدَّثُ، وتُحذفُ منه أسماءُ الذين يُتوفَّون أو يُستشهَدون من أجل إسقاط مرتباتهم، شأن ما تفعلُهُ سائر الجيوش وما يجري في سجلاّت الأحوال المدنية اليوم. وقد قارنت القاضي هذه المعلومة بما يَرِدُ في البرديات المصرية الكثيرة حول تلك الفترة والفترات السابقة. وبما يردُ في quot;المصادر الأدبيةquot; عن ديوان العطاء الذي تأسَّس في عهد عمر بن الخطّاب. وهذا يعني أنّ الدولة الإسلامية كانت، ومنذ أقدم عصورها، شديدة التنظيم، وتدَوَّنُ في سجلاّتها كُلّ المداخيل والنفقات؛ بل ومعلومات عن صغار أبناء الأُسرة، وما يتقاضونه من الدولة من quot;رزقquot;، أي إعانات مادية أو عينية. ومن معلوماتٍ أُخرى في البرديات المصرية والفلسطينية نعرفُ تماماً متى وكم دفع كُلُّ زارعٍ أو فلاّح من الضرائب (الخراج) والجزية (ضريبة الرأس). فهذه الدقةُ لا تعودُ للعصر العثماني؛ بل بدأت قبل العصر الأُموي وبلغت ذروتها أيام الأُمويين.

وفي مُحاضرةٍ أُخرى قرأت الدكتورة القاضي صفحةً من كتاب quot;فتوح البلدانquot; للبلاذُري، يوردُ فيها عن القحذمي- وهو موظَّفٌ في ديوان البصرة توفي أيام أبي جعفر المنصور- معلوماتٍ عن سجلاّت المِلْكية بالبصرة في النصف الثاني من العصر الأُموي. والواضحُ أن هذه الملكيات إنما سُجلّت ليس لحفظ حقوق الناس وحسْب؛ بل ولاستيفاء ضريبة الخراج عنها.

هذه بعضُ وقائع quot;الحضارة الماديةquot; والتنظيمات الإدارية والمالية في العصر الأُموي، ولا شكَّ أنّ التنظيم هذا يعودُ لفترةٍ أقدَم قد تكون زمن خلافة الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفّان. فالدولةُ وتنظيماتُها قديمةٌ في الإسلام، كما هي في الشرق، ولا فرق بين المصادر الوثائقية والأُخرى الأدبية والتاريخية في الاستدلال على وجودها وعملها. وإذا كانت ماديات الحياة السياسية والإدارية عريقةً إلى هذا الحدّ، فلماذا لا تكونُ فكرةُ الخلافة وأبعادها الفكرية والثقافية على نفس القدْر من العراقة؟!