GMT 2:08 2010 السبت 28 أغسطس GMT 12:44 2010 الأحد 29 أغسطس  :آخر تحديث

نصري الصايغ وأسعد أبو خليل : السلاح الذي ينهش الأصدقاء

إيلاف

     

الخوف على عصمة السلاح
 نصري الصايغ
السفير اللبنانية
بعد الاطلاع الدقيق على القرارات المتخذة لمعالجة ذيول حادثة برج أبي حيدر، وبعد التنقيب في تصريحات المسؤولين والتيارات السياسية والوطنية كافة، لم نعثر على الجواب لسؤال أساس: «كيف تنجو العاصمة من عودة الميليشيا»؟
 
الاستثمار السياسي متوافر، الشماتة حاصلة، الكلام الذي «على حبله الغارب» شائع. وكل فريق يترجم نياته، ولا يستقرئ الحدث، باحثاً عن وسيلة تمنع «عودة الميليشيات» إلى العاصمة.
 
إذا كانت القوى السياسية معتادة على طحن اللبنانيين بالشعارات والشعارات المضادة، فإن «حزب الله»، هو المعني الأول في الإجابة: «كيف السبيل إلى إبقاء السلاح في وجهة المقاومة والحفاظ عليها، وعدم انزلاقه ليصبح، شبيهاً، بسلاح الميليشيات».
 
بعض من خيرة شباب لبنان، قضى في برج ابي حيدر. وهؤلاء أبناء وآباء وإخوة من عائلات ستلبس السواد حداداً، وتبيت على أحقاد وشكوك فاجعة... فالقتل المتبادل، القتل العشوائي، هو سمة من سمات «حروب الميليشيات».
 
بعض من قادة لبنان المقاومة في الثمانينيات، قضى في صراع البنادق، عندما استدرجت لتأخذ حقها بيدها... وكمثل حادثة برج ابي حيدر، حصل في ساقية الجنزير: حادث مرور بين سائقين، واحد من «المرابطون» والآخر من «السوري القومي»، قتل فيه الأول، و... فتحت نيران جهنم. اغتيل انتقاما، قائد مقاوم، الشاعر كمال خير بك، الذي لم تنل منه يد اسرائيل، بعد عمليات عالمية مذهلة، كما اغتيل قائد آخر، هو بشير عبيد، لم يتمكن حكم الإعدام من ان ينعقد حول رقبته ولم تصل إليه يد الموساد... لا هو، ولا فؤاد عوض وآخرون. هنا، في بيروت، في ساقية الجنزير، سقط قائدان، بسلاح الميليشيا، الذي يفترض أن يكون سلاح القضية والمقاومة. وأخضعت بيروت، بعد المقتلة، إلى قتال دام، في شوارع العاصمة، لم يهدأ، إلا على زغل الوعود، بعدم التكرار، وقد تكررت المقتلة مراراً، بين أطراف القضية الواحدة...
 
ولم تنج «المنطقة الشرقية» من حرب «الاخوة الأعداء»، وهم في صف واحد أيضا.
 
ولم تنجح الأطراف في الضفتين اللبنانيتين في إنهاء حروب الميلشيات، الا عندما استسلم الجميع لمقتضيات اتفاق الطائف. وبالمناسبة، لم تكن بيروت وحدها الضحية، فمعظم مدن لبنان كانت مسرحاً للعبة الدم وحروب الانتقام ودوامة العبث.
 
لم يكن الحل أبداً أمنيا. ما قيل من تصريحات وما اتخذ من قرارات لا يمنع تكرار «برج ابي حيدر» في مكان آخر. الطائف، كان حلاً سياسياً، سلّم به الجميع في السياسة، فسلّم عبره الجميع سلاحه، أو باعه، باستثناء ما اختص بالمقاومة.. والسلاح الخفيف.
 
اللجان الأمنية المشتركة كانت عاجزة. اللجان الأمنية والعسكرية فشلت. جولات السباق الدامي في «سباق الخيل»، لم تنتج إلا المناشدات، ولم يسمع أحد.
 
لنعد إلى السؤال: «كيف نعصم سلاح المقاومة، من الانزلاق، إلى منطق الميلشيات»؟
 
أولا: يظهر ان سلاح المقاومة، المنتشر في اكثر من منطقة، خارج الجنوب، هو لحماية ظهر المقاومة، أو، هو احتياط تعبوي ضروري للمقاومة. وهذه، لا تطمئن إلى ظهرها، وقسم من لبنان السياسي/ الطائفي، لم يتورع في السياسة وسواها، عن استهداف سلاح المقاومة. القرار 1559، عنوان، حرب تموز عنوان آخر، البيانات الدورية، لقادة روحيين وسياسيين عنوان دائم... المقاومة إذا، غير مطمئنة إلى سلامة سلاحها، فنلجأ إلى المزيد من الانتشار لحماية سلاحها المقاوم جنوبا.
 
ثانيا: لم تصل القوى السياسية اللبنانية، إلى شبه اتفاق حول جدوى المقاومة. فلا يزال البعض يؤكد ان مجرد وجود المقاومة، هو ذريعة لاسرائيل، كي تعاقب لبنان وتدمر بناه التحتية وتعيث فيه خراباً. ولا يزال البعض الآخر، يرى فيها انها حالة ميليشياوية كامنة، ويستشهد على ذلك، بأحداث السابع من أيار، وموقعة برج أبي حيدر... النيات السياسية المعادية للمقاومة، حاكمة ومتحكمة في مفاصل الحياة اللبنانية، لدى فريق يمثل طائفة ومذهباً، يستعيد «الفتنة الكبرى» (عثمان) قبيل وإبان وغداة، كل معركة صغرى.
 
ثالثا: إذا سلمنا بأن سلامة المقاومة، يؤمنها السلاح، فإن عصمة هذا السلاح تتأمن من خلال تخصيص هذا السلاح للدفاع عن المقاومة حصراً. وعليه، فلا حاجة على الاطلاق، للتدخل المدني، الأهلي، في خلافات أهل الحي، مهما بلغت، وفي خلافات التحرش، وفي خلافات السير، وفي خلافات الكهرباء، وفي الخلافات السياسية، الهامة والتافهة، ليس من اختصاص حاملي السلاح، دفاعاً عن المقاومة في بيروت وسواها من المناطق، التدخل لحل إشكال بين عنصرين أو شابين من تيارين أو مذهبين مختلفين... وعليه، يلزم تحريم هذا التدخل الأهلي، الذي تقدم عليه عناصر، مؤيدة بالنفوذ الطائفي، والقوة المنظمة... لأن دور المقاوم في بيروت، ليس ان يكون بوليس إشارة أو ضابط شرطة أو محققا عدلياً، أو حامي جباة المال. ان قشرة الموز الأهلية، تقود إلى فتنة أهلية، وعليه، فليكن اختصاص سلاح المقاومة، الدفاع كما المقاومة، فقط لا غير. وإلا، فان انزلاقته ليصبح «ميليشيا»، ستكون على أبواب كل طلاق فردي.
 
رابعا: ان شعار «بيروت منزوعة السلاح»، فيه شبهة عنصرية. فلماذا بيروت وحدها؟ لماذا استثناء طرابلس وصيدا والبلدات المتناوبة جغرافيا ومذهبيا على الطرق الدولية... وهو شعار، يستوجب السير فيه، حروباً أهلية متناسلة، في ظل «النيات المبيتة» و«القناعات المتناقضة»، و«السياسات المتنابذة». ان السلاح المقاوم في بيروت، بل في أبعد من بيروت، هو ضرورة استراتيجية، كي لا تسقط بيروت، كما حصل في العام 1982. فإسرائيل، التي أصبحت دولة صديقة وشقيقة لبعض دول الاعتدال العربي (ولها فروع في لبنان)، لا تزال دولة معادية، وقد تعيد الكرّة، إذا خلا الجنوب من المقاومة وإذا باتت بيروت «منزوعة السلاح».
خلاص بيروت، سابق لأوانه. لم تنضج بعد كفاية. منطق السلامة الوطنية والحفاظ على قوة المقاومة، لم يجد من يترجمه في اتفاق سياسي مبني على قناعة وتجربة ومصلحة.
هل تتكرر موقعة برج أبي حيدر؟
ليت لا...
   
 
خطاب نصر الله والبيئة الحاضنة
أسعد أبو خليل
الأخبار اللبنانية
لعلّ كثيرين في العالم العربي كانوا متسمّرين أمام الشاشات في ذلك اليوم الذي أطلّ فيه حسن نصر الله ليتحدّث عن اتهام حزب الله لإسرائيل باغتيال رفيق الحريري. حتى محطّة صهر الملك فهد (المهووسة على مدار الساعة بالخطر الإيراني) اضطرت، لأهميّة الحدث ـ تلفزيونيّاً ـ أن تنقل المؤتمر على الهواء. وحدها محطات اليمين الحريري في لبنان تمنّعت، ولم تكن راغبة. تلك المحطّات التي تضع ساعات وروزنامات عن تعداد الأيّام منذ اغتيال الحريري لم تجد في المؤتمر عن اغتيال الحريري حدثاً مهمّاً يستحقّ النقل. لعل في الاتهام ما يحرجها
 
قبل أن تستوعب مغزى المؤتمر الصحافي لحسن نصر الله عليك أن تزور متحف المقاومة في مليتا. لو كان لبنان وطناً بحق ــــ وهو ليس بذلك ولن يكون يوماً أبداً ــــ لكانت زيارة المتحف واجباً وطنيّاً يُفرض على كل طلبة المدارس. لو أن لبنان كان وطناً، لفرضَ على فارس سعيد (ورفاقه في الأمانة العامّة لعائلة الحريري) أن يعمل مرشداً سياحياً في متحف مليتا لعلّه يتعلّم شيئاً عن خطر إسرائيل وعن نجاح مقاومتها اللبنانيّة. لكنك عندما تذهب إلى هناك تتلمّس عدم اتساع نطاق الجمهور الزائر، وتستطيع أن تستخلص شيئاً عن الصفات السوسيولوجيّة لذاك الجمهور. وفي أوّل قاعة عَرض، تستوقفك لوحة عملاقة (عملاقة على وزن صحن الحمّص العملاق) عن الهيكليّة التنظيميّة لجيش العدوّ، وبالتفصيل وبالأسماء العبريّة. وقفتُ أمام اللوحة مُحاطاً بكميّات هائلة من المغانم من مواجهات بين المُقاومة والعدوّ، وتذكّرت أن ريمون إدّه كان يتحدّى المقاومة الفلسطينيّة منذ الستينيات داعياً إيّاها إلى جلب زرّ واحد من بزّة عسكريّة إسرائيليّة دليلاً على نجاحها العسكري. في مليتا، ترى عدداً هائلاً من البزّات العسكريّة ومن المدافع وغيرها من الأسلحة ومن الذخائر والمعدّات. أما اللوحة العملاقة فدليل آخر على جديّة مقاومة حزب الله لإسرائيل. أخذ الحزب على عاتقه دراسة العدوّ بدقّة وتمحيص لمواجهته من أجل الإعداد الدقيق للمواجهة العسكريّة (أذكر أنني سألتُ حسن نصر الله قبل حرب تمّوز عن طبيعة قراءاته، فأجابني في ما أجابني بأن متابعة الإعلام العبري تشغله بصورة يوميّة). لم تقم المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة اللبنانيّة بهذه الدرجة من الإعداد الرصين والمُثابر للمواجهة. ماذا كان ياسر عرفات أو أبو مازن يعرفان عن إسرائيل؟ أبو مازن كان يبشّر منذ السبعينيات بأن لا حاجة للمقاومة لأن إسرائيل ستنهار من الداخل بين ليلة وضحاها. تخرّج مدرسة خاصّة بالحزب مثلاً ـــــ وهذا ليس سراً ــــ دورات في اللغة العبريّة. أذكر أن فصائل المقاومة كانت تستعين بخبراء اللغة العبريّة في مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة كلما احتاجت لترجمة وثيقة أو مقالة. لم يكن لديها مختصّون.
 
عقد مجلس الدفاع الأعلى جلسة خاصّة لبحث موضوع إهانة المرّ ولم يعقد جلسة لبحث تغلغل العملاء هناك من يعاجلني بالقول في لبنان، من أوساط الليبراليّة واليسار، كلّما عبّرت عن انطباعي بأن حزب الله حقّق قفزة نوعيّة مذهلة في تاريخ الصراع العربي ــــ الإسرائيلي، بأن نجاح حزب الله في المواجهة مع إسرائيل يعود لحجم الدعم الإيراني. أنا أردّ هذا القول على مُطلقيه. هذا غير صحيح، مهما كان حجم الدعم الإيراني لحزب الله (وهو يتعرّض للمبالغة في الإعلام الغربي والسعودي ــــ الحريري). فالحركة الوطنيّة اللبنانيّة والمقاومة الفلسطينيّة كانت تتلقّى الدعم العسكري والمالي من العراق، وليبيا، والجزائر، ومصر (في فترات)، السعوديّة، الاتحاد السوفياتي، الكويت، اليمن الجنوبي، سوريا، وبعض دول المعسكر الشيوعي. لكن التنظيمات (وخصوصاً قيادة ياسر عرفات التي أجهضت عن قصد مشروع التثوير الإقليمي الذي دعا له قبل نشوب الحرب الأهليّة جورج حبش) الفلسطينيّة واللبنانيّة بدّدت ما أتاها من غنائم (وما جناه بعضها من سرقات)، كما أن ليبيا كانت تفرد 100000 دولار شهريّاً لأمناء التنظيمات اللبنانيّة والفلسطينيّة. لم تتكرّس تلك الأموال لإعداد خطّة جديّة لمواجهة إسرائيل. كان ياسر عرفات يتوقّع اجتياحاً إسرائيليّاً (خطة الأكورديون, كان يسمّيها) طيلة عام 1982، ولمّا أتى الاجتياح تبيّن أن عرفات لم يستعدّ له، بل وضع أفشل القيادات وأفسدها في مواقع القيادة العسكريّة (مثل الحاج إسماعيل).
هذه المقدّمة ضروريّة لفهم ما قدّمه نصر الله من وثائق ومن قرائن في المؤتمر الصحافي. وعرضُ أفلام مُستقاة من بث استخباري إسرائيلي دليل آخر على المستوى المُتقدّم من رصد إسرائيل، فيما كان رصد إسرائيل من قبل منظمّات فلسطينيّة يقتصر فقط على ترجمة بعض المقالات لزئيف شيف. لم يرد نصر الله أن يقدّم ما يُسمّى بـ«المسدسّ ذي الدخان الصاعد»، أي الدليل القاطع على ضلوع إسرائيل في جريمة اغتيال الحريري. لكنّه أراد تقويض المصداقيّة المزعومة للمحكمة الدوليّة (نذكر عندما كان حزب الله وحلفاؤه يردّدون وصف المحكمة بأنها «ذات طابع دولي» ــــ هكذا نجح فريق الحريري في خداعهم السهل) وقد نجح في ذلك. استطلاع الشركة «الدوليّة للمعلومات» الذي نشرته جريدة «السفير» كان بالغ الدلالة في نتائجه. يكفي أن الطائفة السنيّة (التي كان فؤاد السنيورة ينصرها في مصلاه الحكومي الرسمي) انقسمت في تقويمها لقدرة الوثائق التي قدّمها حسن نصر الله على إقناعهم. وهذا مهم لأن فريق الحريري لم يتوقّف منذ ما قبل المؤتمر عن ضخ الدعاية السياسيّة غير الذكيّة (يعني على شاكلة تحليلات محمد سلام البوليسية ونظريّات فارس خشّان في علم الجريمة وفكر نصير الأسعد ـــــ مسؤول إعداد الكوادر العقائدي في حزب تيّار الحريري ـــــ في العلاقات الإقليميّة) من أجل إبعاد وجهة الظن، حتى الظن، عن إسرائيل. واجب القول إن الظن بإسرائيل من حسن الفطن. مراسل «هآرتس» العسكري قال في مقابلة تلفزيونيّة ـــــ رادّاً التهمة عن إسرائيل ـــــ إن إسرائيل «توقفت عن القيام بأعمال كهذه منذ 15 سنة». مرّ التصريح المذكور مرور الكرام. لا يريدون تلويث سمعة إسرائيل في لبنان.
الكلام الدبلوماسي لا يفي بالغرض. هم البيئة الحاضنة. الذي كتب على موقع 14 آذار مستعيناً بتسريبات إسرائيليّة (الهوى، لا المصدر، لأن الاتهام ظالم هنا لأن الكل في 14 آذار يقول «إسرائيل عدو» قبل أن يضيف كلاماً يخدم إسرائيل ويضرّ بأعدائها، وهم ليسوا منهم بالممارسة) والذي كتب (أو الذين كتبوا) على موقع «ناو حريري» محاولين ما أوتوا من قوّة دفع التهمة عن إسرائيل، متماشين مع المخطط السعودي الخبيث الذي يريد تحسين صورة إسرائيل ووضع إيران فقط في خانة العدوّ (تضع جريدة «الشرق الأوسط» كلمة «وحشي» بين مزدوجين في وصف الجرائم الإسرائيليّة، فيما نشرت أكثر الجرائد العربيّة اصفراراً، أي «السياسة» الكويتيّة، مقالاً مسهباً للدفاع عن إسرائيل وللقول إنها لم تعتد على لبنان قط في تاريخها، وإنها كانت ضحيّة لأعمال منطلقها لبنان). بعض فريق الحريري يُصاب بارتباك فيتمتم أقوالاً غريبة من نوع: نتمنّى أن تكون إسرائيل وراء عمليّة الاغتيال. هؤلاء في البيئة الحاضنة سارعوا بعد اشتباك برج أبي حيدر (الذي يتحمّل حزب الله مسؤوليّة جمّة فيه، ولو كان قد استُدرج، وينطبق عليه ما قاله تاليران: «إنها أسوأ من جريمة. إنها زلّة») إلى الدعوة إلى جعل بيروت مدينة مفتوحة. هؤلاء يكادون يدعون قوات الكوماندوس الإسرائيليّة الإرهابيّة للقدوم إلى لبنان في موسم الصيف للقضاء على قيادات المقاومة. لا يُشتم براءة في تصاريحهم أبداً في بلد يعجّ بعملاء إسرائيل، وفي كل القطاعات وعلى مختلف المستويات.
عرض نصر الله كان محاولة منه لتذكير الجمهور العربي بأن حزب الله يأخذ مواجهة إسرائيل على محمل الجدّ وأنه حقّق في صراعه معها نجاحات تتعدّى النجاح العسكري لتطال النجاح الاستخباراتي والاستخباراتي المُضاد، وهو الحقل الذي استعصى على فصائل المقاومة الفلسطينيّة، ربّما بسبب كثرة اختراقاتها من أجهزة معادية، عربيّة وإسرائيليّة على حدّ سواء. كما أن المؤتمر الصحافي أراد تذكير اللبنانيّين بضرورة أخذ الخطر الإسرائيلي على محمل الجدّ. تساهلَ لبنان الرسمي والشعبي والإعلامي مع الشبكات المُتساقطة والخفيّة من عملاء إسرائيل وإرهابيّيها (شبكات إسرائيل تعمل في التجسّس وفي الإرهاب وإن كان الإعلام يطلق عليها فقط صفة التجسّس). البيئة الحاضنة لإسرائيل (وهي تخترق كل الطوائف من دون استثناء، أي إن في صفوفها تتمثّل الطوائف بصورة «عادلة» كما تنصّ تلك المادّة الدستوريّة الشنيعة) هي تلك المنخرطة في المشروع السعودي، ومحاولة نفي التحالف السعودي ــــ الإسرائيلي باتت مستحيلة في ظلّ ما يُنشر في الصحافة الغربيّة. إن تمويل السعوديّة لثلاثة آلاف مُقاتل في لبنان قبل 7 أيّار لم يكن من أجل الإعداد لمواجهة مع إسرائيل. وتتزامن مع الشروع النشط في تفنيد أي تهمة ضد إسرائيل (حتى في موضوع العديسة، سارع الإعلام السعودي والحريري إلى المواربة والمراوغة وإلى تحميل ضابط في الجيش اللبناني المسؤوليّة) البدء بالتشكيك في تهم العمالة لإسرائيل. هناك في فريق الإعلام السعودي من أعلن فجأة معارضته لتطبيق عقوبة الإعدام ضد العملاء، لكن من باب حقوق الإنسان، وإن كانت تلك الأبواق نفسها في الإعلام السعودي لا تلاحظ أو تستنكر عقوبة قطع الرؤوس اليانعة في ساحات الرياض.
تأخّر حزب الله كثيراً في بث التشكيك بالمحكمة الدوليّة. كان يجب على التشكيك أن يبدأ قبل إنشاء المحكمة. لا عدالة دوليّة في ظل وحدانيّة السيطرة الأميركيّة على كل مقدّرات «الشرعيّة الدوليّة». أو كان يمكن حزب الله أن يبدأ بالتشكيك في المحكمة بعد صدور تقرير ميليس الأوّل. لعلّ الحزب ارتاح خطأً لأن اسمه لم يرد في «سلطة» التنظيمات التي وردت في قائمة الاتهام والتجنّي (كأني بميليس في تقريره الأوّل يضرب عشوائيّاً نحو كل حلفاء سوريا في لبنان لعلّ التهمة تلتصق بواحدهم). انتظر الحزب وتريّث كما أن سوريا ارتأت أن تتعاون من دون أن تعلم يقينيّاً وجهة القرار الاتهامي.
أما في مضمون اتهام إسرائيل، فالأمر يحتاج إلى أدلّة إضافيّة من ناحية قانونيّة. لكن متى كان القانون سمة من الحديث عن اغتيال الحريري؟ حتى التقارير التي صدرت عن لجنة التحقيق هي تقارير سياسيّة مبنيّة على أحاديث وأقاويل شلّة إعلام قريطم. لم يحاول نصر الله أن يقدّم مطالعة قانونيّة، بل سياسيّة. لكن المطالعة كان يجب أن تترافق مع حملة إعلاميّة واسعة للتذكير بتاريخ لم ينته من اغتيالات وحشيّة ارتبكتها إسرائيل. تلتصق التهمة بإسرائيل، وواجب العامّة والخاصّة اتهام إسرائيل لأسباب سياسيّة ودعائيّة وتحريضيّة ومن دون قرائن أو دلائل. تاريخها يدينها. أُدين القاتل «تشارلي مانسن» في جرائم لم يكن مشاركاُ فيها بناءً على ماضيه وعلى تأثيره التحريضي على مرتكبي الجرائم ومرتكباتها. هناك من يستسهل اتهام إسرائيل بصورة أوتوماتيكيّة وفي هذا ضرر بالتحميل الجدّي لإسرائيل في جرائم وحشيّة لا تنتهي تعدداً (كأن يتهم رستم غزالة تحسين خيّاط بالعمالة لإسرائيل، أو أن يتهم الماريشال للّو المرّ حسن علّيق بأنه «العميل الإسرائيلي الرقم واحد» في لبنان). هذا النوع من الاتهام يؤدّي (ببراءة طبعاً) إلى تخفيف وطأة الاتهامات الجديّة ضد إسرائيل. أنا أذكر أن «سيمور هرش عندما رأيته في واشنطن قبل سنتيْن كان على قناعة بأن إسرائيل (أو) وأميركا ضالعتان، إلا أنه لم يكن يملك دليلاً. لكن الذي وجد أن مطالعة نصر الله كانت تنقصها الدلائل نسي أن اتهام فريق العائلة التي نكبت لبنان ضد سوريا كان أضعف بكثير. كان الاتهام مبنيًّا على الخيال والقراءات البوليسيّة لفارس خشّان وعلى التحليل الطفولي لحسن السبع (أوتذكرون تحليلاته الشهيرة عن الانشقاقات في حركة فتح؟)، كان الاتهام مبنيّاً، كما وصفه اليميني إلياس عطا الله، على «الحدس الجماهيري». لعلّ الجماهير التي كانت تلاحق السود في الولايات الجنوبيّة في أميركا في مطلع القرن الماضي وتعلّقهم من رقابهم على أغصان الأشجار كانوا هم أيضا يتحركون بناءً على حدس. لعلّ إلياس عطا الله استقى العبارة من محاكمة مرشده السابق، جوزيف ستالين، الذي كان يأتمر بـ«حدس» الطبقة العاملة في روسيا.
طبعاً لم يستسغ الإعلام السعودي والحريري (والأخير رديف ذيلي للأوّل) مجرّد فكرة اتهام إسرائيل. لكن الدلائل على تغطية جرائم إسرائيل في لبنان سبقت المؤتمر بكثير. منذ توالي الأخبار عن كشف شبكات تجسّس وإرهاب (هناك ارتباك وتجاهل في الإعلام السائد لتغلغل العدوّ في الدولة والمجتمع في لبنان. ليس هيّناً أن هناك أكثر من 150 عميلاً إسرائيلياً مُتهماً في لبنان (يواظب فارس خشّان على الإنترنت على الدفاع عنهم واحداً واحداً، رافضاً إلقاء تهمة العمالة لإسرائيل على أحد، على ما يبدو). ليس هيّناً أن العميل الإسرائيلي المُتهم، غسان الجدّ، شغل منصب نائب لرئيس الأركان في الجيش اللبناني. في الدول التي تحترم نفسها ــــ أي في أي دولة خارج مسخ الوطن ــــ تتدحرج رؤوس وتسقط حكومات على أثر إلقاء القبض على جاسوس واحد، فما بالك لو كان نائباً لرئيس أركان الجيش اللبناني. كل سجلّ «فيلي برانت» التصق بحكاية الاختراق الاستخباري لألمانيا الشرقيّة. لماذا لم تعيّن قيادة الجيش لجنة تحقيق لكشف ملابسات وصول عملاء إسرائيل إلى مراتب عليا في الجيش؟ لماذا لم يستقل واحد في الجيش بعد انكشاف العملاء هناك؟ من الذي كان مسؤولاً (من آل المرّ خصوصاً) عن وصول غسان الجدّ إلى منصب نائب رئاسة الأركان؟ ليس هناك من دليل على أن القضيّة تشغل الجيش، وللتأكيد أن الموضوع ليس بذي بال في وزارة الدفاع، فإن اتهام وزير طائرات الميغ الروسيّة، الماريشال للّو المرّ، لحسن علّيق بأنه «العميل الإسرائيلي الرقم واحد» دليل على الاستخفاف بالعمالة لإسرائيل. أي إن الدولة لا تتعاطى مع الموضوع على أنه يمثّل تهديداً للأمن الوطني. وقد عقد مجلس الدفاع الأعلى جلسة خاصّة لبحث موضوع إهانة الوزير للّو المرّ، من دون أن تُعقد جلسة واحدة لبحث موضوع تغلغل عملاء إسرائيل في جسم المؤسّسة الأمنيّة والعسكريّة. ماذا سيكون موقف دولة الحريري المُرتهنة لو أن شبكات التجسّس تعمل لمصلحة إيران مثلاً؟ ألم تكن ستطلب انعقاد جلسة خاصّة لمجلس الأمن؟ ألم يكن الأمين العام للأمم المتحدة سيصدر بياناً صهيونيّاً يحمل بصمات مستشاره لشؤون فرض الصهيونيّة في العالم العربي، تيري رود لارسن، للتنديد بالتدخّل الإيراني في الشأن اللبناني. وإعلام اليمين الُمتخاذل (مثل محطة «إل بي سي» ومحطة دموع عائلة الحريري) كانت تفرد التقارير الطوال عن دخول مواطن سوري واحد أو اثنيْن عبر الحدود مع لبنان، وكأن في الأمر تهديداً للسيادة في لبنان.
ثم هناك من يقول بوقاحة «لا يجوز التخوين». لا يجوز التخوين فيما يقبع 150 عميلاً إسرائيلياً مُتهماً في السجون اللبنانيّة؟ التخوين بات واجباً وطنيّاً في لبنان، وخصوصاً أن هناك ثقافة تصرّ على تأبين عقل هاشم وتصرّ على مباركة حركة متوائمة مع مصلحة إسرائيل (صدفة، لا غير) وتريد أن يتعامل لبنان بفرح مع تهديدات إسرائيل المتكرّرة للبنان، فيما يقع شعب لبنان تحت وهم أن أحداث العديسة، في يومها الثاني، لم تصب الجيش والدولة بمهانة فظيعة عنوانها طأطأة الرأس أمام إسرائيل بإشراف قوّات احتلال اليونيفيل. والتعاطي مع خطاب نصر الله سبق وقت استيعابه، فعمل إعلام الحريري بسرعة، وخصوصاً من خلال إعلامه غير المُباشر (يعني يظن إعلام قريطم أن علاقته بمواقع مثل «ناو حريري» هي خفيّة ــــ قل (وقولي) إنه التذاكي الحريري، على الدفاع المستميت عن إسرائيل. محمد سلام لم يفوّت فرصة في
 
 
تأخّر حزب الله كثيراً في بث التشكيك في المحكمة الدوليّة، كان على التشكيك أن يبدأ قبل إنشاء المحكمة
التبرئة، مستعيناً بـ«معلومات» يوحي بأنها «تقنيّة» ويوحي بأنها موثوقة ويوحي بأن إسرائيل بريئة وهي لا تقوم بما يضرّ لبنان. طبعاً، ممكن القارئ أن يستنتج ما يريد، لكن يُراد لنا أن نصدّق ان تبرئة إسرائيل التي لا تتوقّف عن تهديد لبنان والتي لا تزال تحتلّ أراض عربيّة (بما فيها أراض لبنانيّة ارتأت الطبقة السياسيّة في لبنان أن تنساها) هي عمليّة قانونيّة بريئة؟
وقد رحّب حزب الله بلجوء الحكومة إلى تكليف وزير العدل، إبراهيم النجّار، بدرس الموضوع. أي إن الحزب أودع ثقته التامّة بالوزير، الذي كان عضواً في المكتب السياسي لحزب الكتائب أثناء الحرب عندما ابتدع الحزب القتل على الهويّة وقطع الأعضاء التناسليّة لمن يمرّ على حواجزهم من الطوائف «الغلط» (ويحاول الحزب الفاشي هذا اليوم أن يزيل من تاريخ حروبه الطائفيّة لأنه اختلق لنفسه حرباً «وطنيّة» ضد الشعب الفلسطيني الذي، بزعمهم، كان يريد التوطين). والوزير هذا شارك مع من شارك في ذكرى بشير الجميّل هذا الأسبوع: إن الاحتفال بذكرى قتل أسوأ لبناني (وشيخ أدوات إسرائيل في لبنان) يشكّل في حدّ ذاته بيئة حاضنة لعملاء إسرائيل. ماذا كان مشروع بشير الجميّل غير مشروع أسياده في إسرائيل؟ وبلغت الوقاحة بإبراهيم نجّار أن قال في الاحتفال المذكور إن مشروع بشير الجميّل كان «انتصار الدولة». نسي أن يضيف: انتصار الدولة الإسرائيليّة.
لم تكن جريمة اغتيال الحريري جريمة العصر، لكن إسرائيل جعلت منها فرصة للضغط على أعدائها، وكانت السعوديّة متحمّسة للمساعدة في جو التطوّع السعودي لخدمة المصالح الأميركيّة لكسب تعاطف الكونغرس. إن جرائم إسرائيل في لبنان لم ولا تتوقّف وهي التي تحتاج لمحكمة دوليّة تحظى بدعم مالي من دافعي الضرائب ودافعاته في لبنان. أما محكمة اغتيال الحريري، فقد استنفدت دورها وقد أسهمت بما فيه الكفاية في خدمة مصالح إسرائيل. إن الاستمرار في قبول دور المحكمة لا يعني إلا أن هناك في لبنان من لا يريد أن يتوقّف عن الترويج لمصالح إسرائيل والانقضاض على أعدائها، كائناً من كانوا. وإذا انخرط حزب الخضر اللبناني في مقاومة إسرائيل (وهو لن يفعل على الأرجح) فقد يجد أنه هو أيضاً مُتهم باغتيال الحريري. لكن المهم الأهم في كل هذه المعمعة أن السنيورة خط أحمر. الباقي تفاصيل.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
 
 
في أخبار