محمد خالد
كن متمدناً مع الجميع - اجتماعياً مع كثيرين - مألوفاً مِنْ قلة - صديقاً لواحد - عَدُواً للا أحد .
(بنيامين فرنكلين)
إليكم هذه المسطرة:
(نحن صغار بحجم الخوف الذي نعيشه، وكبار بحجم العدو الذي نختاره) . لقد آن الأوان للقيام بعملية فرز كبرى لكثير من مفاهيمنا السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، وذلك لاختلاط المفاهيم وتضاربها وما يتركه ذلك من بلبلة فكرية تجتاح الفرد والجماعة والوطن . . .
بعض هذه المفاهيم:
أمريكا الوقحة الكذابة، هل هي صديق أم وسيط أم عدو؟
عربياً: في فلسطين والعراق هي عدو شرس .
إسلامياً: في أفغانستان وباكستان وإيران هي أيضاً عدو .
عالمياً: أمريكا تعادي أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم .
عام 1973 سأل الأستاذ محمد حسنين هيكل الثعلب الصهيوني هنري كيسنغر: هل أنت وسيط أم طرف؟ فهم كيسنغر أن هيكل قد عَراه فطلب من الرئيس السادات أن ينحيه عن مؤسسة “الأهرام”، فرضخ للرغبة الآمرة لكيسنغر وأخرج هيكل من المؤسسة الإعلامية الأولى التي بناها بعرقه .
نذكر جميع المسؤولين العرب بالكلمة المأثورة لكيسنغر:
إنه لأمر خطير أن تكون عدواً لأمريكا، ولكنه أمر قاتل أن تكون صديقاً لها، خذوا هذه النصيحة الثمينة واعملوا بموجبها، واعلموا أن حمالية كرسي الحكم لا تكون برضا أمريكا، بل برضا شعبكم الأكثر ثباتاً والأطول عمراً .
فلسطين المزعجة:
هل المطلوب هزيمة “إسرائيل” أم هزيمة الفلسطينيين؟
البعض يريد هزيمة “إسرائيل” برأس رمح فلسطين، والبعض يريد هزيمة الفلسطينيين برأس رمح “إسرائيل”، هل أصبحت الكفتان متعادلتين إلى هذا الحد، على الصعيد الداخلي هناك أسئلة مخجلة: هل أنت مع المفاوضات أم الممانعة أم المقاومة؟ يا للعار .
طالبان والقاعدة: إسلام ضد الإسلام
نشجب بشدة جميع المخالفات والجرائم الوحشية في حق الأبرياء وضد المرأة وتكريس التأهيل الاجتماعي والفكري لكل من طالبان والقاعدة، وفي الوقت نفسه نصفق لهما على قتالهما أمريكا وحلف الأطلسي في أفغانستان وباكستان والعراق، ما هذه الحيرة؟ أن نكون مع القتيل في الأولى ومع القاتل في الثانية .
التعايش الديني رُقي:
في الوقت الذي تنتعش فيه الطائفية في بلادنا وتنشب أنيابها في نسيج المجتمع الوطني، تأتينا نماذج راقية من التعايش الديني خارج بلاد المسلمين، فقد نقلت الأنباء قبل أسبوعين السماح للمغتربين المسلمين في أمريكا بالصلاة في الكنائس لعدم وجود مساجد هناك، يذكرنا هذا التصرف الرائع بزمن قديم عندما صلى المسلمون والمسيحيون لمدة 80 سنة معاً في الجامع الأموي في دمشق، ولايزال هناك مقام في داخل الجامع لسيدتنا مريم العذراء يتبرك فيه مئات الألوف من المسيحيين والمسلمين يومياً ويحجون إليها ويقدمون لها النذور .
الديمقراطية والدكتاتورية
في حياتنا اليومية كثير من التناقض بين الكلام الديمقراطي والفعل الدكتاتوري، فأن تكون نصف ديمقراطي معناه أن تكون نصف دكتاتور، فالإنسان العربي يتمسح في الديمقراطية مع من هم أقوى منه (الحاكم - الشرطي - رجل الأمن - صاحب الشركة - الوزير - شرطي المرور - مدير السجن . .)
ويكون دكتاتوراً مع من هم أضعف منه (الأم - الأخت - الزوجة - الخادمة - الابن - الأخ الأصغر - البواب . . . .) .
الإنسان العربي أكثر نصف دكتاتور، وأقل من نصف ديمقراطي .
رمضان “بخيل”
هل شهر رمضان هو لتكبير أنفسنا بالعمل الصالح أمر لتكبير كروشنا بأطايب الطعام؟ هل هو شهر خفض الإنتاج على مستوى الوطن كله؟ هل هو شهر تعطيل مصالح الناس وتأجيلها بحجة الصوم؟ هل هو شهر الغلاء الفاحش الذي يرتكبه التاجر المسلم بفجور لا مثيل له؟ هل نتلقى تسالينا الرمضانية من مسلسلات “زهرة وأزواجها الخمسة” . . والحاج متولي وزوجاته الخمس (إذ يبدو أن رقم خمسة هو رقم جنسي بامتياز في الدراما التلفزيونية)؟ أم نلتفت إلى (ما ملكت إيمانكم) وذاكرة الجسد؟
الإعلام العربي:
يمتلك العرب حوالي 700 محطة فضائية (كثرة عدد وقلة بركة) . . هل هو في خدمة الإنسان وترقية مشاعره وتزويده بالمعلومات الصادقة؟ أم هو في تجهيله وكبح طموحاته وتزويده بالغث والإثارة والشعوذة ونشر الغيبيات والتنبؤ بالمستقبل وكل ما هو محبط؟
ثنائية النصر والهزيمة
في حرب 1967 خسرت مصر غزة وسيناء، وخسر الأردن القدس والضفة الغربية، وخسرت سوريا هضبة الجولان، وقد اعتبر النظام العربي أن هذه الخسارة الفادحة ليست هزيمة لأن النظام الذي خسرها لم يسقط . وهذا نصر في حد ذاته، أية مهزلة ألاّ نستطيع الفرز بين النصر والهزيمة بل نعتبرهما متساويين فلا العدو الصهيوني ربح ولا نحن هُزمنا .
هذه المهزلة أنتجت أضحوكة سوداء، فهذه أول حرب ينتصر فيها الطرفان المتقاتلان في الوقت نفسه .
مع المقاومة وضد المقاومين
يفاخر أي شعب بقواه المقاومة ضد العدو الخارجي ويوفر له كل أسباب الدعم والصمود، ويرفده بكل ما يقدر عليه من المال والرجال والسلاح لتحقيق النصر، في لبنان ثلاثة أطراف متناقضة رغم الحديث التحذيري عن تلاحم الجيش والمقاومة والشعب .
هناك طرف مع المقاومة، وطرف ضدها، وطرف ثالث هجين مع المقاومة وضدها، كيف يمكن حل هذه الأحجية؟ الموقف الثالث هو الأخطر لغموضه لأنه موقف احتياطي يصب في خانة ضد المقاومة، إن جميع المؤامرات المحلية والإقليمية والدولية تتمحور حول ضرب المقاومة، لأنها العنصر الأساسي ضد مشاريع العدوين “الإسرائيلي” والأمريكي في الوطن العربي، وعنوان هذه المقاومة معروف أولاً وثانياً وعاشراً حتى الآن .
في زمن الانكسار تختلط المفاهيم وتسود التناقضات فتصبح المحرمات حلالاً، وتصير الثوابت متحركة، وتصبح الخيانة وجهة نظر . إن مهمة الفرز القاطع هي ثقافة نقد الذات بقسوة، ووضع الملح على الجرح تمهيداً لشفائه . . . لنتذكر كلمة تولستوي: (كل واحد مهتم بتغيير العالم . . . لا أحد مهتم بتغيير نفسه) .