GMT 9:24:40 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

هل يسد المسدَّ سلمانُ العودة؟!
الحياة اللندنية

GMT 0:28:00 2010 الخميس 9 سبتمبر

عبدالله ناصر العتيبي


الكل ينشد التغيير... «السلفيون» الذين يظنون أن النقل «العلمائي» هو خير وسيلة لحفظ الدين... و«الليبراليون» الذين لا يعرفون حتى الآن لماذا هم ليبراليون؟ إذ لا صفات تسِمُهم ولا برامج تفرزهم عن غيرهم... و«التقدميون» الذين يؤمنون أن جسد الأمة لا يمكن شفاؤه إلا بسلخ مخلفات الماضي... و«الرجعيون» الذين يظنون أن المستقبل شر محض!

الكل يتحدث عن التغيير من زاويته الخاصة. المتشدد «دينياً واجتماعياً» يريد أن تدخل المجتمعات إلى دوائر مغلقة لا تفكير فيها ولا بحث ولا إبداع، يريد أن يحول الحياة الاجتماعية إلى شجرة ضرورات، تعيش على ماء الكفاف وتقتات على أملاح عدم التنوع، وتثمر سلوكيات وأفكاراً متشابهة، لا بيضاء ولا سوداء ولا ملونة، وإنما رمادية تحتاج دائماً لمن يأخذ بيدها للفم الذي يأكلها.

والمتفتح «دينياً واجتماعياً أيضاً» يريد أن تتحول المجتمعات ما بين طرفة عين وانتباهتها إلى نسق الحياة الغربي، النسق الذي احتاج الغرب إلى مئات السنين من التضحيات للوصول إليه، يريد أن ينقل التجربة الغربية التي تضع الفرد حجراً لزاوية بنائها، إلى مجتمعات عربية لا تزال تقدس المجموع الذي يسحق الفرد في كل سانحة وواردة.

الكل يريد التغيير، هذا أمر محمود، لكن ما التغيير الذي يتماشى مع طبيعة الناس والمرحلة؟ هل يكفي أن نراجع القوانين العامة التي تنظم حياتنا؟ هل علينا أن نكتفي بالقول «الطريقة المباشرة»، أم نسعى للتغيير من خلال العمل «الطريقة غير المباشرة»؟ هل نكتفي بالدعوات الفردية للتغيير، أم يلزم الأمر مشاركة الحكومات عبر استخدام مجموعات متخصصة في التغيير؟ هل الناس تتقبل التغيير من خلال فرض سياسة الأمر الواقع، أم من خلال الإقناع والمحاورة وتوافر أسباب القبول النفسي؟ هل علينا التفكير فقط في التغيير الاجتماعي والديني، أم يجب علينا أن نفكر في التغيير الاقتصادي والرياضي والفني والعلمي وغيرها؟ أما السؤالان المهمان الكبيران فهما: هل نحن فعلاً بحاجة إلى التغيير؟ وما الذي ينتظرنا في المستقبل إن لم نتغيّر؟!

بدءاً من السؤالين الأخيرين أقول: نعم، نحن نحتاج للتغيير، ليس فقط نحتاج، وإنما يجب علينا أن نسعى إلى التغيير كي نستطيع العيش في عالم المستقبل، إن استمرت حالنا كما هي فلن يستطيع أبناؤنا وأحفادنا مسايرة باقي شعوب الأرض، لأنهم – وببساطة شديدة – لا يمتلكون أدوات العيش في عالم متقلب متحول بسبب ظروف معينة مرت بتاريخنا ولونته بنتائجها، يجب أن نتغير لنأكل مما نزرع، ونلبس مما ننسج، ونركب مما نصنع، ونطير على ما نخترع، ونتواصل في ما بيننا اعتماداً على ابتكاراتنا.

كلمة التغيير «سعودياً مثلاً» لا تعني فقط أن يتحول الدكتور سلمان العودة عن مواقفه المتشددة السابقة، واتجاهه إلى مناطق الإسلام المعتدل، التغيير أيضاً لا يعني فقط تراجع الدكتور عايض القرني عن إقصائياته الشهيرة، ودخوله إلى ساحات احترام الآخر ورأي الآخر ومعتقدات الآخر. التغيير لا يعني فقط تحول الكثير من رموز المرحلة الصحوية السعودية السابقة عن أدبياتهم المتشددة باتجاه التسامح والفكر المتفهم لحاجات الواقع ومحدداته. التغيير الحقيقي هو الذي يشمل كل جوانب حياتنا «بما فيها التحول من التشدد إلى الفهم الحقيقي للإسلام». لا ينبغي لنا كلما أردنا الحديث عن التغيير أن نحصره في فهم الدين، بل يجب علينا أن نعرف أنه يتقاطع مع دين الفهم، إذ إن الإسلام المحمدي «لا السني ولا الشيعي ولا التصنيفي» جاء كدين فهم يصلحنا في الحياة، ومن ثم يقودنا أوتوماتيكياً إلى أبواب الجنة بناءً على هذا الصلاح.

هذا هو التغيير الحقيقي الذي ننشده، والجميل أن الدكتور سلمان العودة في برنامجه ذائع الصيت «حجر الزاوية»، الذي يعده ويقدمه الزميل فهد السعوي، ويعد ملفه الإعلامي الزميل أحمد الفهيد، ويعرض على قناة أم بي سي، (لا تنس يا أحمد أن تضع هذه المقالة في ملفك الصحافي كي يذكر اسمي في التلفزيون)، الجميل أنه يعرف أن التغيير ليس الحديث عن تحوله هو فقط، وإنما هو التحول الإيجابي في كل مناحي الحياة. في برنامج حجر الزاوية اختفى الشيخ سلمان العودة الذي كان يطلب من الناس قبل 15 عاماً التغيير تبعاً لمفاهيم دينية معينة متأثرة بالزمان والمكان، وظهر المفكر واسع الرؤية الذي يدعو الناس إلى التغيير في كل مناحي الحياة، اعتماداً على فهم جديد للإسلام يجعل منه مظلة عليا لحياتنا بشكل عام، لكن هل تكفي محاولات «العودة» للتغيير من خلال برنامج تلفزيوني؟! الإجابة بالطبع لا، فالمسألة أكبر من مراجعات تلفزيونية لا تلبث أن تختفي من ذاكرة العامة. إذا ما أردنا التغيير فعلينا القيام بمجموعة من الإجراءات الطويلة المزمنة التي تضمن تغيراً دائماً في المجتمعات، بمعنى أن نصنع التغير في الفكر لا في السلوك.

أول هذه الإجراءات التعامل مع مناطق السعودية كلٍ على حدة، فالتغيير الذي يتناسب مع أهل الحجاز ليس بالضرورة يتناسب مع النجديين، وإجراءات التغيير التي يمكن تطبيقها على أرض الواقع في الشمال قد يستحيل تنصيبها في أي منطقة في الجزء الجنوبي من المملكة، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن نجاح مشروع تغييري معين في منطقة ما، قد يغري أهالي منطقة أخرى «كانوا يرفضونه من البدء» في استيراده إليهم، وما تعليم البنات عنا ببعيد، فقد رفضه الكثير من الناس وتبناهم بعضهم، وبعد سنوات عاد الرافضون إلى تعليم بناتهم، وكأن شيئاً لم يحدث.

ثاني هذه الإجراءات يتمثل في فرض بعض السياسات التغييرية بالقوة من الحكومة، سيحترم الناس مجبرين هذا التغيير في البدء خوفاً من العقاب، وسيتحول مع مرور الزمن إلى جزء من الوعي العام، إن لم يكن فيهم ففي أولادهم وأحفادهم. ثالث الإجراءات هو تغيير سياسات الحكومة في المدارس والمصانع والإدارات الحكومية، بحيث تضع مدى زمنياً معيناً للوصول إلى التغيير الكامل في الفكر الاقتصادي والتعليمي والعلمي بشكل يضمن تحول البلد في فترة معينة من بلد مستهلك معتمد على ثروة لا حول ولا قوة له في وجودها إلى بلد يقوم وجوده على سواعد أبنائه بمشيئة ربهم. رابع الإجراءات يتمثل في أن تضع الحكومة خطة خمسية للتغير يقوم عليها ويوجهها عدد من المفكرين في مختلف المجالات، تكون مهمتهم مواءمة الخطط التنموية مع خطط التغيير. وخامس الإجراءات وأهمها هو تفعيل دور الرقابة العامة «ليتها تتحول إلى وزارة» لتضمن نجاح عملية التغير بعيداً عن إرجاف المرجفين، وسرقة السارقين، وتنفع المتنفعين، ولتبعد المتشددين والمتلبرلين والتقدميين والرجعيين عن التحكم في مصائر البلاد والعباد.