GMT 9:33:21 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

الحريري وشهود الزور . . إلى أين من هنا؟
الخليج الإماراتية

GMT 23:06:00 2010 الجمعة 10 سبتمبر

عصام نعمان

أدهش سعد الحريري أصدقاءه وأعداءه على السواء بتصريحاته الأخيرة لصحيفة “الشرق الأوسط” . هو تقصّد أن يُلقي قنبلته السياسية في صحيفة سعودية كي لا يترك مجالاً للشك في صحتها من جهة، وفي رضا الرياض عن مضمونها من جهة أخرى .

 

الجديد في تصريحات الحريري قوله “إن كثيرين حكوا عن موضوع شهود الزور . هناك أشخاص ضللوا التحقيق، وهؤلاء ألحقوا الأذى بسوريا ولبنان، وألحقوا الأذى بنا كعائلة الرئيس الشهيد . لقد خربوا العلاقة بين البلدين وسيّسوا الاغتيال . ونحن في لبنان، نتعامل مع الأمر قضائياً” .

 

كان الحريري وحلفاؤه قد رفضوا طيلة السنوات الخمس الماضية الإقرار بوجود شهود زور وبالتالي رفضوا التحقيق معهم . فجأة، ومن دون مقدمات أقرّ “ولي الدم” بوجود هؤلاء ودان فعلتهم، لكنه لم يدعُ إلى التحقيق معهم . لماذا؟

 

ثمة تفسيرات عدّة . أولها، أنه ما زال يعارض ذلك لأن من شأنه المسّ بشخصيات من أعضاء فريقه أو من حلفائه . ثانيها، أنه يأمل أن تأتي ملاحقة هؤلاء والتحقيق معهم من طرف وزير العدل والمدعي العام لدى محكمة التمييز، فيتفادى إحراج نفسه أمام فريقه وحلفائه . ثالثها، أن الأمر ربما ينطوي على صفقة مع جهة أو جهات عدّة قد تفضي، بشكل أو بآخر، إلى إنهاء مهمة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فلا تبقى ثمة حاجة لتحقيق مع شهود زور ولا لمن يحققون ويشهدون .

 

كل هذه الاحتمالات واردة في الساحة اللبنانية . كل شيء قابل للتغيير والتبديل في هذا البلد الغريب العجيب، ولا يبقى إلاّ وجه ربك ذو الجلال والإكرام .

 

مع ذلك يمكن التساؤل: إلى أين سيذهب الحريري من هنا؟

 

يقتضي التنبّه، أولاً، إلى أن الحريري تخلّى عملياً عن ذلك الجناح من فريقه وحلفائه الذي كان يسعى دائماً إلى اتهام سوريا وحزب الله وتحميلهما مسؤولية اغتيال الرئيس رفيق الحريري رغم علمه أن لا علاقة لهما بذلك . هؤلاء متضررون فعلاً من موقف الحريري الابن بصرف النظر عما إذا كان بعضهم متورطاً شخصياً في عملية فبركة الشهود أم متورطاً فقط بفبركة اتهامات خاطئة ومغرضة ضد سوريا وحزب الله . واللافت أن النائب السابق ناصر قنديل عقد مؤتمراً صحافياً جزم فيه بأن رئيس كتلة “اللقاء الديمقراطي” وليد جنبلاط قرر رفع الغطاء عن عضو كتلته مروان حمادة ليأخذ التحقيق مجراه . جنبلاط لم يؤكد ولم ينفِ ما صدر عن قنديل، كذلك حمادة . السبب؟ ربما لأن الاثنين يعلمان أن ثمة “ضمانات” بإبقاء حمادة بمنأى عن التحقيق، أو ربما لأن الحريري وجنبلاط قررا التضحية بزميلهما القديم على أن يتدبر هو أمره باللجوء إلى فرنسا حيث يمكنه توفير الحماية لنفسه .

 

يمكن الافتراض أيضاً أن الحريري وجنبلاط تأكدا من وزير العدل والمدعي العام لدى محكمة التمييز أن محاضر التحقيق مع شاهدي الزور الموقوفين في لبنان، أكرم شكيب مراد وأحمد مرعي، لا تشير إلى دور لحمادة في فبركة شهود الزور الأمر الذي يبقيه بمأمن من التحقيق . أما “الشاهد الملك” زهير الصديق فهو متوارٍ عن الأنظار ولا سبيل في الوقت الحاضر على الأقل للتحقيق معه .

 

أما أن تكون ثمة صفقة مع جهة أو جهات لإنهاء دور المحكمة الدولية فهو أمر غير مستبعد البتة، وقد يجري تظهيره لاحقاً بوسائل شتى . ولعل أبرز أسباب أرجحية هذا الاحتمال أن الولايات المتحدة لن توافق على التحقيق مع مسؤولين “إسرائيليين” لمعرفة مدى ضلوعهم في عملية الاغتيال، وأن الحريري غير قادر على تحمّل عبء التحقيق مع أعضاء في حزب الله عن دورٍ لهم مزعوم في الاغتيال ناهيك عن محاكمتهم، وأن سوريا وحلفاءها اللبنانيين لا يسمحون بالمسّ بالمقاومة من قريب أو بعيد، وأن كل الذين تواطأوا على إنشاء المحكمة الدولية لا يهون عليهم، بعد كل ما صرفوه عليها من جهد ومال ومخالفات دستورية وإراقة ماء وجه، أن يقف مدعيها العام دانيال بلمار ليعلن عدم وجود أدلة تدين سوريا أو حزب الله أو أياً من حلفائهما اللبنانيين .

 

لعل أهم من كل ما تقدّم بيانه أن الحريري، بالتفاهم مع السعودية، قد اختار طريقه في الحاضر والمستقبل . إنه طريق التفاهم مع سوريا (ولاحقاً مع حلفائها اللبنانيين وفي مقدمتهم حزب الله) بغية ضمان بقائه في رئاسة الحكومة . ذلك كان نهج أبيه من قبله، ولن يلومه أحد إن هو كان وفياً لأبيه ومتمشياً على خطاه!

 

ما انعكاس ذلك على المشهد السياسي؟

 

لا شك في أن اصطفافاً جديداً للقوى سيعقب موقف الحريري الأخير . ستتوسع قاعدة حلفاء سوريا والمقاومة في الداخل، وقد يتحول لبنان، برفق، إلى صف دول الممانعة وقوى المقاومة في المنطقة من دون أن يسيء إلى علاقاته الجيدة مع السعودية وسائر دول “الاعتدال” العربية .

 

لن يروق لأمريكا و”إسرائيل” بالطبع اصطفاف القوى الجديد المنحاز إلى سوريا والمقاومة . الأولى ستحاول تهدئة الثانية بالعودة إلى إثارة مسألة استئناف المفاوضات، المباشرة أو غير المباشرة، بين دمشق وتل أبيب تأكيداً لسياستها المستجدة حول ضرورة توطيد “السلام الشامل” في كل أرجاء المنطقة . أما الثانية فستزداد وتيرة عدائها للبنان والمقاومة وسعيها لدى واشنطن لاعتبارهما جزءاً من مشكلتها المتفاقمة مع إيران، وبالتالي الضغط عليها للتشدد مع طهران بكل الوسائل المتاحة بما في ذلك اعتماد خيار الحرب .