GMT 0:00 2011 الأحد 24 يوليو GMT 1:49 2011 الإثنين 25 يوليو  :آخر تحديث

حسين الحسيني: المقاومة حق لكل لبناني وواجب عليه

النهار اللبنانية

الرئيس السابق للبرلمان دعا إلى الانتقال من شرعية القوة إلى قوة الشرعيّة!

بيروت - غنوة غازي  


رأى رئيس المجلس النيابي اللبناني السابق حسين الحسيني أن «خطوة تأليف الحكومة من جهة واحدة تعتبر نفسها اكثرية هي خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها أعادت بذلك الاعتبار للمعارضة»، وشدد على أن «أمام الحكومة اللبنانية الجديدة فرصة بالنجاح، كونها من فريق الاكثرية وحده وليست من الفريقيْن، فقط اذا ما انجزت ثلاثة قوانين دفعة واحدة خلال اقل من ثلاثة اشهر»، لافتاً الى ان «هذه القوانين هي قانون الانتخاب على اساس النظام النسبي وصوت التفضيل، قانون السلطة القضائية المستقلة كما قررها الدستور، وقانون اعتماد خطة التنمية الشاملة للمناطق». وأكد انه «اذا لم تقَرّ هذه القوانين الثلاثة خلال مهلة ثلاثة أشهر تصبح هذه الحكومة بلا معنى وترزح تحت اثقال كبيرة وكبيرة جداً»!

الحسيني، وفي حديث خصّ به «النهار» بعد صمت مبدئي طويل اعتمده نهجاً منذ تقديم استقالته من عضوية البرلمان اللبناني في العام 2008، أكد أن «لبنان يعيش في حالة «اللا نظام»، واشار الى أن «النظام المطبق في لبنان اليوم مشوب بثلاثة عيوب اولها العصبية الطائفية المذهبية، ثانيها السوقية المالية، أما الثالث فهو التبعية الاجنبية»، رافعاً شعار «الشعب يريد تطبيق النظام» بدل شعار الشعب يريد اسقاط النظام، «لأن لدينا نظام دولة مدنية ديموقراطية متكاملا في لبنان».

وعن الانقسام الحاصل في لبنان بين فريقيْ 14 و8 آذار، قال الرئيس السابق للبرلمان اللبناني انه «اعتداء على لبنان، وهو تزييف لحقيقة الوضع اللبناني»، واعتبر أن «الاستيلاء على وسائل الاعلام يعتبر من صلب هذا التزييف، وهو اعتداء على الشعب اللبناني». واذ أكد انه ليس مع إلغاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بل هو مع تحصينها، دعا لـ «اعادة النظر بهيكلية المحكمة الدولية والجهة المسؤولة عن تعيينها».

واستغرب الحسيني دعوة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان الى طاولة الحوار «باعتبار انه اقسم يميناً دستورية على احترام الدستور، فلا يستطيع أن يتبنى انشاء مؤسسات، مهمتها الغاء الدستور وتعليق الدستور وتعليق قيام الدولة»!

وعن العلاقات اللبنانية السورية، قال الحسيني ان «سورية هي العمق الاستراتيجي للبنان، والعلاقة بين لبنان وسورية هي جزء من الكيان اللبناني، في ظل المعاهدة الموقعة بين البلديْن، لذلك اقول ان أي تهاون أو أي تغافل عن هذه الحقيقة يلحق ضرراً فادحاً بالمصلحة اللبنانية»، مستطرداً بالقول، في سياق آخر: «شاء أم أبى الجيران والاصدقاء والاشقاء وحتى الأعداء، فإن لبنان، بتكوينه الاجتماعي والسياسي وبثرواته، هو نافذة المنطقة العربية والاسلامية على العالم، وهو نافذة العالم على المنطقة. وبالتالي، فإن إعاقة لبنان عن القيام بدوره بسبب غياب قوانين الانتخاب والسلطة القضائية والانماء المطلوبة وبسبب عدم تسهيل قيام دولته يعود بالضرر ليس على لبنان فحسب، بل على معرقلي مسيرته ايضاً»!

ولمّا كان حديث السياسة يطول مع دولة الرئيس، فهو وعد «النهار» بحوار اجتماعي موسّع من وحي شهر رمضان المبارك. اما تفاصيل هذا الحديث مع الرئيس الحسيني، ففي الحوار الآتي نصه:

ننطلق من الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي. الى أي حد بنظرك تمثّل هذه الحكومة اللبنانيين؟ وهل تتوافق مع ما ورد في اتفاق الطائف أم لا؟ وهل انت راضٍ عنها كتشكيلة ام لا؟

نحن نعيش اليوم في ظل أزمة دستورية كبرى، أزمة حكومة وحكم وأزمة نظام. فالنظام المنصوص عنه في الدستور غير مطبّق، وبالتالي نحن في حالة «اللا نظام»، أما المطبّق في الواقع فهي تسويات بعيدة كل البعد عن المنطق الدستوري أو منطق الالتزام بالدستور. من هنا أقول ان فكرة الاكثرية والاقلية ومدى تمثيلهم للشعب اللبناني ليست واردة، ولا أحد يمثّل اللبنانيين. ففريقيْ 14 و 8 آذار اليوم يحاول كل منهما اظهار الانقسام عامودياً بين اللبنانيين، بمعنى ان نصف البلد مع قوى 8 آذار والنصف الآخر مع فريق 14 آذار، وهذا الكلام من المبالغات المبالغ فيها جداً، ذلك أن اكثر من 70 في المئة من اللبنانيين لا ينتمون لا الى 14 ولا الى 8 آذار.

وما المقياس إذاً لمعرفة حقيقة التمثيل في لبنان؟

هو قانون الانتخاب. فوفقاً لقانون انتخاب يمكن اللبنانيين من الاقبال على الاقتراع. في ظل قانون كهذا لا يمكن قياس نسبة تمثيل المسؤولين لناخبيهم.

أي قانون انتخابي تعني دولة الرئيس؟

أعني القانون الذي نصّ عليه اتفاق الطائف والدستور اللبناني، اي ان تتم الانتخابات على اساس الدائرة المحافظة، وصولاً الى لبنان كله دائرة انتخابية واحدة على اساس النظام النسبي وصوت التفضيل، الذي يمكّن من تأهيل المرشّح في منطقته الصغرى، اي القضاء وفي منطقته الكبرى اي المحافظة او لبنان دائرة انتخابية، الامر الذي يوفر اقامة كتل نيابية سياسية وطنية وخطاب سياسي وطني. الآن مازلنا في ظل نظام انتخابي لا يمكّن اللبنانيين من الاقبال على عمليات الاقتراع، وبالتالي هو نظام مشوب بثلاثة عيوب: الاول هو العصبية الطائفية المذهبية، والثاني هو السوقية المالية، والثالث هو التبعية الاجنبية، لأن قانون اكثري كالمعتمد الآن يحتاج لتمويل، والتمويل الداخلي أعجز من أن يلبّي الغرض. وبالتالي، فإن التمويل الخارجي هو صاحب الكلمة الاخيرة، الامر الذي يجعل النواب معيّنين تعييناً، بواسطة زعماء معتمدين من الخارج.

اذا ما اردنا تفنيد هذه العيوب التي ذكرتها، نلاحظ انها كلها تتعارض مع اتفاق الطائف، الذي يبدو انه سيكون المحور الرئيسي في لقائنا كونك «عرّابه». حدّثنا اولاً عن عيب الطائفية السياسية. هل تعتبرها علّة لبنان؟

اتفاق الطائف رسم خطة العمل لاقامة الدولة المدنية. فالنظام الطائفي انتهى، حتى في النص الدستوري، ولم تعد هناك طائفية الوظيفة. وما يجري الآن من توزيع حصص طائفية ومذهبية هو خرق للدستور، لأن الدستور غلّب مسألة الكفاءة والاختصاص على اي اعتبار آخر. وأساس النظام الديموقراطي البرلماني يقوم على مساواة الناس بعضهم بعضاً الآخر. فالمواطنون متساوون أحرار، وأي تركيبة أو تكوين لا يجعل المواطنين متساوين يعتبر نظاما غير دستوري وهو «لا نظام».

وهل طُبّق اتفاق الطائف في مجال الوظائف يوماً، ام انه اختُرق منذ اطلاقه؟

طبعاً طُبّق الاتفاق في ناحيته هذه عدة مرات من قبل في مجال الوظيفة العامة. فبالنسبة لوظائف القضاة مثلاً، لم يأخذ معهد القضاة بعين الاعتبار المسألة الطائفية. وتعيينات القضاة، بعد الامتحانات، تفرز من هم اصحاب الكفاءة. كذلك بالنسبة لضباط المدرسة الحربية. والعودة إلى الطائفية والمذهبية جديدة بعد الطائف. والحل الوحيد هو قانون الانتخاب. فالنظام الاكثري على شكل الدوائر التي يقسّمها قانون الستين، الذي حفروا قبره واحيوه من جديد، واضافوا اليه تشريعاً للرشوة. ففي انتخابات العام 2009، اضيفت مادة الى قانون الانتخاب تجيز التقديمات المالية للناخبين، اي الرشوة، لكنها تجيزها لكبار الراشين، ممن اعتادوا ان يرشوا الناس منذ اكثر من ست سنوات، اما الجدد فلا يسمح لهم باستعمال الرشوة. هذا الامر ورد في المادة 69 من قانون الانتخاب وهو فضيحة الفضائح.

حسناً. وماذا عن عيب السوقية المالية؟

السوقية المالية ترتبط بالتبعية الاجنبية، لأن الامكانات الداخلية لا تموّل انتخابات بهذا الحجم، والرشاوى الانتخابية بهذا الحجم تتطلب دولاً مموِّلة وجهات أجنبية كبرى.

هل يعني كلامك هذا أن أياً من السياسيين الحاليين لا يمثل الشعب اللبناني؟

نعم. ولذلك قلت في خطاب استقالتي في المجلس النيابي في العام 2008، ان هذا المجلس يمكن وصفه بالقانوني، إلا انه غير شرعي، لأنه مخالف للدستور. فاتفاق الطائف حدد أربعة عناصر لقانون الانتخاب. فقال بقانون انتخابي يؤمّن صحة التمثيل السياسي اولاً، لشتى فئات الشعب ثانياً، وأجياله ثالثاً، وفاعلية ذلك التمثيل رابعاً. وهذا الامر لا يمكن تطبيقه إلا بنظام نسبي مع صوت التفضيل، بحيث يكون المرشح مؤهلاً في منطقته وفي بيئته الاجتماعية وفي محافظته، وان يكون مؤهلاً على المستوى الوطني ايضاً. عند ذلك يستحيل ان يكون خطاب هذا المرشح مذهبيا أو طائفيا، بل يجب ان يكون خطابه وطنياً، لاسيما مع نظام اللوائح المقفلة، التي تمكّن نتائج الانتخابات من تحديد الجهة التي تملك الاكثرية وتحكم، ومن هي الاقلية التي تعارض الاكثرية والتي تراقب وتحاسب وتسائل. من هنا أقول ان التركيبة القائمة أو المبتكرة تلغي المعارضة. من هنا يمكن القول ان لهذه الحكومة الحالية فرصة بالنجاح، كونها من فريق الاكثرية وحده وليست من الفريقيْن، اذا ما انجزت ثلاثة قوانين دفعة واحدة خلال أقل من ثلاثة اشهر. وهذه القوانين هي اولاً قانون الانتخاب على اساس النظام النسبي وصوت التفضيل، قانون السلطة القضائية المستقلة كما قررها الدستور، وقانون اعتماد خطة التنمية الشاملة للمناطق. واذا لم تقرّ هذه القوانين الثلاثة تصبح هذه الحكومة، بعد ثلاثة اشهر، بلا معنى وترزح تحت اثقال كبيرة وكبيرة جداً.

من خلال علاقاتك السياسية، هل لمست توجهاً لدى الحكومة الحالية بهذا الاتجاه الذي تحدثت عنه؟

طبعاً، هذا التوجه موجود لدى رئيس الحكومة ووزير ماليتها محمد الصفدي، باعتبار أن له مشروع قانون انتخابي على اساس النسبية في مجلس النواب، وهو من اوائل الذين تعاطوا في هذا الشأن. اما الجهات الاخرى فلا أعرف.

لم تأتِ على ذكر الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، رغم كونها من البنود الاساسية في اتفاق الطائف. أليست من مسؤولية هذه الحكومة؟

سؤال جيد. فالفكرة من الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية هو اعتمادها خلال عاميْن لتأسيس مجلس الشيوخ، وخطة العمل تقتضي ان تتحول هذه الهيئة الوطنية، بعد نجاح عملها، الى مجلس للشيوخ، بأعضائها الذين يفترض ان يكونوا قد اكتسبوا ثقة كل الفرقاء. ولذلك لم نحدد فترة السنتيْن عام 1990، لأن المجلس النيابي آنذاك كان يفترض ان ينتخب على اساس التساوي بين المسلمين والمسيحيين في ربيع العام 1994، بعد ان تكون الدولة قد بسطت سلطتها على الارض. لكن للأسف ان تطورات حرب الخليج وحرب العراق على الكويت والحرب على العراق أخرت كلها تطبيق القرارات الدولية في جنوب لبنان، وبالتالي اصبحت هناك عجلة لدى الفرقاء بإجراء انتخابات سريعة. ولقد كنت ضد هذا التوجه، لكن لم يكن باستطاعتنا، كمجلس نيابي ممدّد له، سوى الرضوخ لهذا الامر. ولقد كانت الخطة تقتضي أن يتولى المجلس الذي سينتخب على اساس التساوي في العام 1994 انشاء واقرار قانون الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، قانون عملها والاشخاص الذين تتكون منهم ومواصفاتهم، على أن تشكّل هذه الهيئة من رئيس الجمهوري ورئيس المجلس ورئيس الحكومة وشخصيات فكرية وسياسية واجتماعية، ويأتي القانون المنظِّم او التطبيقي لهذه الهيئة ليفصّل آلية عملها خلال عاميْن. لكن للأسف، بعد انتخاب المجلس النيابي في العام 1992، والذي جاء خلافاً للدستور وخلافاً لاتفاق الطائف، وبصورة استثنائية لدورة واحدة، مكّن هذا المجلس الميليشيات من الاستيلاء على السلطة. وبالتالي أصبحت فكرة إلغاء الطائفية السياسية فكرة مستبعدة جداً، وهي تطرح الآن للاثارة فقط. ونعود لنقول ان فترة السنتيْن طُرحت في حينه لتجنّب الاضرار من إلغاء الطائفية السياسية، أما الآن، وبعد كل هذه الأضرار، التي حصلت لم يعد للهيئة من موجب، ويجب ان نذهب مباشرة الى انشاء مجلس شيوخ، لأن الاضرار التي كنا نتلافى حصولها حصلت.

هل تقصد ان الامر ربما كان ممكناً أكثر في الماضي، وانه بات الآن مستحيلاً في ظل تفشي الخطاب الطائفي وتعمق الشرخ بين الطوائف يوماً بعد يوم؟

مع حكم الميليشيات لا يمكن تطبيق اي شيء على الاطلاق. واذا كان ثمة بصيص امل الآن، فهو هذا الفشل الذريع لحكومة الميليشيات ولصيغة الميليشيات، التي كبّدت لبنان اضرارا هائلة، فانتجت الدين العام بحيث اصبحنا نرزح تحت دين بارقام خيالية تفوق باضعاف قدرة لبنان على الايفاء، فضلاً عن انعكاس هذا الامر على مسألة الانماء، بحيث ان انماء الوسط التجاري توقّف واستوفى كامل امكاناته، ولكنه لم ينتشر الى اكثر من الوسط التجاري، في حين ان المناطق اللبنانية كلها تعاني معاناة هائلة. لقد اصبحنا امام مشكلات اساسية كبيرة هي الدين العام والكهرباء والمياه والطرق. وكلها تحتاج الى امكانات تعود كلها الى اصل المشكلة، الا وهو قانون الانتخاب، الذي يحدث وحده الاستقرار السياسي. وبلا استقرار سياسي لا يمكن النهوض بالاقتصاد، ولا يمكن زيادة نسبة النمو لمواجهة اعباء الدين العام. وبالتالي، من دون أمان قضائي، لا يمكن للمليارات المكدسة في المصارف اللبنانية ان توظّف نفسها في مشاريع لبنانية. الآن لبنان محروم من امكانات الودائع الموجودة في مصارفه. من هنا ندعو لاقرار قانون السلطة القضائية الذي يوفّر وحده الامان القضائي للاستثمارات. بمعنى آخر ان هذه القوانين الثلاثة التي تحدثت عنها، اي قانون الانتخاب وقانون السلطة القضائية وقانون خطة التنمية الشاملة للمناطق اللبنانية أصبحت مرتبطة بلقمة عيش اللبنانيين، وهي ليست من قبيل الكلام عن العدالة وحفظ الحقوق، بل باتت مسألة بقاء او لا بقاء لبنان. نحن اذاً في صدد ازمة حكومة وحكم ونظام لهذه الاسباب.

في ظل أزمة النمو والانماء التي تحدثت عنها دولة الرئيس، ألا تعتبر أن حكومة تكنوقراط كانت لتكون افضل من حكومة سياسية آحادية، في معالجة هذه الملفات؟

بعد «الطائف» ليس ثمة ما يسمّى حكومة تكنوقراط. فالنص القديم كان يقول «تناط السلطة الاجرائية برئيس الجمهورية وهو يتولاها بمعاونة الوزراء»، بمعنى آخر لا كيان للوزراء الا من خلال ثقة رئيس الجمهورية بهم. وبمعنى آخر ايضاً، يستطيع الرئيس ان يقول انه بحاجة لحكومة تكنوقراط. أما النص الجديد في النظام الديموقراطي البرلماني، الذي حدد طبيعة النظام والحكم في لبنان، فهو يقول «تناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء، وهو يتولاها وفقاً للدستور»، بمعنى أن أي وزير، سواء أكان تقنياً او غير تقني، هو سياسي وصاحب مسؤولية سياسية. من هنا قلنا بتأليف حكومة خبراء وليس تكنوقراط، اي اصحاب خبرة. ومهمة هذه الحكومة ان تنتج هذه القوانين التي تحدثت عنها.

أنت لا تؤمن بالانقسام الحاصل في البلد بين فريقيْ 14 و 8 آذار، بل حتى لا تؤمن بحقيقة وجود هذيْن الفريقيْن. ماذا تعتبرهما اذاً؟

هذا الانقسام اعتداء على لبنان، وهو تزييف لحقيقة الوضع اللبناني، وبالتالي الاستيلاء على وسائل الاعلام يعتبر من صلب هذا التزييف، وهو اعتداء على الشعب اللبناني.

في محاضرة لك قلت «لقد أتوا وصنعوا لنا 14 و 8 آذار». هل تعتبر ان هذيْن الفريقيْن هما صنيعة الخارج؟

ثمة اربع ضربات حلت بلبنان. الاولى هي القرار 1559، الذي حوّل لبنان مجدداً الى ساحة صراعات محلية واقليمية ودولية، وتجاهل مسؤولية الدول الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن في تطبيق القرارات الدولية في جنوب لبنان، رغم كونها ملتزمة بذلك. لقد جاء القرار 1559 لاغفال هذه المسؤولية. ثم، وباسم الغضب على سورية، أعفى هذا القرار سورية من مسؤوليتها في حل الميليشيات وسحب الاسلحة ومساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على الارض، وأوقع لبنان في فتنة دائمة من حيث القول انه، من دون اقامة الدولة اللبنانية ومن دون بسط سلطتها على الارض، ومن دون انهاء الاحتلال الاسرائيلي للارض اللبنانية، اسحبوا سلاح المقاومة! وهذا الطلب يعني فتنة دائمة، لأنه من غير المعقول، مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي، البحث في سلاح المقاومة. فضلاً عن انه، فيما لو تجاهلنا كل هذه الاعتبارات وقلنا انه يجب تسليم السلاح، مع ضرورة التمييز بين سلاح المقاومة والسلاح في الداخل الذي يتواجد بين أيدي كل الناس، وفي حال قلنا بضرورة تسليم السلاح، فلمن سيتم تسليمه؟ الجواب البديهي طبعاً هو ان يتم تسليم السلاح للدولة. لكن أي دولة؟ وأي دولة هي دولة الخمسة اشخاص الذيم يحكمون لبنان، كلٌّ من دويلته. علينا ان نقيم الدولة وبعدها نبحث في تسليم السلاح.

تبعدون بكلامكم هذا أمد ايجاد حل لمسألة السلاح. ألا تعتبر أن ثمة تلازماً كبيراً بين حالة الـ «لا دولة» ووجود السلاح غير الشرعي؟

طريقة طرح الموضوع هي التي تبعد الحل. فعندما نغفل تحرير الارض وانهاء الاحتلال الاسرائيلي للارض اللبنانية، نبقي المشكلة مستعصية الحل. وهذه هي مفاعيل القرار 1559.

تحدثت عن أربع ضربات حلّت بلبنان أولها القرار 1559. ما الضربات الثلاث المتبقية؟

الضربة الثانية هي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، التي ماتزال ارتداداتها وتداعياتها تتوالى حتى الآن وستستمر الى ما بعد الآن. أما الضربة الثالثة، فأتت للأسف باسم تلافي الفتنة، عندما حصل التحالف الرباعي بين حزب الله والرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري، في انتخابات العام 2005. وهذا التحالف الرباعي شكّل ضربة كبرى للتكوين الوطني اللبناني، لأنه أشعر المسيحيين بأنهم ليسوا شركاء في القرار، وكانت لهذا الشعور المسيحي تداعيات أيضاً على صعيد البنية السياسية، وادى بالتالي الى انقسامات سياسية حادة بين اللبنانيين.

هل تعتبر ان هذا التحالف مسؤول عن «ثورة» القادة المسيحيين وفي طليعتهم الجنرال ميشال عون، لاستعادة دورهم في الحكم والقرار؟

الجنرال ميشال عون استفاد من هذه الفرصة. إلا أن المسألة أكبر من الجنرال ميشال عون أو غيره، وهي تتعلق بالتكوين الوطني اللبناني. فالتلاعب بالجسم الوطني اللبناني بهذا الشكل يؤدي الى نتائج وخيمة، بغض النظر عمّن استفاد ومن لم يستفد من هذا الامر، لأنه لابد أن يترك في الجسم الوطني ندبات يصعب شفاؤها. أما الضربة الرابعة، فأتت في اتفاق الدوحة، الذي الغى الدستور والغى الميثاق الوطني والغى وثيقة الوفاق الوطني، والغى كل الاعتبارات، ما عدا تحالف الميليشيات. فالتحالف الرباعي اصبح تحالفاً خماسياً في اتفاق الدوحة. وبالتالي، تم تهميش موقع رئاسة الجمهورية والغاء المعارضة والمراقبة والمحاسبة، وهذا ما استوجب استقالتي من المجلس النيابي.

ماذا اذاً عن «بدعة» الثلث المعطّل التي كرّسها اتفاق الدوحة؟

مجرد سماع كلمة الثلث المعطّل، يوضح أن الهدف هو التعطيل، لأن الجهات الخمس الممسكة بالسلطة كلٌّ منها لا يثق بالجهات الاربع الأخرى. وبالتالي فإن ضمانة كل جهة هو ان تحصل على الثلث المعطّل، لأنها لا تتأمل خيراً سوى اللجوء الى التعطيل. فهي فلسفة التعطيل، وليست فلسفة التسهيل. ففي السلطة التسهيل مطلوب وليس التعطيل، واي حكومة يجب ان تكون متضامنة ومنسجمة، لأن الحكومات البرلمانية تقوم على مبدأ اساسي هو التضامن الوزاري، وأي وزير، عندما يرى ان قرارات الحكومة لا تتوافق مع رأيه، إما ان يرضخ وإما ان يستقيل، لا أن يستمر في المعارضة من داخل الحكومة، لأن هذا الامر يصبح تعطيلاً.

هل تعتبر اذاً ان استقالة الوزراء من حكومة الرئيس سعد الحريري خطوة جيدة في الممارسة الديموقراطية للنظام البرلماني؟

بل ان خطوة تأليف الحكومة من جهة واحدة تعتبر نفسها اكثرية هي خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها اعادت بذلك الاعتبار للمعارضة. لكن مازلنا في تزييف حقيقة من يمثّل الشعب اللبناني.

هل تعتقد اذاً انه علينا غضّ النظر عن «عقدة» التمثيل التي يتباهى بها كل من الفريقيْن ونتجه الى المطالبة بقانون انتخابي يفرز ممثلين حقيقيين في الانتخابات المقبلة عام 2013؟

لقد حدد الدستور اللبناني نصوصاً، وافترض صدور اثني عشر قانوناً تطبيقياً لهذه النصوص، بدءاً برئاسة الجمهورية وقانون الانتخاب، وانتهاءً بالاعلام وتنظيم وسائل الاعلام وغيرها، مروراً بقانون الدفاع وقانون السلطة القضائية واللامركزية الادارية وغيرها. جميع هذه القوانين التطبيقية لم تصدر حتى الآن. من هنا لم يطبّق «الطائف» لا جزئياً ولا جزءاً من الجزئية.

نسمع كل فترة نداءات لتعديل اتفاق الطائف. ما رأيك بهذه المطالب؟

منذ العام 1989، عندما أعلنّا اتفاق الطائف في القليعات وصدّقه مجلس النواب، وفي العام 1990، عندما صدّقناه دستورياً، منذ حينه أعلن ان اي شخص يأتيني بجملة مفيدة بديلة عمّا ورد في اتفاق الطائف يمكن ان يعتبرني اول الموقّعين معه. ومنذ ذاك الحين حتى الآن لم أسمع بأحد يطرح جملة بديلة.

ربما ليس البديل هو المطلوب بل بعض التعديلات فيما يختص بموقع وصلاحيات رئيس الجمهورية وغيرها من تفاصيل...

فلنطبّق الاتفاق وبعدها نقرر ما اذا كانت هذه التعديلات ضرورية ام لا.

تحدثت عن أربع ضربات أتت للبنان ولم تتحدث عن المحكمة الدولية، التي يرى كثيرون أنها اساس الفتنة في لبنان. ماذا تقول في هذا الاطار؟

انا لست مع إلغاء المحكمة، لكنني مع تحصين المحكمة.

كيف؟

عندما تنشأ محكمة دولية وتُبتكَر احكام لا مثيل لها في العالم، وعندما نقول ان مجلس الامن، تحت الفصل السابع من شرعة الامم المتحدة أنشأ محكمة دولية وكلّف أمين عام الامم المتحدة بتعيينها، ينشأ الشكّ فيها سلفاً وقبل أن تؤلّف. فلا يعقل أن يكون الملزّم هو الملتزم، وفقاً لمبدأ تعارض المصالح. ولا يعقل ان يعيّن امين عام الامم المتحدة المحكمة والمدعي العام والمحقق والكاتب... فما تلك الضمانة التي اسمها امين عام الامم المتحدة؟ من هو امين عام الامم المتحدة؟ وماذا يبيع؟ هو عبارة عن موظّف خاضع للقوة الكبرى المهيمنة على مجلس الامن. لا شيء اكثر من ذلك. أما اذا نظرنا الى المحاكم الدولية الاخرى، فنجد انه، إما مجلس الامن بكامل اعضائه، ووفقاً لمعايير قضائية دولية وعالمية معروفة أنشأ المحكمة وعيّن موظفيها بالانتخاب، أو أن الجمعية العامة للامم المتحدة تنشئ المحكمة. هذا بحسب القانون. من هنا نجد أن المحكمة تحولت الى مشكلة بدل ان تكون لتحقيق العدالة.

لكن ألا ترى أن ثمة مسؤولية على المسؤولين اللبنانيين الذين قبلوا بإنشاء المحكمة بهذه الصورة وصادقوا عليها جميعهم في الحكومة وطاولة الحوار؟

بلى طبعاً هم مسؤولون. وانا اقول ان حادثة واحدة مثل حادثة اعتقال الضباط الاربعة لمدة اربع سنوات دون ان نعرف لماذا تم توقيفهم، ثم يطلق سراحهم دون ان نعلم لماذا ايضاً، تطرح تساؤلات حول مصداقية هذه المحكمة التي عيّنها أمين عام الامم المتحدة الذي تم التجديد له مؤخراً. وقصة لبنان مع أمين عام الامم المتحدة تاريخية ولا تقتصر على الامين الحالي. فامين عام الامم المتحدة بنظرنا معدوم الصلاحية. وبالتالي، النفوذ الدولي هو الذي يتحكم بأمره وقراراته، والدليل على ذلك القرارات الدولية الملزمة، مثل اتفاقية الهدنة بين لبنان واسرائيل، والتي نشأت ايضاً تحت الفصل السابع من شرعة الامم المتحدة، ورغم ذلك لم نسمع أمين عام الامم المتحدة يأتي على ذكرها. ثم عندما نرى أن القرار 425 المتخذ بناء على اتفاقية الهدنة لم ينفّذ ولم يأتِ احد على ذكره، نطرح التساؤلات عينها. حتى عندما نسمع أمين عام الامم المتحدة يذكر القرار 1701 لا نسمعه يتحدث عن بنود القرار، بل جل ما يعنيه فيه هو انزعاج اسرائيل من الوضع في الجنوب.

تتحدث عن تحصين المحكمة مع انها أنشأت. كيف يمكن تحصينها الآن اذاً؟

يجب إعادة النظر بهيكلية المحكمة الدولية والجهة المسؤولة عن تعيينها.

هل افهم من كلامك ان القرار الاتهامي الصادر عن المحكمة لا يتمتع بالمصداقية لديكم؟

حتماً ليست له اي مصداقية. ثم من اطّلع على القرار حتى الآن؟ سمعنا انه صدر لكن اين هو؟ من استلمه؟ وماذا يتضمّن؟ في العالم كله لم نشهد شيئاً مماثلاً! وهذه مسألة مضرّة باللبنانيين، وبرقي اللبنانيين. فلبنان بلد راق جداً ولديه عقول واختصاصات، وبيروت منبت الشرائع في مجال الحقوق...

كيف يجب ان تتعاطى هذه الحكومة مع القرار اذاً؟

الجهة المعنية بالتعاطي مع القرار هي الدولة اللبنانية. لكن اين هي الدولة؟ اذا لم تقرّ القوانين الثلاثة التي تحدثنا عنها سابقاً لا يوجد شيء اسمه دولة لبنانية. والفرقاء السياسيون اليوم ماذا يقولون؟ يرفعون شعار بناء الدولة. اذاً هم يعترفون بان لا دولة في لبنان. فاذاً مسألة المحكمة او السلاح او ازمة الدين العام او الكهرباء او المياه تحلّها الدولة. لكن اين هي الدولة؟ لا توجد دولة في لبنان.

هل غياب الدولة هو سبب هذا الانكشاف الهائل للبنان على الخارج؟

طبعاً. طبعاً. والدليل انه لم يعد ثمة جهة لبنانية يمكن ان تغطي هذا الوضع المنكشف، لا رئيس الجمهورية ولا سواه. فرئيس الجمهورية لا يستطيع سوى الدعوة لطاولة الحوار...

أردت ان اسألك عن طاولة الحوار نعم. ما رأيك فيها في ظل عودة الحديث عن امكانية الدعوة لانعقادها مجدداً؟

هذه الطاولة هي إلغاء صريح لمجلس النواب ومجلس الوزراء وخرق صريح للدستور اللبناني. ولا يليق برئيس الجمهورية ان يدعو لطاولة حوار اطلاقاً، لأنه اقسم يميناً دستورية على احترام الدستور، فلا يستطيع ان يتبنى انشاء مؤسسات، مهمتها الغاء الدستور وتعليق الدستور وتعليق قيام الدولة. ثم من هم الجالسون الى طاولة الحوار؟ ومن عيّنهم؟ وهل يحق لرئيس الجمهورية ان يعيّن ممثلين عن الشعب؟ ثم من قال ان هؤلاء يمثلون الشعب اللبناني؟ كل هذا الكلام غير صحيح.

نسألك عن مسار الحياة البرلمانية في لبنان. هل انت راضٍ عنها؟

نعود الى قانون الانتخاب. قانون الانتخاب هو المقياس، لأن النص الاساسي في مقدمة الدستور يقول ان الشعب هو مصدر السلطات، وليست السلطة مصدر السلطات. الآن نحن في شرعية القوة، فيما المطلوب ان نكون في قوة الشرعيّة.

أليس وجود السلاح الخارج عن شرعية وسلطة الجيش اللبناني هو الذي يكرّس شرعية القوّة؟

ثمة مسألة سلاح المقاومة في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي والسعي لازالة الاحتلال وتطبيق اتفاقية الهدنة لبسط الامن على جانبيْ الحدود...

لماذا لا يتولّى الجيش بسط الامن بدل المقاومة؟

كلا. فلننتبه جيداً. اذا كنا نملك جيشاً متكافئاً بالقوة مع جيش العدو، يمكن لهذا الجيش ان يستلم كل الامور...

ألا يصبح الجيش اللبناني قادراً اذا ما استوعب هو سلاح المقاومة وامكاناتها وربما عناصرها؟

كلا كلا. المقاومة ليست من مسؤولية الجيش. الجيش يحمي البلد، اما العمل المقاوم فهو عمل عصابات وحرب عصابات وحرب فدائية، وهي التي تربك العدو، والدولة غير مسؤولة عنها، لأن ميثاق الامم المتحدة اعطى الحق للشعوب في المقاومة. وبالتالي هذه المقاومة ليست حزب الله او اي حزب آخر، بل هي حق لكل لبناني وواجب عليه. هذا هو المبدأ الذي كرّسه «الطائف».

هذا في المبدأ ، لكن الممارسة كرّست اخطاء كثيرة...

وانا لا اقبل باستمرار الخطأ! أنا مع تعميم المقاومة، بحيث يصبح كل لبنان قادراً على القيام بواجبه ضد أي من المعتدين عليه.

لكن لبنان كله لا يتلقى الاسلحة من ايران اليوم ولا اللبنانيون جميعهم قادرون على الانضواء تحت لواء حزب من لون طائفي معين؟

لو اعطت الولايات المتحدة الاميركية دعماً للمقاومة، لكنت أول من يصدر بيان شكر لها. فاليوم، اذا دعمت إيران او سورية او اي كان المقاومة، يجب ان نشكره. لكن نحن ننظر نظرة جزئية في ظل غياب الدولة. فعندما نلزّم مثلاً اعطاء منح للطلاب من دول معينة، نسرّ نحن كسلطة لبنانية. وعندما نرى دولاً عربية شقيقة تقدم مساعدات للجنوب بعد عدوان إسرائيل في عام 2006، لم تأتمن الحكومة اللبنانية لكي تعطيها الاموال لمساعدة لبنان، بل ذهبت بنفسها الى جنوب لبنان، لأن لا ثقة لها بالدولة، ولأن ليس ثمة دولة في لبنان، ولا نظام يضبط الدولة، ولا محاسبة ومراقبة، ولا سلطة قضائية تحاسب. لذلك عمدت الدول إلى اختيار المشاريع وتلزيمها وتمويلها، وأجبرت السلطة اللبنانية في نهاية الامر، بكامل ترتيباتها، إلى احتفالات التدشين، وكأنها تدعوهم للشهادة على عدم ائتمانهم... أليست هذه المساعدات سلاحاً ايضاً؟ يفترض بالدولة أن تمنع أي أحد من الدفع لأية جهة، دون أن تمر الاموال عبر خزينة الدولة. فالدولة هي التي تقرر وليست اي جهة خارجية، سواء اكانت إيران ام غيرها!

برأيك اذاً، لماذا تحوّل سلاح حزب الله الى مسألة خلافية في الداخل اللبناني؟

انا أؤمن بأن أي مقاومة، كائناً من كانت الجهة التي تمارسها، لا يحق لهذه الجهة المقاومة الدخول إلى السلطة، لأن الدمج بين السلطة والمقاومة خطر كبير على المقاومة. وخير دليل على ذلك هو ان حزب الله، قبل دخوله الى السلطة، كان له «مَوْنة» على كل الناس، وكان مشكوراً من كل الناس، أما عندما دخل الى السلطة، فأصبح محاسباً من كل الناس. هذا الامر أضعف حزب الله كمقاومة.

ألا تعتبر أيضاً ان استقواء حزب الله بسلاحه، واستخدامه كورقة تفاوض لتحقيق مكاسب سياسية هو الذي أضعفه أكثر؟

الجهات الخمس المسؤولة في لبنان تستعمل الاسلوب نفسه، وسواء اتاها الدعم ومن اي جهة كانت، تستخدمه كورقة تفاوض في الداخل. لا أحد «مقصّر» بينهم! يبقى الاهم في المبدأ، هو ان هذه الحكومة برأيي، مؤهلة للقيام بعمل جدي ينقل البلد من مكان الى مكان آخر. بمعنى آخر، ان القوانين الثلاثة التي تحدثت عنها في السابق تغير الخطاب السياسي في لبنان، من خطاب سياسي طائفي مذهبي عند كل كوع، الى خطاب سياسي وطني. وبالتالي ينتفي الكلام عن 14 و8 آذار لصالح تكوينات وطنية جديدة تفيد البلد. أما الآن، فالتكوينات غير وطنية، هي مذهبية وفئوية. وتبعاً لذلك اقول اننا امام دويلات الطوائف والمذاهب. وأمام الحكومة مهلة سماح أقصاها ثلاثة أشهر لاصلاح هذا الوضع.

وماذا لو عجزت لحكومة عن إقرار تلك القوانين؟

تنقلب الامور عليها. لذلك اقول ان على الفرقاء المشاركين في الحكومة أن يسهلوا مهمة الرئيس نجيب ميقاتي لاقرار هذه المشاريع الثلاثة. اما اذا عرقلوا تلك المشاريع، فسوف يضيعون الفرصة.

في محور السياسة العربية والاقليمية، أتيت على ذكر حرب الخليج والحرب على العراق وقلت انها غيرت كثيراً في مسار السياسات في الدول العربية. ما هذا التغيير الذي حدث في السياسات العربية وفي العلاقات العربية العربية والعربية الغربية؟

بالطبع ان هجوم صدام حسين على الكويت غيّر وضع المنطقة ككل، لأنه أعفى الدول الكبرى من مسؤولياتها في تطبيق القرارات الدولية في جنوب لبنان، او بالتالي مكّنها من التملّص من تنفيذ تلك القرارات. واضافة الى المشكلة الاساسية التي حصلت عام 1978 بعد حرب تشرين من العام 1973، نشأ القول بأن لا حرب بلا مصر ولا سلم بلا سورية. عملياً، اسرائيل حصلت على الـ «لا حرب» بواسطة «كامب ديفيد» عندما حيّدت مصر، مع الوعد باقامة الدول الفلسطينية، ورفضت السلم، عبر الهروب من التفاوض مع سورية نحو اتفاق اوسلو، مغريةً بعض الفلسطينيين بأن في استطاعتها انشاء الدولة الفلسطينية عن طريق الفلسطينيين فقط، بدون سورية ومصر والعرب الآخرين. هذا الامر مكّن اسرائيل من تنفيذ عملية تهميش لكل فكرة تسوية سلمية في المنطقة على الاطلاق ولفترة طويلة، الامر الذي احدث احتقاناً في مصر. فالسلطة في مصر لم تعد تفي بالتزاماتها تجاه كامب ديفيد الذي يوجب اقامة الدولة الفلسطينية، ولم تعد قادرة على جعل نفسها دولة ديموقراطية، وبالتالي اصبحت السلطة في مصر كمن يحيك الخيطان لحماية نفسه، مع زيادة عزلته، وبالتالي همّشت دور مصر عربياً، واضعفت الموقع التفاوضي السوري، بحيث لم يعد ثمة مجال للتفاوض عملياً، كما عمدت الى تزوير الانتخابات واقرار قوانين انتخابية على حسابها...

وهل انسحب هذا الواقع على دول عربية أخرى للسبب نفسه؟

نعم طبعاً. فثمة من يعتبر أن ما حصل في مصر بالامس القريب شكّل مفاجأة، لكن هذا الامر غير صحيح. فمنذ اكثر من عشر سنوات مثلاً، رفض نادي القضاة في مصر المشاركة في فرز نتائج الانتخابات، لأنه اعتبرها مزورة واعتبر أن مشاركة القضاة تصبغ الشرعية على أمر مزوّر. عملياً اذاً، هذه التراكمات هي التي تسببت في الانفجار الفعلي الذي حصل، وهو بالتالي غير مفاجئ. هذا الانفجار اتى ليظهر الحاجة الماسة لاستعادة دور مصر عربياً، ولاعادة التوازن للجسم العربي.

أنت تؤمن اذاً بأن هذه الثورات العربية هي وليدة التراكمات... لا يمكن تشبيه ما يحصل في مصر مع ما حصل في غيرها من الدول العربية، فمصر بحاجة لدولة مدنية ونظام ديموقراطي، أما في سورية فهم بحاجة لنظام ديموقراطي، بينما الدولة مدنية. وفي ليبيا مثلاً ثمة ثورة على واقع الـ «لا نظام». ونحن في لبنان وضعنا شبيه بالوضع الليبي، حيث نحيا في الـ «لا نظام»! لذلك قال الرئيس الليبي معمّر القذافي انه ليس رئيساً لكي يستقيل! لأن لا نظام لديه. كذلك الامر في لبنان. لذلك اقول ان شعار «الشعب يريد اسقاط النظام» ليس دقيقاً، ويمكن استبداله بشعار «الشعب يريد تطبيق النظام» في لبنان، حيث لدينا نظام دولة مدنية ديموقراطية متكامل.

وهل تعتبر أن لبنان اليوم بحاجة لثورة شبيهة بالثورات التي تحصل في العالم العربي؟

نعم. وعلى كل حال، الاحتقان موجود، ولا نعرف متى ينفجر. لذلك انصح بتلافي هذا الانفجار سريعاً من خلال إعادة حق الناس بالانتخاب، بدل أن تعيّن السلطة نوابها وتدّعي انها اقلية او اكثرية، من خلال تسلطها على وسائل الاعلام. هذا السلوك لا ينشئ شرعية بل يكرس واقع الـ «لا شرعية»، وهذا ما يعرف بشرعية القوة.

كنت أسألك عن حقيقة الثورات العربية. هل تؤمن بأنها وليدة التراكمات في الشارع العربي، أم أنها أجندة خارجية تنفذ في اطار مشروع الشرق الاوسط الجديد؟

انا لست من دعاة نظرية المؤامرة. ثمة مصالح للدول الكبرى، التي تحقق مصالحها وفقاً للتطورات، لكن ليس بالضرورة ان تكون هذه الدول الكبرى صاحبة مؤامرة في عالمنا العربي، على الاقل في ما يتعلق بهذه الثورات. الولايات المتحدة الاميركية مثلاً لا تريد الاصلاح في سورية، بل تريد فك ارتباطها مع ايران وحماس وحزب الله. لذلك تستغل الوضع الراهن في سورية للضغط بهذا الاتجاه. وهكذا تستفيد كل الدول من فرص معينة لتحقيق مكاسبها، لأن منطقتنا العربية هذه هي منطقة تواصل القارات، وبالتالي الممرات والخيرات. ومشكلتنا كدول عربية ليست مع اوروبا ولا مع آسيا ولا مع افريقيا، بل مع الولايات المتحدة الاميركية، لأنها حتى الآن تفرض مصالحها بالقوة، في حين نطلب نحن ان تأخذ مصالحها بالرضا، شرط ان تؤمن مصالح المنطقة في المقابل. لكن في الواقع، السياسة الاميركية في المنطقة تقوم على اساسيْتين هما أمن اسرائيل واستمرار تدفق النفط. وهذا الامر غير معقول. حتى داخل الولايات المتحدة الاميركية، في المؤسسة العسكرية والنوادي الفكرية، وفوكوياما ومراكز الابحاث ، يتم التنبيه لخطورة استمرار هذه السياسة، خصوصاً بعد وجود القواعد العسكرية للاميركيين في دول عربية، حيث بات الجنود الاميركيون يعيشون منبوذين في مناطق معادية او على الاقل اصبح ثمة نظرة سلبية للجندي الاميركي وبلاده في منطقتنا العربية.

بالنسبة للاوضاع في سورية، إلام ستؤول برأيك؟ وما تأثيراتها على لبنان؟

من الضروري جداً ان يتم تطبيق الاصلاحات في سورية. وفي كل الاحوال، انا اعتبر ان القيادة السورية تخوض معركة ذات أبعاد عدة. فثمة البعد الداخلي المتعلق بداخل النظام، اي تطوير النظام برضى النظام، وهي معركة بحد ذاتها. وثمة معركة تطوير النظام وفقاً للمعارضة الداخلية التي تطالب باصلاحات لقيام دولة مدنية ونظام ديموقراطي. وثمة المعركة مع المعارضة التي تريد اسقاط النظام، وهي سلفاً تجلس في حضن من هم أعداء لهذا النظام. وهذا موقف سلبي، لانه يطرح اسقاط النظام دون ان يقدّم البديل. وعلى كل حال، بالنسبة للبنان، يمكن للبنانيين ان يساهموا في تحرك ايجابي يفيد في حل الازمة، اذا كانوا يملكون هذه القدرة، الا انهم لا يملكونها بسبب خلافاتهم. وبالتالي على اللبنانيين الا يتدخلوا في الشؤون السورية، لأن اي تدخل يسيء للعلاقات بين البلديْن. وسورية هي العمق الاستراتيجي للبنان، والعلاقة بين لبنان وسورية هي جزء من الكيان اللبناني، في ظل المعاهدة الموقعة بين البلديْن، لذلك اقول ان اي تهاون او اي تغافل عن هذه الحقيقة يلحق ضرراً فادحاً بالمصلحة اللبنانية.

كأنك تلمّح الى وجوب وقوف لبنان الى جانب سورية في مجلس الامن، في ما لو تم فرض عقوبات عليها؟

طبعاً دون شك. يجب ان يبقى الموقف اللبناني مع سورية دائماً. ولنترك للشعب السوري حرية تقرير مصيره.

لقد أثيرت مؤخراً قضية الاملاك البحرية اللبنانية والمطامع الاسرائيلية في الثروات التي تحتويها، وتكشّف النقاب عن تقاعس وتقصير فاضح من قبل الدولة اللبنانية في حماية هذه الاملاك. ما موقفك في هذا الاطار؟

نتحدث عن تقصير الدولة في حين انه لا توجد دولة حالياً في لبنان. والسلطات المتعاقبة كلها بعيدة كل البعد عن فهم المصلحة الوطنية العليا. وهذه القضية من ضمن المصالح الوطنية العليا غير القابلة للنقاش او الخلاف، لأنها تتعلق بحقوق كل اللبنانيين تجاه الغير. من هنا اعتبر أن منطق الدولة هو الذي يحلّ المشكلة، وليس الوثوق بهذا الوزير أو ذاك لنستفيق بعدها ونجد أنفسنا في الفراغ. وعلى كل حال، سواء بالنسبة لهذه المسألة او غيرها، لا يمكن تجاهل حقيقة مهمّة، وهي أننا، منذ سقوط الاتحاد السوفييتي حتى الآن، نعيش في فترة فراغ، بسبب عدم قيام نظام عالمي جديد، حيث ظهرت النشوة الاميركية والرغبة الاميركية الجامحة بأن تكون هي القوى الآحادية العظمى في العالم، بعد نظام القوتين العظميين. وهذه التجربة جرّت اصوات عديدة من دول عديدة مثل المانيا واليابان وفرنسا للمطالبة بوجوب اقامة نظام عالمي جديد تشارك فيه كل القارات. فالنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية يمكن ان نسمّيه مجلس امن المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، واقصاء كل الآخرين، سواء الذين شاركوا ام لم يشاركوا في الحرب. واذا ما نظرنا الى خارطة التمثيل للصين وروسيا وبريطانيا واميركا وفرنسا، نجد ان ثلاثة ارباع العالم لا علاقة له بمجلس الأمن. لكن الدنيا تغيرت بمن عليها اليوم، واصبحت اليابان مثلاً الحليف الاول للولايات المتحدة الاميركية، لكنها مازالت خارج التمثيل، كذلك بالنسبة لالمانيا والهند والشرق الاوسط. كلنا اصبحنا خارج التمثيل. وعندما تُطلق فكرة العولمة دون ضوابط تطرح مخاطر كبيرة. ولقد حذّر رئيس الوزراء الفرنسي الاسبق ريمون بار وسواه من المسؤولين الكبار من ذلك مراراً، مطالبين بانشاء مجلس امن اقتصادي ومجلس امن اجتماعي الى جانب توسيع مجلس الامن السياسي لاشراك جميع القارات فيه، وذلك من اجل ضبط العولمة. من هنا فإن مسألة الحدود البحرية للبنان وسواه لا تحلّ الا بقيام نظام عالمي جديد متمثّل في تغييرات اساسية في مجلس الامن والامم المتحدة. ونحن على ابواب حصوله. أما الآن فنحن نعيش في فراغ، لذلك تتنازع الدول فيما بينها. وقيام نظام عالمي جديد وحده الكفيل بضمان حقوق كل الدول ومصالحها، وتصبح المصالح قائمة، ليس على الصراع بل على التضامن والتعاون بين الدول. ومن هنا اعتبر ان عودة الاتزان الى الجسم العربي مسألة اساسية وعودة التعاون بصورة صريحة وواضحة وعلى اسس صريحة وواضحة بين العرب وتركيا وايران أمر اساسي للغاية، وإلا فالجهات الثلاث لن تجد مكاناً لها في النظام العالمي الجديد، وثم خطر بتهميشها جميعها. وهنا يأتي موضوع لبنان الاساسي. فشاء أم أبى الجيران والاصدقاء والاشقاء وحتى الأعداء، فإن لبنان، بتكوينه الاجتماعي والسياسي وبثرواته، هو نافذة المنطقة العربية والاسلامية على العالم، وهو نافذة العالم على المنطقة. وبالتالي، فإن اعاقة لبنان عن القيام بدوره بسبب غياب قوانين الانتخاب والسلطة القضائية والانماء المطلوبة وبسبب عدم تسهيل قيام دولته يعود بالضرر على لبنان ومعرقلي مسيرته.

في أخبار