GMT 1:00 2012 الثلائاء 2 أكتوبر GMT 0:17 2012 الثلائاء 2 أكتوبر  :آخر تحديث

الإسلام الاعتقادي والإسلام السياسي

الإتحاد الاماراتية

طيب تيزيني

تمارس الصراعات والحوارات القائمة الآن بين مختلف الأطياف الإسلامية في سوريا تخصيصاً وعلى المستوى العربي الإسلامي تعميماً، دوراً بارزاً بل كذلك حاداً في أحوال أخرى، ولعلّ أحد الأسباب الكامنة وراء ذلك يتمثل في إكساب تلك الصراعات والحوارات أبعاداً سياسية وأخرى عسكرية (مثلاً في بعض المناطق الإسلامية غير العربية). بحيث يبدو الأمر كأنه حوار أو صراع بين الدين واللا تدين (أو التّجديف والاستفزاز المؤذي). وهذا ما يُعطي ذلك أبعاداً ودلالات يمكن أن تتحول إلى وقود يُلهب من يلتهب ويخلف من النار ما هو كفيل بتكوين ما يُدعى "فائض قوة أو طاقة مدمرة". عاش العالم بكامله تقريباً حالة من الاضطراب والصخب والعبث مع الإعلان عن الفعل الأميركي، الذي اكتسب قوة رمزية هائلة، حين جرى الحديث عنه تحت عنوان "الفيلم المسيء للإسلام". والحق، أن الضجة الكبرى التي انطلقت تنديداً به وبمن ساعد على تعميم الحديث عنه، مع شحْن للعواطف الجياشة، فتحت آفاقاً ونقاط ضعف في ثقافة فئات كثيرة شجعت على ذلك الإيذاء.

وبعد أن هدأت هذه العواطف بقدر ما وبعد تقديم الاعتذارات من مرجعيات دولية وسياسية ومؤسسية، نطرح السؤال التالي، وهو ذو سمات متعددة، معرفية ودينية وأيديولوجية وسياسية، وغيرها. ويهمنا من تلك، في حقيقة الأمر الكل الذي يقود إلى التأكيد على شريحته التعددية في الإسلام، خصوصاً منه ما يحفز على احترام الاختلاف ضمن الوحدة أو خارجها، وعلى القول بمثل العناصر التالية: التأويل، تأويل النص الديني عبر الاجتهاد فيه، وبحيث يكون كل مجتهد مؤوّل "مصيباً". والعبرة في ذلك تبرز لصالح خدمة الناس لمصالحهم.

بعد أن يكون هؤلاء قد وضعوا فكرة "المقدّس" بعيداً عن مصالحهم تلك، وفتحوا الأبواب عليها قبولاً ورفضاً وما بينهما.

إن المقدس هو - بهذا الاعتبار- المطلق الكلي الذي لا يحتمل أن يحتمي به الناس تكريساً لمصالحهم وللاعتقاد بصدقيتها وسلامتها، دائماً وأبداً. هنا نكون أمام حالة يخال الناس أنهم، إذا تكلموا باسمها، فقد ملكوا الحقيقة التامة، التي إذا خالفها هذا أو ذاك وذلك، فقد ارتكبوا خطأ وخطيئة. وهذا، بدوره، يفصح عن نفسه في أن كل قراءة لكل نص لا يمكن أن تتماهى مع المقاصد العليا لهذا النص. وقد كشف حكماء سابقون في تاريخنا والتاريخ العالمي أن نصّاً من هذا إنما هو "حمّال أوجه" والطريف المهم أن الخليفة عليّاً بن أبي طالب قارب هذه الحالة وانطلق منها في حياته.

في تلك العقدة المنهجية نضع يدنا على "الإسلام السياسي"، الذي يظهر من حيث هو رؤية بشرية للشأن السياسي، لا تُلزم أحداً ولا ترفض إمكان أن تتضمن فكرة مقبول وصحيحة.

الإسلام السياسي هو، والحال كذلك، نظرة لفهم ظاهرة مجتمعية مشخصة في ضوء تصور ديني، يُعتبر واحداً من عدة تصورات أخرى. والمشكلة التي قد تظهر في ذلك، إذن، هي حوار أو صراع يقوم بين قراءات متعددة لحدث ما في ضوء نص ديني.

لقد أدركت مرجعيات سياسية دولية متعددة، مثل الولايات المتحدة، أن التغيير المطلوب هو للنص القرآني الكريم، وليس لنمط من أنماط قراءته، لذلك، كانت هنالك محاولات لإيجاد "قرآن جديد" يخلو مما يزعج فرقاء هنا وهناك. وهنا يصح القول بأن الإسلام "الاعتقادي" يقوم على بُعد شاقولي- رأسي أو طولي- "مِن المؤمن إلى النص"، أما الإسلام "السياسي"، فتتمثل أبعاده من موقع المؤمن إلى المؤمنين الآخرين وضمن حركة أفقية وحلزونية جامعة. وسوف يلاحظ السوريون، في صراعهم من أجل الحرية والكرامة والعدالة، بأن ما يجمعهم على هذه الأهداف يتحدد بـ "كل السوريين".

وقد حاولت مجموعات من النظام الأمني أن تخربط العلاقات الإيجابية الناظمة للسوريين، فتحدثت عن الطائفية والعرقية وغيرها. وعلى العكس من ذلك فإن ما ينطبق على أتباع هذا الدين، ينطبق على أتباع الأديان الأخرى؛ مِمّا يدعو إلى تعميق المواقف الجامعة بين الجميع، كائناً ما كانت انتماءاتهم الدينية. إن ذلك ضروري للسوريين في معركتهم الحالية؟ وسيكون أكثر ضرورة في مرحلة إعادة الإعمار!

 

في أخبار