GMT 0:00 2012 الأربعاء 8 أغسطس GMT 23:54 2012 الثلائاء 7 أغسطس  :آخر تحديث

مخاوف أوباما ووعود الاسد : أسلحة الدمار الشامل لا تبرر التدخل

الجريدة الكويتية

Doug Bandow- TNI

أدى الصراع المستمر إلى تأجيج المطالب المألوفة بتنفيذ تدخل أميركي، لكنّ التدخل الخارجي ليس خياراً بسيطاً ولا رخيصاً وغالباً ما تتعدد عواقبه غير المقصودة كما حصل في العراق، فإذا تدخلت واشنطن في بلد آخر، فستتحمل مسؤولية معالجة البلد، وهو أمر أمضت الولايات المتحدة 11 سنة تقريباً وهي تحاول تحقيقه في أفغانستان.
تملك سورية أسلحة كيماوية، وقد أدت هذه الأنباء المتوقعة إلى بث موجة من الصدمة والرعب في أوساط قادة العالم، لكنّ وجود ترسانة مميتة في سورية يشكل سبباً وجيهاً آخر كي تبقى الولايات المتحدة خارج الحرب الأهلية المتفاقمة في ذلك البلد.
أدى الصراع المستمر إلى تأجيج المطالب المألوفة بتنفيذ تدخل أميركي، لكنّ التدخل الخارجي ليس خياراً بسيطاً ولا رخيصاً وغالباً ما تتعدد عواقبه غير المقصودة كما حصل في العراق، فإذا تدخلت واشنطن في بلد آخر، فستتحمل مسؤولية معالجة البلد، وهو أمر أمضت الولايات المتحدة 11 سنة تقريباً وهي تحاول تحقيقه في أفغانستان. يجب أن تصبح الحرب الملجأ الأخير بدل أن تكون مجرد خيار سياسي بديل، وبما أن الأسد يملك ترسانة من الأسلحة الكيماوية، تبرز حاجة ملحّة إلى تقييم المصالح الأميركية في المنطقة بشكل واقعي.
سخط حقيقي أم مجرد نفاق؟
لا شك أن مخزون الأسلحة الكيماوية السورية يزيد تعقيد الأعمال العدائية، إذ يمكن أن يستعمل النظام الأسلحة النووية كملجأ أخير ضد المعارضة. تشعر الدول المجاورة لسورية، ولا سيما إسرائيل، بالقلق من أن يؤدي انهيار النظام إلى نشر أسلحة الدمار الشامل في أنحاء الشرق الأوسط ومناطق أخرى. اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل (أهم قوة نووية تملك أسلحة كيماوية وبيولوجية محتملة في الشرق الأوسط) كانت “مستعدة للتحرك” كي تصادر أسلحة سورية لمنعها من الوصول إلى يد “حزب الله”.
ارتفعت المخاطر في سورية إلى مستويات غير مسبوقة عندما حذرت دمشق من أنها قد تستعمل الأسلحة الكيماوية ضد الغزاة الخارجيين بعد أن أنكرت حيازتها سابقاً. قال المتحدث باسم وزارة الخارجية جهاد مقدسي: “لن يُستعمل أي مخزون من أسلحة الدمار الشامل أو أي أسلحة غير تقليدية أخرى تملكها الجمهورية العربية السورية ضد الشعب السوري بل إنها ستُستعمل حصراً في حال وقوع أي اعتداء خارجي ضد الجمهورية العربية السورية”.
رداً على ذلك، انتشرت موجة عارمة من الصدمة والسخط، فصرح أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون: “من المشين أن يعمد أي شخص في سورية إلى استعمال أسلحة الدمار الشامل”.
كذلك، اتخذ خطاب الدول التي تهدد بمهاجمة سورية لهجة أكثر صرامة، فأعلن الاتحاد الأوروبي (معظم أعضائه ينتمون إلى حلف الأطلسي) أنه “معني جداً” بذلك التهديد، وأعلن وزير الخارجية البريطاني ويليام هايغ الذي يمثل دولة تملك قوة نووية: “من غير المقبول الإعلان عن استعمال الأسلحة الكيماوية في أي ظرف كان”. كذلك، اعتبر وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله أن ذلك التصريح “وحشي” علماً أن بلده كان قد استعمل أسلحة كيماوية في القتال سابقاً.
سرعان ما انضم الرئيس باراك أوباما إلى هذه الجوقة فقال: “نظراً إلى وجود مخزون من الأسلحة الكيماوية لدى النظام، سنتابع الإعلان على مسامع الأسد والمحيطين به بأن العالم يراقبهم وأنهم سيُحاسَبون أمام المجتمع الدولي والولايات المتحدة إذا ارتكبوا الخطأ المأساوي باستعمال تلك الأسلحة”. لكنه لم يذكر واقع أن الولايات المتحدة تملك أخطر ترسانة من أسلحة الدمار الشامل في العالم.
ثم استفاضت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، فيكتوريا نولاند، بالكلام عن هذا الموضوع قائلة: “ذلك الكلام الخطير يعبّر عن حقيقة النظام الذي نتحدث عنه”. لكن يجب ألا ننسى أنها جزء من الإدارة التي بالغت في الحديث عن احتمال التدخل ضد سورية عبر استعمال القوة العسكرية.
تنمّ ردة الفعل الغربية على تصريح مقدسي عن نفاق فاضح، فلا أحد يشك في أن المسؤولين الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين قد يستعملون كل ما يملكونه من أسلحة في ترساناتهم (حتى الأسلحة النووية) إذا اقتنعوا بضرورة فعل ذلك دفاعاً عن بلدانهم. كذلك، من المبرر أن تشعر دمشق بالخوف مما ينتظرها، فقد اعتادت الولايات المتحدة ومنظمة حلف الأطلسي وإسرائيل على قصف الدول الأخرى وغزوها، وكان نظام الأسد هدف حملة دولية مكثفة تدعو إلى التحرك عسكرياً ضد سورية. بالتالي، يبدو تهديد دمشق متوقعاً ومنطقياً.
أسلحة الدمار الشامل غير متساوية
بالغ البعض في مقاربة مخاطر الترسانة الكيماوية السورية، فحذر الصحافي أوستن باي من أن “سقوط النظام سيؤدي إلى خروج المارد الشرير القاتل لمطاردة الشرق الأوسط وربما العالم أجمع”. وعبّر عن قلقه من أن “تصبح أسلحة الدمار الشامل بمنزلة بوليصة تأمين مغلفة داخل ميثاق انتحار وأن تقدّم خلال القرن الحادي والعشرين نسخة مصغرة عن سياسة حافة الهاوية النووية الحرارية القائمة على مفهوم الدمار المؤكد المتبادل”.
لكنّ ترسانة الأسلحة الكيماوية التي تملكها سورية والتي تشمل السيانيد وغاز الخردل والتابون وغاز السارين وغاز الأعصاب (VX) لا تضاهي الإمكانات النووية التي امتلكها الاتحاد السوفياتي الذي كان أول من طبّق مفهوم “الدمار المؤكد المتبادل”. صحيح أن الأسلحة الكيماوية تدخل ضمن فئة أسلحة الدمار الشامل، لكنها لا تثير الخوف بقدر الأسلحة النووية أو البيولوجية، فهي تملك قدرة تدميرية أقل مما تفعل الأسلحة الأخرى وتنتشر بوتيرة أبطأ منها. (يُقال أيضاً إن دمشق تملك مخزوناً محدوداً من العناصر البيولوجية، منها الجمرة الخبيثة). على سبيل المثال، أدى الاعتداء الكيماوي ضد قطار أنفاق في طوكيو في عام 1995، على يد طائفة دينية اسمها “أوم شينريكيو”، إلى مقتل 13 شخصاً فقط مع أن العملية كانت مشينة على المستوى الأخلاقي، ما يشير إلى صعوبة انتشار العناصر الكيماوية وفق دراسة أجرتها خدمة الأبحاث في الكونغرس.
تفيد الأسلحة الكيماوية أي قوة تملك وسائل تفجير تقليدية (قذائف مدفعية، قنابل، صواريخ) ولكنها لا تفيد الجماعات الإرهابية التي تملك إمكانات محدودة. تملك دول عدة الآن أسلحة كيماوية، لكن حتى المحافظون الجدد الذين حثوا على تنفيذ تحرك عسكري استباقي لمنع العراق وإيران وكوريا الشمالية وسورية من اكتساب أسلحة نووية لم يقترحوا شن الحرب لردع تلك الدول أو غيرها عن تطوير أسلحة كيماوية. الأسلحة الكيماوية تكمّل المعدات العسكرية ولكنها ليست قوة تدميرية جديدة.
كان التهديد باستعمال أسلحة الدمار الشامل في دمشق محدوداً جداً، حتى ليونارد سبيكتور من مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي في معهد مونتيري اعترف بأن تصريح جهاد مقدسي الذي يحذر من غزو بلده “يبدو محاولة للتصرف بمسؤولية”.
من الواضح أن وعد الأسد بالحد من استعمال الأسلحة الكيماوية يفتقر إلى المصداقية، لكنّ مخزونه لن يفيده كثيراً ضد الثوار السوريين. يتفوق نظام دمشق أصلاً من ناحية الأسلحة التقليدية. لكن تكمن نقطة ضعفه الأساسية بتوسع انتشار المعارضة الشعبية. كذلك، لا تستطيع قوات الأسد الحد من أثر تلك الأسلحة واستعمالها ضد الثوار حصراً، كما أن إنهاء جميع الضوابط العسكرية سيضمن نهاية مأساوية لمعظم المسؤولين في النظام إذا انتصرت المعارضة في نهاية المطاف.
قد يؤدي سقوط النظام إلى توسّع نطاق التطورات ووصولها إلى دول وجماعات أخرى، لكن صرّح الجنرال الإسرائيلي بيني غانتز حديثاً أمام الكنيست بأن سورية عززت أمن أسلحتها النووية. في الوقت نفسه، بدأ دعم المعارضة، ولو لأسباب مختلفة، يجعل من انهيار الأسد واقعاً محتملاً. إذا اختارت الولايات المتحدة زعزعة استقرار أي بلد أو منطقة، فلا يمكن أن تتذمر من عواقب قرارها.
يمكن التقليل من أهمية تهديد سورية باستعمال الأسلحة النووية دفاعاً عن نفسها بكل سهولة. أكدت الصحافية فريدا غيتيس على أن موقف سورية “بدّد أي شكوك سابقة حول ضرورة إنهاء حكم الأسد الوحشي”، لكنّ المطالب بإنهاء ذلك الحكم هي التي أدت إلى التهديد باستعمال الأسلحة الكيماوية. لن تُستعمل الأسلحة الكيماوية على الأرجح إذا لم تهاجم الولايات المتحدة ودول أخرى دمشق.
لا شك أن توسع الحرب الأهلية السورية يعكس مأساة حقيقية، لكنّ الأسباب الوجيهة المتعددة التي تدعو إلى إسقاط الأسد لا تبرر تدخل الولايات المتحدة أو حلف الأطلسي عسكرياً في الصراع. إن تهديد دمشق باستعمال الأسلحة الكيماوية دفاعاً عن نفسها هو أحد أبرز الأسباب الوجيهة التي تدعو الولايات المتحدة إلى عدم التدخل
 

في أخبار