GMT 0:10 2013 الأحد 20 يناير GMT 2:32 2013 الأحد 20 يناير  :آخر تحديث

مساعد رئيس السجون المصري: أحمد عزّ الأكثر يأساً والعادلي لنجله: بابا في مهمة ربما تطول

الحياة اللندنية

العادلي لنجله: بابا في مهمة ربما تطول وحارسه ... يسأل عن «الجاكوزي» (1 من 4)

القاهرة – محمد صلاح

لم يكن قرار محكمة النقض قبول الطعن في قضية قتل المتظاهرين، نهايةً لفترة مهمة من تاريخ مصر، وربما كان بداية أخرى وفاصلاً جديداً من مسلسل الثورة المصرية. ورغم حلول الذكرى الثانية لانطلاق الثورة التي أطاحت نظام حسني مبارك، فإن المعلومات عن أحوال رجال حكمه الذين جرى القبض عليهم وتوقيفهم ووضعهم في السجون بعد تنحي مبارك، بقيت متضاربة، وغالباً ما تُتداوَل من دون توثيق، وكثيراً ما يتأثر ما تبثه الفضائيات أو تنشره الصحف أو تنقله وكالات الأنباء عنهم بالموقف السياسي لمن ينقلها، خصوصاً بعدما تحول بعض الإعلاميين والصحافيين إلى ناشطين سياسيين يتبنون مواقف سياسية بعينها، فصار أنصار النظام السابق مروجين عادة للكلام عن بطش السلطة الجديدة برجال حكم مبارك، ومعاناة هؤلاء، والظروف غير الإنسانية التي يعيشونها، والتنكيل بهم، واختلاق القضايا تلو الأخرى لكل من يبرَّأ منهم أو يُفرج عنه بقرار من المحكمة بكفالة على ذمة القضايا المتهم فيها، و «بيع» المجلس العسكري إياهم وتخليه عنهم، بينما تتداول وسائل الإعلام «الثورية» المعلومات عن حياة الفنادق التي يعيشها أقطاب الحكم السابق داخل السجون إلى درجة إطلاق بعض وسائل الإعلام اسم «بورتو طرة» على السجن، سخرية من تحوله إلى منتجع سياحي!! وكذلك الطعام الفاخر الذي يتناولونه وأجهزة المكيفات التي تخفف عنهم حر الصيف وبرد الشتاء، وجلسات السمر والاحتفالات التي تنظَّم لهم، والزيارات المفتوحة التي تأتيهم، والهواتف النقالة التي يتواصلون بها مع ذويهم، وأجهزة التلفزيون التي يسهرون أمامها.

هؤلاء الذين ظلوا على مقاعد الحكم سنوات طويلة وكأنهم يملكون مصر بطولها وعرضها من دون أن يتوقعوا أو يتوقع أحد أن يأتي اليوم الذي سيقبعون فيه خلف الأسوار، يعتقد البعض أنهم مازالوا مؤثّرين في الأحداث، أو يحركونها، وأنهم يرغبون دائماً في إفشال الثورة ونشر الفوضى، وأن لهم أتباعاً خارج الأسوار يحركون البلطجية ليهاجموا الجيش والشرطة، ثم الثوار، ثم الإخوان، فينشروا الذعر بين الناس ويقودوا «الثورة المضادة» بهدف تحقيق نظرية مبارك التي قالها قبل أن يرحل: «أنا أو الفوضى».

في الذكرى الثانية للثورة تعرض «الحياة» لشهادة مسؤول كبير سابق في وزارة الداخلية عمِلَ مع وزيرها السابق حبيب العادلي ثم جاءت الأيام التي جعلته يستقبله في السجن ويقوده إلى زنزانته ليغلقها عليه.

عبر أربع حلقات يفتح مساعد رئيس قطاع السجون السابق اللواء محمد حمدون خزائن أسرار «سجن طرة» الشهير الذي استقبل رموز نظام مبارك ورجاله، ويضع نقاطاً فوق حروف ظلت طوال هذه المدة تُنشر وتُنثر ناقصةً، فيملأها كل طرف بما يخدم مصالحه أو يحقق أهدافه. ترك اللواء حمدون الخدمة في الشرطة المصرية العام الماضي وفتح مكتباً للمحاماة، لكنه عاهد نفسه ألاّ يتولى قضية يكون بين أطرافها رجال النظام السابق، سواء لمصلحتهم أو ضدهم، لأنه يعتقد أنه كان طرفاً في جزء مهم من حياتهم، بل الأهم. وفي شهادته، لا يتناول حمدون أبداً القضايا التي اتُّهموا فيها، سواء ذات العلاقة بقتل الثوار والتصدي للثورة، أو تلك التي تتعلق بالفساد وإهدار المال العام، فمهمته لم تكن البحث أو التحري أو ملاحقة المعلومات عن أنشطة رجال مبارك قبل أن يأتوا بهم إلى السجن، وإنما سجنهم وتأمينهم في مكان احتجازهم وحمايتهم من أي مكروه أو مؤامرة، وكذلك بالطبع اتخاذ كل الإجراءات التي تكفل عدم فراراهم أو عبور أسوار السجن إلا وفقاً لقرار من النيابة أو القضاء. وأشرف حمدون أيضاً، ومعه باقي قادة السجون وضباطها وجنود قطاعها، على خروجهم إلى أماكن التحقيق أو قاعات المحاكم، ثم عودتهم لتغلق عليهم الزنازين من جديد. وفي شهادته تحدَّث عما رأه وسمعه، وكذلك ما رآه ولاحظه كـ «سجّان» لسجناء اعتبرتهم الثورة سَجنوا مصر وشعبها ثلاثة عقود، من دون أن يتناول ما يعتقده أو يطرح رأيه في تاريخ كل واحد منهم أو تصرفاته أو أخطائه، وما إذا كان بريئاً أو مذنباً، لأن واجبه أن يبقيهم خلف الأسوار لا أن يحكم عليهم.

تقف شهادة اللواء حمدون قبل وصول مبارك نفسه إلى «سجن طرة» عندما صدر الحكم عليه من محكمة الجنايات المصرية يوم 2 حزيران (يونيو) العام الماضي، حيث يحتاج رأس النظام السابق إلى حلقات أخرى ومعلومات تربط بين توقيفه أولاً في مستشفى شرم الشيخ، ثم المركز الطبي العسكري، ثم سجن طرة، وخروجه ورجوعه، ثم خروجه مجدداً إلى مستشفى المعادي. كما ترك حمدون موقعه ووصل إلى سن التقاعد قبل أسابيع من وصول مبارك إلى السجن. لكن في حديث اللواء حضر مبارك في تصرفات ابنيه علاء وجمال وكلامهما، وفي ماضي رجال حكمه وحاضرهم. كان قرار توقيف مبارك صدر في اليوم نفسه الذي دخل فيه ابناه علاء وجمال سجن طرة، لكن الأب وقتها كان محتجزاً في مستشفى شرم الشيخ قبل أن ينتقل إلى المركز الطبي العالمي العسكري في 3 آب (أغسطس) من العام الماضي، ومنه إلى سجن طرة. بعض الذين ذكرهم اللواء حمدون في حديثه يقضون الآن عقوبات بالسجن بعدما أدينوا في قضايا أصدر القضاة أحكاماً فيها، مثل أحمد عز وأحمد نظيف وزهير جرانة والمغربي وآخرين مازالت التحقيقات تجري معهم في قضايا أخرى، كصفوت الشريف وزكريا عزمي وأنس الفقي، وهم رهن الحبس الاحتياطي، ومنهم من نال البراءة وخرج من السجن، كفتحي سرور، إضافة بالطبع إلى مبارك نفسه، الموجود حالياً في مستشفى المعادي، وسيعود إلى مستشفى السجن إذا ما رأى الأطباء أن حالته طبيعية، وحبيب العادلي، والاثنان قبل طعنهما في الحكم بإدانتهما بالمؤبد، وهما ينتظران إعادة محاكمتهما مع علاء وجمال وستة من مساعدي العادلي أمام دائرة قضائية جديدة. لكن أسرار السجن لم تُدفن خلف أسواره.

«الحياة» تبدأ اليوم نشر الحلقة الأولى من الحوار مع اللواء حمدون، وفيها بعضٌ من خزائن أسرار رجال حكم مبارك خلف أسوار السجن الشهير.

 

يتحدث مساعد رئيس قطاع السجون المصري اللواء محمد حمدون في الحلقات الأولى من حواره مع «الحياة»، عن حال وزارة الداخلية قبل ثورة 25 كانون الثاني (يناير) بأيام، و «النشوة» التي انتابت الوزير السابق حبيب العادلي في حفل عيد الشرطة قبل اندلاع الثورة بيومين، وكيف بدا مسؤولُ التنظيم في الحزب الوطني المنحل، رجلُ الأعمال أحمد عز يائساً ليلة وصوله إلى السجن ضمن أول دفعة من مسؤولي النظام السابق يتم ترحيلها إلى سجن طرة. السجّان، أو الرجل الذي شهد اللحظات الأولى للزجّ برموز نظام مبارك في السجن، ينقل حال العادلي في أولى لياليه في السجن وحديثه إلى ابنه عبر الهاتف قبل دخوله الزنزانة، وهو يستغرب سؤال حارس العادلي، وهو ضابط في الشرطة رافقه حتى وصوله زنزانته، لتنتهي مهمته وتبدأ مهمة مصلحة السجون في تأمينه وتأمين المجتمع منه، عن «جاكوزي السجن» الذي سيستخدمه الوزير السابق!.

 

العادلي منتشياً عشية الثورة

> قبل الثورة بيومين كان حفل عيد الشرطة، وبدا فيه أن لا اكتراث بدعوات التظاهر. الشارع كان يغلي، وحدّة المعارضة تتصاعد، ولكن كيف كان يفكر صانعو القرار في وزارة الداخلية في تلك الأيام؟

- في 23 كانون الثاني (يناير) من العام 2011، احتفلت وزارة الداخلية بعيد الشرطة في قاعة المؤتمرات الكبرى بأكاديمية الشرطة في منطقة التجمع الأول في القاهرة الجديدة، وحضر الحفل الرئيس السابق حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي والوزراء كافة وكبار رجال الدولة. كان احتفالاً مهيباً يليق بالمناسبة، ألقى فيه العادلي كلمة استهلها بالترحيب بالرئيس والحاضرين جميعاً، وأعلن الوصول لمرتكبي حادث تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية، متهماً جماعة «جيش فلسطين» في غزة، ليصفق له جميع الحاضرين، وكان حديثه مثار فخر رجال الشرطة الذين ملأوا القاعة، وبدا واضحاً أنهم أرادوا مع وزيرهم أن يثبتوا لرأس النظام أنهم بذلوا جهداً كبيراً في التعاطي مع هذه الواقعة الخطيرة التي كادت تشعل نار الفتنة في المجتمع بين عناصر الأمة.

حاز العادلي إعجاب الجميع، وبدا منتشياً شباباً وحيوية، ثم تحدث مبارك في تعالٍ ونشوة أيضاً، وشكر رجال الشرطة على ما بذلوه من جهد تجلى في ضبط الجناة، وظل يتباهى بالقوات المسلحة والجيش القوي. خرج الجميع من قاعة الاحتفال بمعنويات عالية ونشوة أصابت نفوسهم بالعزة والافتخار، وانفض الحفل والجميع يتحدث ويتباهى ويفتخر بما يراه من تقدم للبلد في المجالات كافة.

على الجانب الآخر، كان الشارع يغلي فعلاً، وكانت هناك مجموعات من منظمات المجتمع المدني والقوى الشبابية تعارض مبارك وحكمه وتدعو إلى العصيان، لِما وصلت إليه مصر من تدنٍّ في الخدمات وانهيار اقتصادي يعاني منه غالبية المصريين من الفقراء وازدياد أعداد العاطلين من فئة الشباب إضافة إلى القهر الفكري والاستقطاب الديني وزيادة سطوة جهاز مباحث أمن الدولة والزج بالمزيد من المظلومين في المعتقلات وتوسيع دائرة الاشتباه وتأثير الانتخابات البرلمانية المزورة. لم يكن سراً أن بعض هؤلاء كان يتهم العادلي نفسه بالضلوع في حادثة كنيسة القديسين، بدعوى إيهام الرئيس بأن الخطر يحيطه دائماً وأنه يحتاج إليه، أو لترسيخ الإيحاءات لدى الغرب بأن خطر الإسلاميين قائم دائماً، كنا نشعر بأن الأمر مختلف ويتجاوز أساليب المعارضة التي اتبعتها الأحزاب طوال عهد مبارك.

اختار الداعون للعصيان والتظاهر يومَ عيد الشرطة في 25 كانون الثاني (يناير) لتنفيذ وعيدهم، وبدأت بوادر التظاهرات يوم 24 من الشهر نفسه بمجموعات صغيرة هنا وهناك، زادت وأصبحت بمثابة الظاهرة يوم 25، وكأن الأقدار تضحك لما فيها من عجائب: تحتفل وزارة الداخلية وتقدم الاحتفالية يومين عن ميعادها الأصلي ليأتي الموعد الحقيقي لها في 25، ليكون يوم عصيان بدلاً من يوم احتفال، ويأتي اليوم من دون أن يدري أحد أنه جاءت لحظة التغيير من حال إلى حال، لتنتهي الشرطة في يوم احتفالها وليمتلئ ميدان التحرير بالبشر عن آخره وتتعاطف معه كل ميادين مصر من أقصاها إلى أدناها هاتفة: «الشعب يريد إسقاط النظام».

كانت الشرطة نزلت بكل ثقلها يحركها الوازع الضميري، ظناً منها أنه شغب سرعان ما ينتهي، وباتت جميع كتائب وسرايا الأمن في الميادين وحولها لحماية المنشآت العامة ومحاولة إنهاء هذا العصيان، وإذا بالطوفان البشري المتزايد الذي أتى من بلدان وميادين مصر يتغلب على كل الأسلحة، وإذا بالشرطة وقواتها تنهك من العمل المتواصل ليل نهار من دون فض هذه الملايين من البشر، حتى يتم انسحابها ليعلن حظر التجوال يوم 28 من الشهر وتختفي قوات الشرطة وتتولى القوات المسلحة عملية حراسة المنشآت الحيوية وتأمين التظاهرات.

تمر الأيام وكل قادة الشرطة في أماكنهم ومواقعهم، بعيداً من الميادين الممتلئة بالناس، باستثناء العادلي وبعض مساعديه، بعدما جرت إقالتهم إلى أن يأتي يوم تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، وجاء التحول الإعجازي الغريب، وإذا بقيادات الأمس تتحول إلى متهمين، وإذا بمن رأيناهم في احتفالية يوم 23 وهم قيادات شامخة، نراهم في مشاهد مغايرة تماماً يدخلون عالماً مجهولاً.

 

دفعة السجناء الأولى

> بعد تنحي مبارك بدأ رموز حكمه في التساقط. أين كنت؟ وكيف استقبل كل منهم اقتياده إلى السجن؟ وبماذا شعر سجّانوهم؟

- أثناء قيام قيادات مصلحة السجون بأعمال الحراسة والعمل على تأمينها، خصوصاً بعد حوادث الهجوم على بعض السجون وفرار أعداد من السجناء في المناطق البعيدة من العاصمة، وأثناء مرورنا على خدمات التأمين كافة يوم 18 شباط (فبراير)، نما إلى علمنا أن هناك قراراً بالقبض على القيادي السابق في الحزب الوطني المنحل رجل الأعمال أحمد عز صاحب سيناريو تزوير انتخابات مجلس الشعب الأخير، أحد أهم أسباب انطلاق التظاهرات، وأيضا رجل الأعمال وزير الإسكان السابق أحمد المغربي، ووزير السياحة السابق زهير جرانة. قضايا «الوزن الثقيل» من هذا النوع قبل الثورة، كنا نعلم بها قبل فترة حتى نستعد جيداً ونجهز الزنازين أو العنابر التي ستحتجز فيها الشخصيات المهمة، لكن مصر بعد الثورة كانت تعيش حالة استثنائية، وفوجئنا بوصول العديد من السيارات بمرافقة قيادات من مديرية أمن حلوان إلى سجن «مزرعة طرة»، تقل المسؤولين السابقين الثلاثة وهم يرتدون ملابسهم المدنية المهندمة بعدما أنهت النيابة معهم في ذلك اليوم جلسة تحقيق، وإذا بهم ينزلون من سيارات الترحيلات الواحد تلو الآخر وتبدو عليهم علامات الإرهاق مع دهشة بالغة، أو قل حالة ذهول، وكأنهم في حلم. لم نكن نحن أيضاً نصدق ما يحدث. هل هؤلاء هم وزراء الأمس وقيادات مصر السياسية والتنفيذية؟ هل ما نراه ونفعله حقيقي؟ هم يتدلون الواحد تلو الآخر مثلهم مثل المتهمين ومعتادي الإجرام!! تحوُّلٌ لا يصدق. مشى المسؤولون الثلاثة في علياء يشوبه قلق وترقب وصدمة، كانت خطواتهم ثقيلة، كأنهم لا يصدقون وضعهم الجديد ولا يريدون تخطي باب السجن إلى داخله، لكنهم دخلوه واتجهوا وسط حرّاسهم إلى مكتب مأمور السجن العقيد أحمد عبد الرازق آنذاك، ليمتلئ بهم المكان ومعهم ضباط «المأمورية» التابعين لترحيلات مديرية أمن حلوان، كما حضر العديد من قيادات مصلحة السجون، وفي لحظات صمت وسكون من الجميع، بدا المسؤولون السابقون الذين تحولوا سجناء لا يصدقون الأمر، وينظرون بعضهم إلى بعض في حيرة وحسرة، ظلوا يسترقون النظر لأركان الحجرة وزواياها وتفاصيلها في نظرات غير مرتبة تنم عن توتر دفين سعوا جاهدين إلى إخفائه.

بدأ مأمور السجن إجراءات تجهيز الزنازين الواحدة تلو الأخرى، وهي مجموعة زنازين انفرادية كان يشغل إحداها هشام طلعت مصطفى، رجل الأعمال المدان بالتخطيط لقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، لا تتعدى مساحة الواحدة منها 4 أمتار مربعة مع باب خارجي يغلَق عليهم في الساعة الخامسة مساء من كل يوم، وهو ميعاد الغلق العادي للسجون. وسرعان ما تم تجهيز هذه الزنازين بأسرّة عادية عبارة عن سرير فردي طوله 180 سم وعرضه 120 سم مغطى بملاءة بيضاء وبطانية صوف أميري.

بدأ الكل يضرب كفاً بكف. سبحان الله، هؤلاء كانوا ينامون بالأمس على أسرّة مغطاة بالحرير ومراتب ووسائد من ريش النعام واليوم تبدل الحال من حال إلى آخر.

وفي لحظات تم تجهيز الزنازين، وبعد أن جرى إثبات حضورهم في دفاتر «الإيراد العادي»، مثلهم مثل أي مسجون، تم تسليمهم ملابس السجناء الاحتياطيين ليقوموا بارتدائها داخل محبسهم. تبادلوا النظرات في حيرة، وبدت عليهم علامات الحزن والذهول واليأس، وكان عز أكثرهم غضباً، أو قل يأساً، وإذا بعضهم يطلب من ذويه عبر الهواتف النقالة إحضار ملابس بيضاء، لأن ملابس السجن للحبس الاحتياطي دون المستوى . لم يُظهروا أي مقاومة، بل كانوا في حال من الاستسلام التام، أقصى أمانيهم ملابس مهندمة، وبمرور الوقت بدوا غير عابئين بالمستوى المعيشي الجديد، فهم أدركوا أن ما ينتظرهم ربما أشد قسوة من العيشة في الزنازين أو ملابس السجن. توجهوا جماعة وسط الضباط والجنود إلى الزنازين الانفرادية لتزداد المعاناة النفسية لهم بعد أن طلب منهم مأمور السجن ترك تليفوناتهم المحمولة لتوضع مع أماناتهم أو تسلم لذويهم طبقاً للوائح وتعليمات السجون. ولم يبدوا أي اعتراض، بل نفّذوا ما أُمروا به، وتوجهوا جميعاً بعد إتمام إجراءات التفتيش الإداري إلى محبسهم الانفرادي، كلٌّ إلى زنزانته، لتطبق عليهم تعليمات السجون ولوائحه وتبدأ أمامهم رحلة حياة أخرى.

كان منتهى أمل أحمد عز السماح له بتحسين وضع زنزانته، بأن يقوم مثلاً، ولو على نفقته الخاصة، بإعادة تركيب سيراميك في أرضيتها وإعادة طلاء الجدران، هو طلب ذلك صراحة وعلانية من المأمور حينما وصل إلى زنزانته وعاينها، لكن طلبه رُفض طبقاً للوائح السجون، فأدرك أن لا مناص من التعامل مع الوضع الجديد كما هو بعدما فقد نفوذه وبات سجيناً عادياً.

 

العادلي متماسك ومساعدوه منهارون

> حدثنا عن أول ليلة لوزير الداخلية السابق حبيب العادلي في السجن؟

- في اليوم التالي لوصول عز والمغربي وجرانة، أي في مساء يوم 19 شباط (فبراير)، وفي تمام الساعة التاسعة مساء، توالت الأحداث، وجرى إخبارنا بأن قوة أمنية تقوم بترحيل اللواء حبيب العادلي ومساعديه إسماعيل الشاعر، مدير أمن القاهرة المُقال، وكذلك حسن عبد الرحمن، مدير أمن الدولة، وعدلي فايد، مساعد وزير الأمن العام الأول، من النيابة العامة إلى سجن المزرعة، وأنهم سيصلون في غضون ساعة إلى السجن، فتوجه قادة مصلحة السجون وعلى رأسهم اللواء عبد الجواد أحمد مساعد الوزير للقطاع، واللواء منصور الشناوي مدير الإدارة العامة لسجون المنطقة المركزية آنذاك، وآخرون إلى سجن المزرعة، وإذا بموكب سيارات الترحيلات يأتي بالحراسات اللازمة، تتقدمها سيارات النجدة وعربة مدرعات وقادة مديرية أمن حلوان من كبار الرتب، ليتوقف الركب «المهيب» أمام سجن المزرعة، وتجمعت قيادات الشرطة والضباط والأفراد حول سيارات الترحيلات، وبعد توقفها ببرهة نزل من السيارة الأولى، وهي مدرعة من مدرعات الأمن المركزي، اللواء حبيب العادلي يرتدي بدلة كاملة مع ربطة عنق، وتوجه بسرعة وبشكل مباشر ومن دون أن ينظر إلى المكان، إلى داخل السجن، وبرفقته قائد الحرس الخاص به العميد محمد باسم لطفي، وهرول بسرعة إلى مكتب المأمور المجاور للباب العمومي على يمينه تحديداً، وأعطاناً انطباعاً بأنه يعرف المكان جيداً، أو كأنه أتى كي يتفقد أحوال السجن! جلس إلى أقرب مقعد وفي جواره وقف حارسه. اللافت أن العادلي كان مبتسم الوجه واثقاً من نفسه ووضع قدماً على الأخرى وأخذ يتحدث بمجرد جلوسه في تليفونه المحمول مخاطباً محاميه بصوت حاد يلومه، ظناً منه أنه أساء التصرف أو كان ضعيفاً في اتخاذ الإجراءات الاحترازية والقانونية والإدارية التي يمكن أن تمنع حبسه، وأخذا يتبادلان أطراف الحديث، وبعدما أنهى المكالمة مع محاميه اتصل بنجله شريف مداعباً إياه بثقة واقتدار، وسمعناه يقول له: «بابا في مأمورية بعيدة وربما تطول.. خليك راجل زي ما أنا عارف إنك راجل»، وظل يشدّ أزره، ثم تحدث قليلاً إلى زوجته، وسمعناه يهمس لها طالباً المحافظة على بعض المستندات التي يمكن أن يستفيد منها في التحقيقات. ثم أغلق الهاتف واستعاد ابتسامته المتصنّعة، وبدأ ينظر إلى الحضور يرصد ردود فعلهم على وجوده معهم!

أظهر العادلي تماسكاً وسط الضباط، إلى درجة أنه أشاد بالنظام في السجن، معتبراً أن هذا الأمر أحد إنجازاته!! ولم يتخل عن عليائه، وكأنه ليس مدركا لوضعه الجديد، إلا أنه أبدى انصياعاً للتعليمات في ذات الوقت، وكأنه أراد أن يُظهر للحضور من مشاهدي واقعة سجنه عكس ما يخفيه من حسرة ظهرت تدريجياً مع تلمس حياته الجديدة.

كان مساعدوه المتهمون معه في القضية نفسها نزلوا من مدرعة ثانية مترجلين إلى داخل مكتب المأمور وهم في ذهول من الموقف وفي حالة من الإعياء الواضح، وبدوا على عكس قائدهم تماماً، إذ كانت أعينهم زائغة، وكان أكثرهم ألماً وحسرة وحزناً اللواء عدلي فايد، مساعد وزير الأمن العام الأول، جلسوا جميعاً على مقاعد متفرقة في الغرفة، وتوجه مأمور السجن إلى الزنازين لمعاينتها والتأكد من تجهيزها لتستقبل نزلاءها الجدد، وجرى نقل نزيل الزنزانة رقم 1 هشام طلعت مصطفى، إلى زنزانة أخرى أثناء وجود العادلي ومساعديه في غرفة المأمور، إذ خصصت زنزانته لإقامة العادلي، نظراً لتمتعها بدورة مياه مستقلة. فوجئ هشام طلعت بالقرار، وأبدى استياء شديداً من نقله من محبسه حيث كان أقام فيه فترة طويلة واعتاد العيش فيه، كما أن أقدميته في السجن تعطيه الحق في البقاء في هذا المكان. الحق أن الرجل كان دمث الخلق في التعامل واستجاب سريعاً وتفهم الموقف بعدما علم بأن العادلي سيحل محله، وتم نقله إلى زنزانة بديلة.

عاد المأمور إلى مكتبه مرة أخرى وتم إبلاغ النزيل الجديد حبيب العادلي بالتوجه إلى الزنزانة، وما إن بدأ في التحرك ممسكاً هواتفه المحمولة في يده، بادره المأمور منبهاً بعدم السماح بالهواتف المحمولة داخل السجن، فرد العادلي مبتسماً: «وإحنا مع التعليمات»، وسلم الهواتف للأمانات بمكتب المأمور تمهيداً لتسليمهما إلى ذويه أو حارسه الشخصي الذي كان يرافقه من لحظة دخوله السجن حتى إغلاق الزنزانة عليه. الطريف أن العميد باسم لطفي قائد حرس العادلي، بادرني بسؤال غريب ظهر منه كما لو أن هؤلاء يعيشون في واد آخر غير وزارة الداخلية، إذ قال: «سيادة اللواء، هل يوجد في السجن جاكوزي لسيادة الوزير؟»، اعتقدت في البداية أنه يمزح، لكن الموقف لم يكن يحتمل المزاح، كما أن تعبيرات وجهه أكدت أنه كان يتحدث في جدية، فهمست في أذنه قائلاً: «سيادة العميد هذا سجن وليس نادياً.. يمكن أن تحضر ملابس بيضاء يرتديها غير ملابس السجن البيضاء، أما الجاكوزي فلا مجال لإحضاره!!». اتجه العادلي مع مجموعة من قيادات السجن والقطاع إلى داخل محبسه، وما إن وصل إلى مكانه الجديد حتى زاغت نظراته . كان أول طلب له الحصول على مصحف، فاستجاب المأمور ووعده بتسليمه المصحف في غضون دقائق، وهذا ما حدث بالفعل. قلت لنفسي وقتها: «سبحان الله، لقد أصبح القرآن هو أنيسه وكلمات الله هي رفيقه»، وأغلقت عليه الزنزانة وغادرنا جميعاً المكان.

ثم عاد المأمور ونحن معه مجدداً إلى حجرته، حيث اصطحب مساعدي العادلي إلى داخل «عنبر» واحد جرى سجنهم فيه، كلٌّ له سريره وأدواته المستقلة. كانوا في طريقهم إلى العنبر وبعد وصولهم إليه يتحسسون الأرض تحت أقدامهم وكأنهم يتمنون ألاّ يصلوها... إنها قيادات طالما أمرت ونهت، تدخل السجن ويغلق عليها باب الزنزانة في انتظار أوامر ضابط صغير لنيل برهة من ترفيه أو راحة أو حتى فرشاة أسنان!

 

 

* غداً حلقة ثانية


 

في أخبار