عبدالله بشارة

يلتقي قادة التعاون في القمة السنوية على أرض الكويت في مناسبة تحمل مسؤوليات تاريخية تتعدى شكلها الاحتفالي الخارجي، وفي ظروف استثنائية تختلف عن اللائحة القديمة من التحديات، مع الأمل بأن يخرج القادة من الالتزام بقواعد الصندوق الأسود الذي تتردد محتوياته وتتكرر كل عام.
في احدى الندوات التي شاركت فيها أخيرا كانت المشورة العامة من خلال توجهات الندوة ان يتخذ القادة القرار التاريخي الذي لا يتواجد في هذا الصندوق المألوف، وأن يتحركوا مع اشتداد العواصف التي تحتاج الى تفكير من خارج الصندوق ونهج يتحدى المألوف.
وتبرز الدعوة الى الخروج عن المألوف في القرار الخليجي بعد ان تولد اليقين بأن قرارات الخليج كلها وخلال الفترة الطويلة تأتي وفق قواعد الصندوق، يعني ضمن المتوقع والمألوف والمعروف والمريح، وأنها لا تلد شيئا مثيرا يحمل المنطقة الى فضاء آخر.
ولماذا هذا الاتهام الى القوى الخليجية الرسمية بالتردد في التوقيع على القرار المطلوب بالحجم المطلوب، والرد على هذا الاستجواب الشرعي يستدعي استعراض الأوضاع الداخلية والخارجية التي تعيش وسطها دول التعاون المدعوة للتحرك وبسرعة للتعامل معها.
أول التحديات وأضغطها هي تطوير صيغة العمل في مجلس التعاون، لا نقف عند عقدة العنوان الجديد، التعاون القديم أو الاتحاد الجديد، المهم هو العمل الجماعي في جانبين مهمين ويتعلقان بالشأن الخارجي، أولهما ضرورة صوغ خطة متفق عليها للدبلوماسية الخليجية للتعامل مع كل من إيران، سورية، واليمن، وهي مناطق تفرز الصراع الطائفي وتؤجج الاستقرار الداخلي لدول الخليج، ولا ينفع الحديث عن درء هذه المخاطر بحسن النوايا وحسن الالفاظ والتعبير، وانما اتباع جوهر الدبلوماسية وهو الاحتياط للأسوأ مع ممارسة laquo;الحذر المنفتحraquo;.
تابعنا موقف الخليج من اتفاق جنيف حول إيران، ونقر بأنها خطوة ايجابية لابد ان تتواصل المفاوضات حتى تكتمل الخطة، بقبول إيران شروط وكالة الطاقة النووية، وهي الحق في التوظيف السلمي بدون امتلاك التقنية التي تريد إيران الاحتفاظ بها، لأن نظامها لن يتخلى عن السباق نحو الحصول على السلاح النووي.
مشكلة نظام إيران أنه يعيش في وهم التصفية - البارنويا Paranoia وبأنه سيتعرض الى التقويض الخارجي، ونلاحظ أصول الشطارة الإيرانية في اطلاق مشروع laquo;الاشراق والتبييض الدبلوماسي laquo;charm offensiveraquo; عبر زيارات وزير خارجية إيران لدول التعاون مع تصريحات حول جمال النوايا وفتنة الأهداف الإيرانية راغبا بالتوجه الى الرياض، واعدا بحصاد غير مسبوق.
لم ينجح مجلس التعاون في وحدة المنظور تجاه إيران وسارت كل دولة وفق قراءاتها..
وينطبق ذلك على الوضع في سورية، حيث التباين في المواقف بين الراغب بالدعم والصامت المحايد، وأثر ذلك التباين في حصيلة المعارضة التي تحتاج الى مؤازرة قوية لكي تؤثر في ميزان القوى الذي يظل لصالح نظام الأسد، ودون ذلك سيظل وضع المعارضة لا يثير الدول الكبرى التي تتجاهل الآن واقع المعارضة ومأزق الاختلافات فيها.
وغير ذلك نتحدث عن صيغة العمل الأمني الخليجي الجماعي، حيث يأتي حديث اليوم عن عجز دول التعاون عن وضع صيغة تعاونية دفاعية لها الملامح الجدية كنواة لردع خليجي جماعي، هدفها التقليل من دور العسكرية الأمريكية في تأمين الاستقرار والأمن.
يوجد اتهام صارخ بأن دول التعاون مرتاحة من الترابط مع واشنطن وأنها تفضل الالتحاق بالقاطرة الأمريكية بدلا من العمل ضمن قاطرة خليجية مستقلة.
السؤال، لماذا ترتاح الدوائر السياسية في الخليج لسياسة الاسترخاء الأمني؟ هذا السؤال اسمعه في كل تجمع فكري، ويتعمق هذا الاسترخاء في غياب مؤسسات فكرية وسياسية شعبية تضغط على أصحاب القرار، بل أبعد من ذلك صدرت اتهامات بأن هذا النهج المسترخي الرسمي والشعبي يدفع نحو تأسيس عقدة الغيبوبة الفكرية والشلل التفكيري الذي يستلقي مع اليقين بأن الأمور طيبة خالية من الاضطرابات ومضمونة الاستقرار.
ويقول الحريصون على سلامة الخليج بأن الصيغة الحالية السائبة ونهج الاسترخاء يحيل البقعة الخليجية الى الرئة الرخوة في المنطقة الاستراتيجية والحساسة للازدهار العالمي، وهي المنطقة التي تتمتع بالدلال العالمي والرغبة الكونية لمركزيتها في الأمن والاستقرار في جميع أطراف الكون.
ويعرف المتابعون للشأن الخليجي بالانجازات الكبيرة التي حققها المجلس، في تهميش قوى الايديولوجيات من أتباع الاخوان ومن أتباع البعثيين والقوميين، ونجاحه في غرس توجهات الاعتدال في عواصم كانت محصنة بالتوجهات العسرة، ولم يبق من العواصم سوى دمشق التي هي في معركة مصير ستنتهي بلا شك بانهيار النظام البعثي العائلي.
ويتساءل الآخرون عن مسببات ارتياح المجلس من الاحتفاظ بضوابط الوضع الراهن الذي لا يتبدل سوى عند الضرورات، ولماذا يفضل أصحاب القرار الخليجي الجلوس في آخر عربات قطار التغيير، بدلا من الاشتراك في قيادته.
طبعا المقصود في هذا المنحى هو الوضع الداخلي الذي يراه المراقبون جامدا وغير متجدد، والذي يبدأ دائما بعطائه القليل الذي لا يتفق مع التوقعات، الجميع يريد التطوير الداخلي ليس محصورا في توزيع العلاوات والاغداق الرسمي وانما أكثر من ذلك في سحب النوافذ لانفتاح أكبر من أجل الاستماع الى صوت الشباب في طموحاته السياسية والاجتماعية وضرورة وصول هذا الصوت الى القيادات العليا وترجمته في قرارات الدولة، ومن ضمنها توسيع دائرة التعبير الاعلامي والصحافي والمشاركة في القرار المصيري.
ألاحظ شخصيا أن الاحصائيات حول السكان وحجم الفساد وكشف الجرائم تأتي من الصحافة الكويتية ليس لأن الكويت أكثر فسادا من الآخرين وانما حرية الصحافة فيها هي العامل الجوهري في ملاحقة المشاكل وتعريتها وتنظيم المناظرات عنها.
ليس الكويت وحدها هي التي تستقر فيها قضايا البدون والمخدرات وأزمة السكان والبطالة وانما هذه آفات تتواجد وبكثرة في جميع دول منطقة التعاون، وقد شعرت في بعض الندوات بأن غياب الشفافية في بعض الدول الخليجية يفرز المزيد من الجهل بالواقع ويعمي البصر عن حقائق مزعجة ومدمرة.
وماذا عن الخريطة الطائفية الممتدة من باكستان مرورا بإيران والعراق والشام نزولا عند اليمن وتجاه سواحل الخليج؟ وكيف التعامل معها بدون تحقيق شروط المواطنة على المسارات الاجتماعية كلها والتميز وفق الكفاءة والكف عن التعبئة الطائفية والقبلية بالدفع تجاه مفهوم الوطن المتجدد والمستنير وسيادة القانون وقاعدة المساواة.
من حسن حظ قادة الخليج الذين يلتقون غدا في الكويت، وهم يرون نجاح المجلس في تجاوز تهديدات الماضي من ابتزازات أيديولوجية بعثية وحروب إيرانية ndash; عراقية، وسقوط لحسابات سياسية راديكالية تركت وراءها هزائم وافلاسات، وعندما ينظر القادة الى المشهد الاقليمي سيشاهدون التطور الخليجي المؤثر ليس فقط في دعم ميزانيات وانما في رسم سياسات جديدة في دول عربية أخرى تتبنى الآن سياسات لها ملامح خليجية.
لكن ذلك لا يعفي أحدا منهم من تجاهل لائحة المطلوبات التي لابد ان تؤسس لها دول التعاون في الانفتاح الداخلي وفي الشفافية وفي المحاسبات، وحكم القانون..وغير ذلك، بالاضافة الى المصداقية الدفاعية الجماعية التي تنفرد باستقلالية عن القاطرة الأمريكية.
أسندت دول الخليج الكثير من همومها الى مكاتب استشارات لاعداد نسخ مدروسة عن واقعها، واستفاد من ذلك التقليد رئيس الوزراء البريطاني السابق المستر بلير، بينما الواقع الخليجي لا يحتاج الى كراسات مسح حول حقائق المعاناة، وانما الى القرار السياسي المفقود، وهو الوصفة المطلوبة في هذه المرحلة.
هناك دراسات كثيرة وتحليلات مميزة، فالأمور معروفة ومن الاجماع الذي يتولد من جميع المنتديات والمناظرات في المنطقة وخارجها ان دول المجلس تخاف القرار السياسي الثقيل وتتردد في اتخاذه وتهاب المجهول المخفي وراءه، وترتاح للموجود الذي لا يزعج.
المشكلة في هذه القناعات مع اننا في زمن الضرورات الذي يحتاج الى حكم الواثقين وقيادة العارفين.
كل ذلك يأتي من القرار الخليجي المتوقع والهائل ومن تصميم سياسي لا يتواجد في الصندوق الاعتيادي الأسود