بدر العامر

حالة "الفوضى" التي تراد في المنطقة لا تستثني أي دولة، فالسعودية مستهدفة من أطراف عدة، سواء من إيران أو الغرب أو إسرائيل؛ لأنهم كلهم يرون فيها الدولة القوية التي ماتزال متماسكة أمام مشروع تطييف المنطقة

&


النظرة التجزيئية للأحداث، ودراسة الأوضاع الخاصة كل على حدة بعيدا عن "الاستراتيجية" العامة للقوى الكبرى، لن يجعلنا نفهم الأحداث بشكل جيد، الأمر الذي يغيب النظرة الصحيحة للتعامل معها ورسم الخطط لمواجهتها.
هناك قواسم وقواعد عامة في الأحداث تحددها الدراسات التي تعتني بصراع القوى العالمي، وهي كليات ثابتة تتغير تكتيكاتها القصيرة ولكنها في النهاية تصب في الخطة النهائية التي رسمت معالمها عبر تفاوضات طويلة لرسم خارطة المنطقة التي نعيش فيها، ومن هذه الاستراتيجيات العامة الحلف: "الصفوي/ الصهيوني" الذي يظهر العداء الظاهري ويبطن الترتيب والتقاسم الباطني، وكل مشروعاته تصب في مصالحه الخاصة، التي توالت منذ حرب أفغانستان الثانية، مرورا بغزو العراق إلى أحداث الثورات العربية.


إن الغرب يدرك أن "إيران" معادلة صعبة في المنطقة، فهي دولة تاريخية كبيرة، ولها جيش واستخبارات ضخمة، ولديها مشروع توسعي أيديولوجي مهدوي، وفي نفس الوقت يرى أن مصالحه في الحلف معها كبيرة، ويشعر أنها أقرب إلى روحه وتوسعه من السنة الذين لا يملكون مشروعا ولا وحدة، وأن إيران لا تملك مشروعا مناهضا للغرب ولا لإسرائيل إلا شعارات جوفاء لا حقيقة لها، وأنه يستطيع أن يتعاطى مع إيران والشيعة على سبيل التحديد من خلال مرجعيات موحدة، أكثر من تعامله مع السنة الذين تختلف مرجعياتهم وقراراتهم، ولم يستطيعوا أن يتوحدوا ويحققوا مصالحهم الخاصة، فما بالك بالمصالح الكبرى مع الغرب.


هذا الشعور هو الذي أدى إلى ترشيح "إيران" كحليف استراتيجي في المنطقة، وهو الذي جعل إيران تتعاون بشكل جيد مع أميركا في غزو بلدين سنيين، العراق وأفغانستان، حتى صرح كولن باول بأنه لولا دعم إيران لم نستطع السيطرة على أفغانستان، وكذا التسهيلات التي تلقتها أميركا من إيران في حربها ضد صدام حسين، ونقل جنودها إلى الشمال وغيرها من الدعم اللوجستي، الذي أسهمت فيه إيران خدمة لاحتلال العراق، ومن ثم تسريح في العراق وأخذه لقمة سائغة. إن إيران لن تسمح للغرب بالاستحواذ على اللقمة كلها في المنطقة، فهي تساومه على حصة مقبولة في مقابل التعاون معه في رسم الخارطة الجديدة، ولذلك سمح لها الغرب في التدخل في اليمن، ولبنان، والعراق، واختلفوا في سورية التي تريد أن تتقاسمها معهم حتى يكتمل الهلال الإيراني الذي يطوق الدول السنية ودول الخليج من أقصى بحر العرب مرورا بلبنان وسورية والعراق حتى يصل إلى طهران.


لقد عملت إيران على وجود الأقليات الشيعية في المناطق المستهدفة، وأغرتهم بالدعم والمال في سبيل تنفيذ خططها في المنطقة، ووجدت في "الحوثيين" في اليمن القبول التام، واستطاعت أن تنقلهم من الزيدية الجارودية إلى الإمامية الاثني عشرية؛ حتى يكونوا أكثر اتساقا وتعاونا مع مشروعها في المنطقة، وكانت طريقتها في التوسع والنفوذ تشبه كثيرا طريقة إسرائيل، فهي استحكمت على بعض الجزر القريبة من اليمن، وحولتها لأماكن دعم وتدريب، ورسمت الخطط التي استطاع الحوثيون أن يسيطروا على مناطق شاسعة من اليمن حتى سيطروا. تم لهم محاصرة صنعاء وربما سقوطها في أيديهم الأيام القادمة، وهذا يعني تحول اليمن الذي يعد بعدا تاريخيا واستراتيجيا للدول العربية إلى محافظة إيرانية في خاصرة السعودية ودول الخليج، وقد حركت جيوبها وأتباعها هناك حتى تساوم الغرب وحلفاءه في خططهم الرامية إلى القضاء على "داعش" واستهداف النظام السوري بالضغط تجاه اليمن، وإرباك المشهد حتى يتحقق لها القوة في التفاوض وتحقيق المزيد من المكاسب الجغرافية والسياسية.


إن حالة "الفوضى" التي تراد في المنطقة لا تستثني أي دولة، فالسعودية مستهدفة من أطراف عدة، سواء إيران أم الغرب أم إسرائيل؛ لأنهم كلهم يرون فيها الدولة القوية التي ماتزال متماسكة في مقابل المشروع الذي يستهدف تطييف المنطقة وتقسيمها وشرذمتها حتى تتفرد اسرائيل وإيران في المنطقة، وتتقاسم مع الغرب المصالح والثروات وتحويل الدول العربية السنية إلى خدم يدورون في فلك سياستهم ومخططاتهم، ولذلك خلقت في العراق وسورية واليمن ولبنان العملاء والحركات القتالية الغالية التي تكون مبررا لتسريح أيدي القوى في تشكيل المنطقة بما يحقق قمع السنة والقضاء على أي عامل نهضوي، وتدمير الجيوش التي يمكن أن تهدد إسرائيل في أي يوم من الأيام، ومن دلالة هذا الحلف والتعاون، ما حصل أثناء حياة الخميني وفي قمة الغلواء الإيرانية تجاه الغرب، بما يسمى بفضيحة "طهران جيت" التي أظهرت التعاون الاستراتيجي الاقتصادي والعسكري بين إسرائيل وإيران، وماتزال هذه العلاقات قائمة إلى اليوم، إذ كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية في 2010 عن صفقة من 13 ناقلة نفط رست في المرافئ الإيرانية خلال السنوات العشر التي يفرض فيه الغرب عقوبة على إيران، وفي نفس الوقت كانت إسرائيل في ذلك الزمن تدعو الغرب إلى توجيه ضربات للنووي الإيراني، مما يؤكد أن للسياسة ظاهر وباطن، وأن إسرائيل تحارب إيران بالعلن وتتعاون معها في السر، وأن التصريحات العلنية ما هي إلا للتضليل وتوجيه الأنظار إلى غير الوجهة الصحيحة، وأن الشعور بالتوافق بين الدولتين ظاهر، ولذلك لم تتعرض لا إسرائيل ولا إيران لأي تهديد واقعي أو محتمل من "داعش" التي لم تسلم منها الدول السنية، خاصة السعودية.


إن الاستحكام الحوثي على اليمن، أو أنه أصبح معادلة صعبة في الواقع اليمني يعني تمدد إيران في منطقة مهمة بالنسبة للسعودية، ويعني تهديدا مباشرا لمصالحنا ولأمننا واستقرارنا. إنهم سيشكلون بلا شك حالة من الإرباك والقلق في الجنوب، مع تزامن تهديدات "داعش" التي يراد لها أن تسرح على حدودنا الشمالية، مما يعني دخولنا في حالة من الاستنزاف والإرباك، مع وجود حوثيين وداعشيين في الداخل ينتظرون ساعة الصفر لخلق الفوضى في بلادنا وإدخالها في فتنة محتملة، الأمر الذي يتطلب منا اليقظة والاستعداد، وبناء اللحمة الداخلية في مواجهة العاديات، والعمل على خلق خطط مضادة من خلال دعم الجانب السني في اليمن، وإحداث حالة من التوازن السياسي في اليمن، والحذر من أن نستجر في حرب استنزاف في العراق وسورية مع جماعات وعصابات معدة لأهداف محددة، فمفهوم "الجيل الرابع للحروب" يجري على قدم وساق، والنظرية السياسية تطبق بحذافيرها في الواقع، وبث الوعي سبيل لتهيئة الشعور العام بالمواجهة للحرب التي تستهدفنا وأمننا وبلادنا، وقانا الله الفتن والشرور.
&