سمير عطا الله

لم يعطِ زعيم عربي الصحافة من الاهتمام ما أعطاها الملك سلمان بن عبد العزيز. كان يتابع اتجاهاتها وكتّابها وأوضاعها، أولا، كرجل دولة معني بتأثير الإعلام، وثانيا، كرجل ثقافة شغوف بكافة المعارف. وفتح أبوابه أمام عدد من كتّاب مصر وفلسطين ولبنان. وكان يصل أحدهم بعد عام على صدور مقال معين له، فيجد الملك سلمان يحدثه عنه، استحسانا أو نقاشا. ورأى في تطوُّر الإعلام السعودي مرآة لتطوُّر جميع المكونات الوطنية.


عامل الصحافة السعودية في الداخل والخارج كأنها صحيفته. لم يتدخل في شؤون أحد، لكنه لم يهمل شأن أحد. وكان صحافيون عرب مثل مصطفى وعلي أمين، وغسان تويني، وأحمد بهاء الدين، وأنيس منصور يرون في مجالسته وأحاديثه إضاءات على جميع الوضع العربي، وليس فقط على أوضاع المملكة والخليج.


بدأ التطور التقني والمهني في الإعلام السعودي عهد الملك فهد. واتسعت آفاق حريّته عهد الملك عبد الله. ويتطلع كل صحافي سعودي أو عربي، إلى مرحلة جديدة مع الملك سلمان، الذي وضع أدق المقاييس ما بين الحرية والمسؤولية. ذهبت إليه مرة أتوسط في شأن صحيفة لبنانية مُنعت من دخول المملكة، فقال: إن كل من رمى في صندوق الصحيفة بيانا ضد المملكة يُنشر على الفور. قلت: الدنيا حرب في لبنان، وللجريدة ظروفها. قال: «ونحن دولة ولنا ظروفنا». لكن بعد أسبوع سمح للصحيفة بالتوزيع.


لم يعتبر أن صحيفة ما لا تستحق الاهتمام، مهما كانت صغيرة أو بعيدة. حملت صحيفة عربية مؤقتة تصدر في إسبانيا على المملكة، ثم جاء صاحبها يطلب مقابلته. فقال له: «نحن نعرف أنه لولا حاجة بك، لما حملت علينا. سوف نفعل ما نستطيع. لكن أرجوك ألاَّ تمدحنا، لأن ذلك سيؤثر في مصداقيتك وكرامتك. والكرامة أغلى من أي ثمن».


كان يتابع باهتمام أكثر صحف الخليج، وخصوصا خلال فورة المدائح لصدام حسين. وسمعته مرة يقول: «الغلو في الصحافة مثل الغلو في أي شيء آخر. وفي كل أمر، خصوصا في الصحافة، على المرء أن يدرس جيدا خط الذهاب وخط العودة. بعض الصحف سوف يصاب بخيبة كبرى عندما يبحث عن طريق العودة».


لم يكن يخفي تحفظه على بعض المعارضة في الخليج: «عندما تعيق المعارضة مسيرة الدول يجب أن تعي، هي نفسها، مدى الضرر الوطني. وتقويم عمل الحكومات لا يعني إعاقته أو هدره». لم يدرك مسؤول عربي كما أدرك مدى تأثير الإعلام في النفوس، ولطالما كتب في «الشرق الأوسط» ردا على مقال رأى فيه افتراء على الهم القومي، متواضعا خلف اسم مستعار، مُصرا على نشر كلمته في زاوية البريد، مُعطيا درسا إضافيا في الكِبَر والتواضع والحرص.