عبدالعزيز العويشق

القبائل والمناطق التي ترفض التمدد الحوثي قد تقبل بدعم "القاعدة" لإيقاف التوسع الحوثي، ومتى تعمق هذا التحالف القبلي مع المنظمات الإرهابية فإن محاربة إرهابها ستكون أكثر صعوبة

&


يبدو اليمن هذه الأيام مرشحا لتكرار تجربة سورية ما لم يكن هناك تحرك سريع لوقف تدهور الوضع اليمني. فالحوثيون، وهم يمثلون أقلية داخل أقلية، قد اختطفوا العملية السياسية وفرضوا إرادتهم باستخدام القوة. ونتيجة لذلك، تسعى منظمة القاعدة إلى التحالف مع المناطق والقبائل المهددة بالاجتياح الحوثي، مما سيجعل محاربة القاعدة مهمة أكثر صعوبة في المستقبل. وبالإضافة إلى زعزعة استقرار اليمن وتدمير اقتصاده ونسيجه الاجتماعي، فإن تصرفات الحوثيين أصبحت تهدد الأمن الإقليمي والتجارة الدولية.


ويشكل التدهور السريع في اليمن أحد أهم الملفات الخطيرة أمام القيادة السعودية الجديدة، ومجلس التعاون الذي كان لمبادرته أثر كبير في حقن الدماء وتحقيق التوافق بين الإخوة اليمنيين.
في 21 سبتمبر 2014 هاجم الحوثيون العاصمة صنعاء، وفرضوا على الحكومة "اتفاق السلم والشراكة الوطنية" الذي يعطيهم حق الفيتو على القرارات الرئيسية. وتدريجيا هاجموا على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، واستولوا على محتوياتها ووثائقها وغيروا قياداتها.


وفي 19 يناير 2015 هاجم الحوثيون قصر الرئاسة واحتجزوا الرئيس عبدربه منصور هادي الذي ما زال رهن الاعتقال، وهاجموا بالرصاص موكب رئيس الوزراء خالد بحاح ثم احتجزوه وعددا من وزرائه أيضا. واختطفوا واعتقلوا وعنفوا مسؤولين آخرين وصحفيين، واغتالوا بعض القيادات السياسية البارزة.


وخلال الأسبوع المنصرم خطا الحوثيون خطوات أخرى لتشديد قبضتهم على مفاصل الدولة وإعطاء الانقلاب صفة زائفة من الشرعية. قرأوا على التلفزيون الرسمي الذي احتلوه سابقا ما سمّوه بـ"الإعلان الدستوري"، معلنين عزل هادي وبحاح وحل البرلمان، وتشكيل مجلس رئاسي وبرلمان بديل. وتحت قناع ما يسمونه بـ"الحوار"، يقومون بالضغط على التجمعات السياسية الأخرى لقبول الأمر الواقع.


وكانت ردود المجتمع الدولي سريعة، حيث أصدر مجلس الأمن بيانا يدين الانقلاب، كما أدانه الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون". فخلال زيارته للمملكة العربية السعودية يوم 8 فبراير 2015 التي قابل فيها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز والمسؤولين السعوديين، بالإضافة إلى الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، قال مون إن الوضع في اليمن كان الموضوع الرئيس للمحادثات، وإنه من الضروري أن يتم التعامل مع الوضع هناك وفق مقررات مجلس الأمن والمبادرة الخليجية. وعبر عن قلقه بأن "الوضع هناك يتدهور بشكل خطير جدا جدا، باستيلاء الحوثيين على السلطة وخلق فراغ سياسي". وقال مون "يجب إعادة السلطة الشرعية للرئيس هادي"، مضيفا "إنني قلق بأن الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح مستمرون في إفشال العملية الانتقالية".


وانطلاقا من هذا التقييم، أغلقت معظم الدول الكبرى سفاراتها في صنعاء وبدأت في إخلاء ما تبقى من رعاياها.
&

مجلس التعاون الخليجي، الذي تعتبر مبادرته الوثيقة الرئيسية التي وافق عليها اليمنيون وأقرها مجلس الأمن لإدارة عملية الانتقال السلمي للسلطة، فقد سارع بإدانة الإجراءات الحوثية التي اعتبرها في بيانه بتاريخ 7 فبراير "انقلابا على الشرعية" لتعارضها مع القرارات الدولية المتعلقة باليمن، والمبادرة الخليجية التي تبناها مجلس الأمن، ومخرجات الحوار الوطني من حلول سياسية "تم التوصل إليها عبر التوافق الشامل بين القوى السياسية ومكونات المجتمع اليمني وتم تأييدها دوليا"، بل إن ما سماه الحوثيون بـ"الإعلان الدستوري" يعتبر "نسفا كاملا للعملية السياسية السلمية التي شاركت فيها كل القوى السياسية اليمنية، واستخفافا بكل الجهود الوطنية والإقليمية والدولية التي سعت مخلصة إلى الحفاظ على أمن اليمن واستقراره ووحدته، وتحقيق تطلعات الشعب اليمني".


ويبدو أن إخراج الانتقال السلمي للسلطة عن مساره الطبيعي المتفق عليه هو الهدف المباشر للانقلاب الحوثي. ففي عام 2014 اختتم مؤتمر الحوار الوطني اجتماعات استمرت عشرة أشهر تم خلالها مناقشة القضايا كافة، واتفق اليمنيون - بمن فيهم الحوثيون - على خطة تفصيلية - وفق برنامج زمني محدد - لاستعادة الاستقرار السياسي إلى اليمن، من خلال إقرار دستور جديد وانتخابات رئاسية ونيابية جديدة.


ولكن حالما اختتم المؤتمر اجتماعاته، بدأ الحوثيون في مسيرتهم لفرض إرادتهم بالقوة على بقية المكونات اليمنية، وحينما تم إعداد مسودة الدستور حاولوا تغييرها بالقوة، وعندما فشلوا رتبوا لانقلابهم على الشرعية.
وينذر هذا الانقلاب بانهيار النظام اليمني وتداعيات إقليمية ودولية خطيرة. ففي اليمن نفسها سيكون التشرذم والاصطفاف على أسس طائفية وقبلية ومناطقية نتيجة حتمية للانقلاب. فالحوثيون لا يشكلون سوى أقلية ضمن المجتمع الزيدي الذي تميز سابقا بالتعددية والتسامح والتعايش مع المذاهب الأخرى. أما الحوثيون فيشكلون جناحا في هذا المجتمع يدعو إلى الأصولية وتعميق الفروق المذهبية، ويسعى إلى إعادة نظام "الإمامة" في اليمن، ويؤمن بالطبقية. ولا يتفق معهم سوى نسبة محدودة من المجتمع الزيدي. ولا توجد أرقام دقيقة عن التوزيع المذهبي في اليمن، ولكن من المعتقد أن من يتبعون المذهب الزيدي يشكلون نحو ثلث سكان اليمن، أما الأصوليون الحوثيون فلا يشكلون أكثر من (10) بالمئة من السكان.


ولهذا فإن الأغلبية الساحقة من سكان اليمن لا يشاطرون الحوثيين معتقداتهم ولا برنامجهم السياسي أو الاجتماعي، ولذلك فإن محاولات الحوثيين على التمدد بالقوة خارج مناطق نفوذهم السابقة قد أدى إلى مزيد من سفك الدماء وتقسيم اليمن وتشرذمه. وكما رأينا في العراق وسورية فإن القبائل والمناطق التي ترفض هذا التمدد قد تقبل بدعم المنظمات الإرهابية لإيقاف التوسع الحوثي، حيث تعتبر القاعدة أخطر التنظيمات الإرهابية بعد الحوثيين.
ومتى تعمق هذا التحالف القبلي مع "القاعدة" فإن محاربة إرهابها سيكون أكثر صعوبة.


وسيكون لأحداث اليمن تداعيات إقليمية ودولية عديدة. فثمة تقارير متواترة عن محاولات الحوثيين الاستيلاء على جزر في البحر الأحمر مطلة على باب المندب، وذلك بعد استيلائهم على ميناء الحديدة المهم، مما سيهدد طرق التجارة الدولية والإقليمية ويخلق بيئة مواتية لانتشار القرصنة والتهريب والتسلل والاتجار بالبشر، وكلها تهدد مصالح الجوار الخليجي والعربي والأفريقي.


ولذلك فإن التحرك الدولي والإقليمي السريع أصبح ضرورة ملحة لمساعدة اليمنيين على استعادة حكومتهم الشرعية واستئناف مسيرة الانتقال السلمي للسلطة. وعلى وجه الخصوص فإن ثمة ضرورة لاتخاذ مجلس الأمن قرارا حاسما - تحت الفصل السابع - لإدانة الانقلاب وفرض عقوبات جدية على مدبّريه.
&