الياس حرفوش

كان يمكن لـ «العدالة والتنمية» التركي أن يكون نموذجاً صالحاً للتصدير إلى المنطقة العربية وإلى العالم الإسلامي. فهذا حزب إسلامي جاء إلى الحكم على أنقاض حكومات عسكرية متعاقبة تميّزت بقمع الحريات ومنع الأحزاب واحتكار الهوية التركية، بصفتها هوية علمانية، في تجاهل مبالغ فيه لانتماء تركيا وللقناعات الدينية لأكثرية شعبها. كان يفترض في «العدالة والتنمية» ان يكون نقيضاً لكل ذلك. وهو، على كل حال، ما حدا بكثيرين، في تركيا وخارجها، من اسلاميين وعلمانيين وما بين الإثنين، الى الرهان على تجربة الزواج هذه بين اسلامية الحزب وديموقراطية النظام واحترامه مبادىء التعددية والحريات، التي باتت اليوم في أساس اي نهضة سياسية وحتى اقتصادية، اذا كان لها أن تقوم على قواعد ثابتة.

&

غير ان إمعان أردوغان في الهيمنة والتسلط، ومحاولته استعادة الماضي العثماني كان لا بد أن يثيرا حساسيات سياسية داخل تركيا وخارجها، أولاً من جانب معارضي تلك الهيمنة وأولئك الذين يرون أن تركيا الحديثة تجاوزت الماضي ولا داعي أو فائدة من نبشه من جديد. وثانياً من جانب دول المنطقة التي عانت في ظل الحكم العثماني وقاومته حفاظاً على هويتها العربية، وما كان أردوغان في حاجة إلى إحياء تلك الذكريات التعيسة، خصوصاً أن حزبه كان سباقاً إلى إعلان سياسة «صفر مشاكل» في تعاطيه مع الجيران.

&

لقد كتب علينا في هذه المنطقة أن نقع دائماً ضحية أحلامنا. فقد خسرنا الرهان على الأحزاب القومية، وعلى الثورات الشعبية، وعلى الزعامات التي كانت توصف بأنها «تاريخية». ومن ثورة إيران إلى «ثورة» أردوغان، إلى «ربيع» العرب، انهارت كل دعوات الإصلاح والانتقال إلى ظروف أفضل، وتحوّلت هذه الدعوات إلى غطاء شفّاف لعودة القمع واحتكار السلطة وحشد السجون بالمعتقلين من أصحاب الرأي المعارض، لإفساح الطريق أمام القائد الأوحد، الذي لا خلاص للبلد والأمة من دون قيادته الحكيمة!

&

لم يشذّ رجب طيب أردوغان عن هذا الطريق. والمعركة التي تجري اليوم في تركيا ليست فقط لكسب مقاعد نيابية، بقدر ما هي معركة لتحديد الدور الذي يريد أردوغان أن يلعبه من خلال توليه الرئاسة. فبعد نجاحه لثلاث دورات متعاقبة في تحقيق أكثرية مريحة لحزبه، ها هو اليوم يغرق تحت وهج السلطة وشهواتها وإغراءاتها. إذ كيف لتركيا أن تعيش وتتقدم إذا لم يكن أردوغان في مقعد القيادة، لا يشاركه أحد ولا يعارضه أحد؟ هكذا أصبح الرجل الذي جاء في الأساس إلى الحكم بحجة مواجهة قمع العسكر واستعادة السلطة إلى أيدي المدنيين، يتحكم اليوم بمقدرات الحكم بطريقة تستخف بكل القواعد الدستورية، وفي مقدمتها حياد رئيس الدولة وحفاظه على موقع الحَكَم في الصراع السياسي والحزبي. لا وزن لكل هذا في قاموس أردوغان، ومن تابع الحملات الانتخابية في مختلف المدن والمناطق التركية كان من الطبيعي ان يشعر أن اردوغان هو الذي يخوض المعركة شخصياً وليس حزبه ... وكيف لا يفعل ومصير تركيا بات معلقاً بين يديه!

&

سوف تحدد نتائج هذه الانتخابات اذا كانت الأحزاب والقيادات التركية لا تزال قادرة على الوقوف في وجه زحف اردوغان الذي بدأ قبل 15 سنة وقاده خطوة خطوة الى الإمساك بالمفاصل الأساسية في أجهزة الدولة. ذلك ان هوية تركيا وأسلوب الحكم فيها سيتغيران في شكل جذري اذا اتيح لأردوغان ان يكسب الغالبية التي يطمح إليها لتعديل الدستور وتحويل النظام الى نظام رئاسي يتحكم فيه بكل الصلاحيات.

&

غير ان ما يمكن قوله، وبصرف النظر عن النتيجة، هو ان اسلوب أردوغان في الحكم لم يعد بضاعة صالحة للتصدير، لا الى منطقتنا ولا الى اي مكان. فعندنا من هذا الأسلوب ما يكفينا من دون حاجة إلى نماذج جديدة.
&