عبدالعزيز العويشق

تغير أسلوب تعامل الإدارة الأميركية مع دول مجلس التعاون بعد وصول أوباما إلى الرئاسة رغبة في رفع وتيرة المشاورات حول القضايا الإقليمية، والاستثمار ومحاربة الإرهاب

&


لم يمض شهر على القمة التي عقدت بين قادة مجلس التعاون والرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن وكامب ديفيد يومي 13 و14 مايو 2015، حتى عقد المسؤولون الأميركيون والخليجيون اجتماعا موسعا لإقرار آليات لتنفيذ مخرجات ذلك الاجتماع التاريخي. ضم الاجتماع الذي عُقد يومي الثلاثاء والأربعاء (9-10 يونيو 2015) في مقر الأمانة العامة لمجلس التعاون بالرياض، أكثر من مئة مسؤول وخبير من الجانبين.


تم الإعلان في كامب ديفيد عن ولادة "الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون والولايات المتحدة" وهو تطور نوعي في علاقة الولايات المتحدة بالمجلس حدث تدريجيا منذ تولي الرئيس باراك أوباما في يناير 2009. فكما نذكر، استهلّ أوباما عهده بخطابه المشهور الذي اقترح فيه بداية عهد جديد من التفاهم المشترك والتعاون بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، بعد سنين من الخصومة بعد أحداث 11 سبتمبر والخطاب الأميركي السلبي في عهد الرئيس جورج دبليو بوش حين كان "المحافظون الجدد" يحددون معالم ذلك الخطاب.


من المؤسف أن خطاب أوباما في 2009 لم تتبعه خطوات عملية ملموسة لتحسين علاقات أميركا بالدول الإسلامية، فما زالت صورة الولايات المتحدة سلبية في غالبية تلك الدول، وما زالت الشكوك والاتهامات تسيطر، حتى في الدول التي تُعتبر حليفة للولايات المتحدة مثل أفغانستان وباكستان وغيرهما.


بالمقابل، يمكن القول إن هناك نقلة نوعية في علاقات أميركا مع منظومة مجلس التعاون، على مستوى السياسات والخطوات العملية. ولا نتحدث هنا عن العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون منفردة، بل عن علاقتها بمجلس التعاون كمنظومة إقليمية. فخلال عهد الرؤساء السابقين، خاصة عهد بوش الابن (2001-2009)، تفادت الولايات المتحدة التعامل مع دول المجلس كمنظومة واحدة، باستثناء اجتماعات دبلوماسية لتبادل وجهات النظر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وباستثناء التشاور والتنسيق حول بعض القضايا التي تهم الجانبين، مثل غسل الأموال.


ولم يكن تعامل أميركا مع مجلس التعاون فريدا من نوعه، فالولايات المتحدة فضلت تاريخيا التعامل مع دول الاتحاد الأوروبي منفردة، مثلا، وتجنبت التعامل مع الاتحاد سنوات طويلة، إلى أن أدركت أن مصلحتها التعامل مع المنظومة الأوروبية في القضايا التي تدخل تحت اختصاص الاتحاد الأوروبي.


وفيما يتعلق بمجلس التعاون تغير أسلوب تعامل الإدارة الأميركية بعد وصول أوباما إلى الرئاسة، إذ بادر الجانب الأميركي بالتواصل مع المجلس، مبديا رغبته في رفع وتيرة المشاورات حول القضايا الإقليمية، والتجارة والاستثمار، ومحاربة الإرهاب، وغيرها. وبعد مشاورات استمرت عدة سنوات، تم الإعلان عن تأسيس "منتدى التعاون الاستراتيجي" في اجتماع لوزراء الخارجية في مقر الأمانة العامة لمجلس التعاون في 31 مارس 2012.
كانت هناك عوامل عدة تفسر ذلك التحول في السياسة الأميركية، ربما كان من أهمها:
أولاً: إدراك الولايات المتحدة وتقديرها لدرجة التكامل الداخلي في مجلس التعاون من جهة، وبدوره المتنامي في قضايا المنطقة، على سبيل المثال في اليمن وليبيا وسورية، وقدرته على التحرك السريع لمواجهة التحديات المختلفة.
ثانيا: حاجة الولايات المتحدة، والعالم، للاستجابة للتهديدات التي تواجه أمن منطقة الخليج، وأهمها التهديد الإيراني وتهديد الإرهاب، خاصة أن دول المجلس أصبحت واحة فريدة من الاستقرار والازدهار في المنطقة.


ثالثا: العامل الاقتصادي الناتج عن التغير في موازين القوى الاقتصادية بعد الأزمة المالية العالمية، حيث تجاوز الاقتصاد الخليجي الأزمة دون أن يتأثر كثيرا بها، مقارنةً ببقية دول العالم. ففي حين أن الاقتصاد الأميركي، والاقتصاد العالمي بشكل عام، انكمشا خلال الأزمة، حافظت دول المجلس على معدلات نمو إيجابي لا بأس بها. بل إن الاقتصاد الخليجي تضاعف خلال السنوات القليلة الماضية، وتجاوز الحجم الإجمالي لاقتصاد دول المجلس (1.7) تريليون دولار العام الماضي، ومن المتوقع أن يتضاعف مرة أخرى خلال العقد القادم. ويشكل هذا الاقتصاد قوة شرائية ضخمة للسلع الأميركية سواء منها العسكرية أو المدنية.


رابعا: عامل الطاقة، فدول المجلس ما زالت الدول الفاعلة الرئيسية في إنتاج النفط واحتياطياته، كما أنها من أهم الدول المنتجة للغاز. ومع تناقص استيراد الولايات المتحدة للنفط الخليجي، إلا أن استقرار أسواق النفط من حيث الكميات والأسعار يشكل عاملا مهما في نمو الاقتصاد العالمي وبالتالي الاقتصاد الأميركي، على الرغم من انخفاض مستويات الاستيراد المباشر للنفط الخليجي.


بعد ثلاث سنوات من تأسيس منتدى التعاون الاستراتيجي، وبناء على ما حققه من نتائج، اتفق الجانبان على ترقية علاقاتهما إلى "شراكة إستراتيجية" كما وضحها إعلان كامب ديفيد الشهر الماضي.


وتقوم هذه العلاقة الاستراتيجية على أربع ركائز رئيسية، هي العمل المشترك للتعامل مع التحديات التي تواجه دول المجلس، وتحقيق الاستقرار والأمن في دول الجوار، وزيادة الرخاء الاقتصادي لمواطني الجانبين من خلال رفع مستويات التبادل التجاري والاستثمار ونقل التقنية وتبادل الخبرات، وتعزيز التواصل بين الشعوب عن طريق تقوية قنوات التبادل الثقافي والتعليمي.


وقد وضع اجتماع كبار المسؤولين في الرياض هذا الأسبوع خارطة طريق للعمل لتحقيق أهداف الشراكة الاستراتيجية الوليدة، بهدف عرض نتائج ملموسة على لقاء القيادتين الخليجية والأميركية في عام 2016، كما أُعلن عنه في كامب ديفيد.


في المجال الاقتصادي، على سبيل المثال، سيُعقد اجتماع موسع للمسؤولين في دول المجلس والولايات المتحدة في الدوحة يومي 15-16 يونيو 2015، هو الثالث من نوعه منذ عام 2013، لتطوير وسائل التعاون والتنسيق في سبيل تسهيل التبادل التجاري والاستثماري، وتبادل الخبرات في المجالات الاقتصادية. ويُعقد على هامشه لقاء لممثلي القطاع الخاص الخليجيين والأميركان.
&