&مالك التريكي

&

&

&

&
عند المواجهة بين السياسة والإعلام، ننحاز في جميع الحالات تقريبا للإعلام من منطلق انحيازنا المبدئي للحريات، مع الوعي التام بما يمكن أن تنطوي عليه ممارسة الحرية من احتمالات الخطأ، بل والخطر. إلا أن الخلاف بين الحكومة البريطانية والبي بي سي حول أنسب تسمية لتنظيم داعش يضعنا أمام حالة نادرة يتعذر فيها مساندة الطرف الإعلامي. ذلك أن رئيس الوزراء ديفيد كامرون محقّ في مطالبته البي بي سي بالكف عن إطلاق اسم «الدولة الإسلامية» على عصابات الإجرام الخوارجي الهمجي، ومحقّ في قوله إن استخدام هذا الإسم يمنح مصداقية، بدون وجه حق، لـ»فرقة سامة اختزلت ديانتها في الموت».
وقال كامرون: «أتمنى لو تكف البي بي سي عن تسميتها ،الدولة الإسلامية، لأنها ليست دولة إسلامية. بل إنها نظام همجي فظيع هو (في حقيقته) تحريف لدين الإسلام. وإن كثيرا من المسلمين (..) ليشمئزون كلما سمعوا هذه التسمية». وقد أدلى كامرون، الذي دعا إلى تسمية المنظمة الإرهابية باسم «إيسيل» (المقابل الانكليزي لـ»داعش»)، بهذه التصريحات بعد أيام من الجريمة الإرهابية التي أودت في مدينة سوسة التونسية بحياة عشرات من الأبرياء كان بينهم ثلاثون بريطانيا. وأنذر كامرون أن مواجهة داعش هي «النضال الذي كتب على جيلنا أن يخوضه»، حيث «لا بد لنا أن نقاتلها بكل ما أوتينا».
كما وجه ما لا يقل عن مائة وعشرين من نواب مجلس العموم رسالة إلى رئيس مجلس إدارة البي بي سي اللورد هول يطالبون فيها الهيئة، التي تمتلك شبكة واسعة من القنوات الإذاعية والتلفزية إضافة لموقع من أهم المواقع الإخبارية على الانترنت، بالكف عن إطلاق اسم «الدولة الإسلامية» على التنظيم الإرهابي، وبالاستعاضة عنه بداعش، باعتبارها تسمية عربية تتضمن «دلالات سلبية». فإذا باللورد هول يرد بأن على البي بي سي أن تكون «منصفة» في تغطيتها الإعلامية لهذا التنظيم، وبأن استخدام أي تسمية بديلة من شأنه أن يكون «تهجينيا» تحقيريا (لمن؟ للتنظيم طبعا!).
وقال اللورد هول إن البي بي سي تنهج في تسمية المنظمات نهجا يفرضه المنطق الشائع، وهو تسميتها بما تسمي به نفسها. وأضاف أننا «أدركنا أن استخدام اسم ،الدولة الإسلامية، لوحده يمكن أن يوحي بأن مثل هذه الدولة قائمة فعلا و(أدركنا) أن تأويلا من هذا القبيل مضلل. ولهذا فقد تحفظنا على اسم ،الدولة الإسلامية، بكلمات تقيده وتخففه، مثل أن نقول ،ما يسمى بالدولة الإسلامية،».
وقد أصاب اللورد هول من حيث المبدأ. فالعادة أن نسمي الآخرين بما يسمون به أنفسهم. ولكن العلاج الذي قدمه لهذه الحالة الاستثنائية فيه من التعقيد ومن الإطالة ما لا مسوغ له، لا من حيث «المنطق الشائع» ولا من حيث اقتصاد الخطاب الإذاعي والتلفزيوني الذي يقضي بالأخذ في مطلق الأحوال بالأقصر والأيسر والأوضح، أي بما قل ودل.
ولا يخفى أن استحواذ هذا الموضوع على اهتمام ساسة وبرلمانيين كبار من أمثال ديفيد كامرون، وعمدة لندن بوريس جونسون، والزعيم السابق للحزب الوطني الاسكتلندي آلكس سالموند والنائب المحافظ عطاء الرحمن جشتي، الذي تزعم المجموعة البرلمانية التي وجهت الرسالة إلى البي بي سي، إنما يدل على أن الأمر لا يتعلق بمجرد تدقيقات لغوية أو حذلقات اصطلاحية، وإنما يتعلق الأمر بفضح عملية الاختطاف، ثم الاحتكار، التي نفذتها عصابات الإجرام الخوارجي الهمجي ضد اسم دين سماوي هو منهم براء. كما أنه يتعلق بحرص الطبقة السياسية على وجوب مراعاة حساسيات عامة المسلمين.
وقد كان هذا المعنى من الوضوح المغني عن الشرح بحيث أن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أعلن في تصريحات صحافية منتصف أيلول/سبتمبر الماضي رفضه استخدام عبارة «الدولة الإسلامية»، ثم أوضح موقفه في البرلمان قائلا إننا «نقدم هدية» لهذا التنظيم الإرهابي لو سميناه «دولة». كما أوصى بعدم تسميته «دولة إسلامية» لأن هذه التسمية تثير «خلطا بين الإسلام والإسلاموية والمسلمين». ثم قال «إن العرب يسمونهم ،داعش،، أما أنا فأدعوهم ،ذبّاحي داعش،». وفي هذا يلتقي فابيوس مع ما كان قد صرح به أوباما قبل ذلك بأيام من أن «إيسيل ليست إسلامية، إذ ليس هناك من دين يزكي قتل الأبرياء». ولكن رغم كل هذا الوضوح، فقد وجد في الإعلام الفرنسي المشاكس من عاب على فابيوس اتخاذ مثل هذا «الموقف الإيديولوجي» (!)
&