حمد الماجد

الجريمة الإرهابية الدموية التي ارتكبها الإرهابيون في مسجد الروضة ببئر العبد شمال سيناء المصرية، وخلفت ضحايا فاق عددهم الـ300، كانت بحق جريمة كبرى، لدرجة أن أحد المراقبين اعتبرها أكبر جريمة إرهابية تتعرض لها مصر في تاريخها، ومع عدم تبني أي جهة إرهابية مسؤولية هذه الجريمة الإرهابية البشعة ثارت تكهنات تحاول أولاً معرفة الفاعل المجرم، وثانياً لماذا استهداف مسجد ناءٍ في قرية نائية في شبه جزيرة قصية؟ وواضح من التقارير وتصريحات الشهود أن الإرهابيين المجرمين حاولوا الإجهاز الكامل على المصلين، فيلاحقون الفارين، ويجْهزون على المصابين، وإلى وقت كتابة المقال لم تعلن جهة إرهابية عن مسؤوليتها عن الحادث المأساوي.


إذاً من هي الجهة «المتوقع» مسؤوليتها عن هذه الحادثة الإجرامية؟ ولماذا تستهدف مسجداً مكتظاً بالمصلين يوم الجمعة؟ في تقديري، وفي تقدير عدد كبير من المراقبين، أن بصمات الحادث توحي بأن المسؤول هو «داعش» أو أحد السائرين في فلك التنظيم المتقاطعين مع آيديولوجيته. الذي يدعم هذه الفرضية هو بشاعة الجريمة واستهدافها دار عبادة، وهذا هو منهج متسق مع استراتيجية تنظيم داعش الذي أعلن مسؤوليته عن عدد من جرائم بشعة مماثلة ارتكبها في عدد من المساجد الشيعية والسنية في العراق وبعض الدول الخليجية، كما ارتكب تنظيم داعش جرائم إرهابية مماثلة ضد الكنائس في مصر.
يريد «داعش» ومن تحالف معه من تنظيمات إرهابية من ارتكاب مثل هذه الجرائم الوحشية التي تستهدف مدنيين عزلاً، كمسجد الروضة في شمال سيناء أو غيره، تحقيق عدد من الغايات منها إثبات الحضور والوجود، خصوصاً بعد أن تلقت التنظيمات الإرهابية في العراق والشام، وعلى رأسها دولة الإرهاب في الموصل، ضربات قاضية مميتة، وأمست تترنح وآيلة للسقوط. ورسالة الإرهابيين تقول أو هكذا يظنون: قد تكسبون معنا معركة ولكنكم لن تكسبوا معنا حرباً، الغاية الثانية: إحداث الفوضى في مصر، والفوضى هي البيئة المناسبة لنمو وتكاثر جراثيم الإرهاب، فاستهداف المساجد والحسينيات والكنائس هو الشرر لاندلاع نار الطائفية التي لا تبقي ولا تذر، وإذا اندلعت هذه النار الخطيرة فهي البوابة التي يلج منها الإرهابيون للدول التي يستهدفونها، والعراق مثال صارخ، فبعد اندلاع المعركة الطائفية بين السنة والشيعة رسَّخ التنظيم أقدامه في العراق، وارتكب عدداً من الجرائم ضد الشيعة جعلت كثيراً من العراقيين السنة يلجأون للاحتماء بالتنظيم، لا حباً فيه، ولكن خوفاً من حوادث ثأرية، وهنا يسهل على تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى تجنيد الشباب في صفوفهم.
ولا أتفق مع التقارير الصحافية التي تقول بأن مسجد الروضة صوفي، وأن القتلى هم من الصوفية، وأن «داعش» يرى أن ما يقومون به يعتبر بدعة وثنية، وهذا يقودنا للغاية الثالثة المحتملة لاستهداف مسجد الروضة شمال سيناء، وهي أن الطرق الصوفية التي تنتشر في سيناء تكنّ عداءً شديداً للحركات الإرهابية التي تنتشر هي الأخرى في سيناء، وقد قتل «الجهاديون» في فترة ماضية شيخاً صوفياً طاعناً في السن، وحزوا رأسه إمعاناً في ترسيخ العداوة مع المتصوفة، فكأن جريمة مسجد الروضة تحذير عنيف دموي للأهالي من الوقوف في طريق جرائمهم وترسيخ أقدامهم.
ما يجب التنبه له، وهو ما كرره ويكرره العقلاء المعادون للإرهاب المحاربون له من كل ألوان الطيف، أن الحل الأمني المفرط لضرب الإرهاب لوحده قد يسبب جروحاً وكدمات في جسد الإرهاب، لكنه لا يوجه ضربة قاتلة مميتة، لا في العراق ولا في الشام ولا في مصر ولا في غيرها، وأن الحل أمني وديني وسياسي واقتصادي واجتماعي وتعليمي وثقافي وفكري، هي منظومة شاملة، التفريط في أحدها يفتح ثغرة للإرهاب للنفوذ منها.