محمد كركوتي

" البنك هو المكان الذي يقدم لك القروض، شرط أن تثبت أنك غير محتاج إليها"
بوب هوب، كوميدي أمريكي راحل


اعتبر البعض أن الغرامات التي دفعتها المصارف الغربية، على وجه الخصوص، بسبب التلاعب الذي أدى إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، شكلت رقما صادما. في حين يمكن القول، إن الخسائر التي مني بها الاقتصاد العالمي بسبب الأزمة المشار إليها، يزيل الصدمة الناجمة عن قيمة الغرامات. ببساطة الخسائر الهائلة تبرر أي غرامات تفرض على المؤسسات المالية العالمية كلها تقريبا. فإذا اعتبر أن المصارف الأمريكية والأوروبية دفعت ما يقرب من 150 مليار دولار كغرامات للسلطات المختصة، بسبب تلاعبها بالمشتقات المالية، وقيامها بعمليات تضليل، بل هناك مصارف مارست الخداع والكذب بصورة منهجية. إذا اعتبر هذا الرقم صادماً، فكيف هو الحال مع خسائر الاقتصاد العالمي كله أكثر من 45 في المائة من قيمته في غضون أيام؟ في حين يعرف الجميع أن القيمة المكتسبة لهذا الاقتصاد لا تحسب بالأيام بل بالعقود.
بعد مرور عشر سنوات تقريبا على انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، لا يزال الاقتصاد العالمي يعاني مشكلات كثيرة، على الرغم من قيام الحكومات بفرض قيود صارمة على عمل المؤسسات المالية، تأخرت في الواقع بفرضها أكثر من ثلاثة عقود على الأقل. كانت هذه الحكومات تعيش وهم النمو الاقتصادي من خلال تسهيل عمليات الاقتراض، ولا سيما تلك التي لا تستند إلى أي ضمانات مصرفية مقبولة. الحكومات، كما هو معروف، غضت الطرف عن التسيب المالي للمصارف، بهدف تحريك السوق أولا، والحصول على الشعبية الكفيلة بإعادة انتخابها، خصوصا بعد أن شهد العالم الغربي حكومات هشة حكمت في السنوات القليلة التي سبقت انفجار الأزمة الاقتصادية المشار إليها.
على كل حال، وصول مجموع الغرامات على المصارف الغربية بسبب التلاعب "عقابا عن الأزمة بالطبع" إلى 150 مليار دولار ليس كبيرا، والحق أن هذه الغرامات تبدو قليلة، ولا سيما في أعقاب نجاح عدد كبير من المصارف والمؤسسات المالية، بالتوصل إلى تسويات مع الحكومات المعنية، لتقليل حجم الغرامات، مقابل الاعتراف بالأخطاء، والتعهد بعدم تكرارها. فلو فرضت الغرامات بالفعل بتجرد وبعيدا عن الصفقات التي تتم خارج المحاكم، لوصل هذا الرقم إلى مستويات كبيرة، وربما اقترب من ألف مليار دولار. دون أن ننسى، أن مصرفا واحدا أو مؤسسة مالية واحدة على الساحة الغربية لم يكن (أو تكن) بريئا من خطايا الأزمة. فالجميع غرق في وهم القروض، حتى أكبر المصارف وأكثرها عراقة، على أمل أن تحدث معجزة ما! الذي حدث أزمة قال عنها رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق "إنها لا تحدث إلا كل 100 عام".
الحق، أن الغرامات التي تفرضها الحكومات والمحاكم على المصارف والمؤسسات المالية الغربية، لا تختص بالأزمة ومسبباتها. هناك غرامات تفوق تلك الخاصة بالتلاعب المالي قيمة، وتتعلق بتبييض الأموال والدعم المباشر وغير المباشر للإرهاب، وتلك الناتجة عن عمليات غير مشروعة كتجارة المخدرات والبشر وغير ذلك. غير أن بعضها يخضع أيضا للتسويات خارج نطاق القضاء، ما يخفض تلقائيا الغرامة الكلية المستحقة. وفي السنوات العشر الماضية، قررت بعض المؤسسات المالية أن تذهب بنفسها للحكومات والاعتراف بجرائم تبييض الأموال، للحصول على أقل قدر ممكن من الغرامات، التي وصل بعضها على مصرف واحد إلى 18 مليار دولار، وآخر 13 مليار دولار، وهما في الولايات المتحدة. بينما هناك قضايا مماثلة تخص المصارف الأوروبية.
وبعيدا عن غرامات "التبييض" والمخدرات ودعم المنظمات الإرهابية، يمكن القول إن المصارف والمؤسسات المالية الغربية نجت بالفعل من غرامات كبرى بسبب سلسلة من المخالفات المتعلقة بالمشتقات المالية الوهمية أو المبالغ فيها، فضلا عن تضليل المستثمرين في الأوراق المالية، خصوصا تلك المربوطة بالعقارات. دون أن ننسى، أن بعض المؤسسات تم إنقاذها بالفعل من قبل الحكومات، التي اضطرت إلى استخدام الأموال العامة للإبقاء على هذه المؤسسات، أو على الأقل لتقليل الخسائر الناجمة عن الحقائق التي كشفتها الأزمة الاقتصادية نفسها. هذه الأخيرة كانت جيدة من هذه الزاوية. وكشفت الغطاء عن الوهم الذي عاشته الساحة المالية (ومعها الاقتصادية) طوال أكثر من ثلاثة عقود. إن 150 مليار دولار لا تعتبر شيئا كبيرا، لأضرار لن تعوض قبل عدة عقود. نعم قبل عدة عقود.
من المفارقات، أن المصارف والمؤسسات المشار إليها، تم إنقاذها من أموال ضحاياها! وكأن الزمن لا يرضى بمصيبة واحدة لهؤلاء الضحايا بل أرادها مصيبتين. وفي كل الأحوال، كانت التغييرات التشريعية والقانونية التي أحدثتها الحكومات الغربية ذات وقع إيجابي بالفعل، الأمر الذي قاد إلى التحقيقات التاريخية مع المصارف والمؤسسات المالية، ومنها إلى غرامات. لكن المهم هنا ليس العقوبات المالية، بل ضمان عدم عودة المصارف إلى بيع الأوهام، والالتزام بما هو موجود على الأرض فعلا. هذه المصارف دخلت التاريخ كمخرب اجتماعي قبل أن تكون مخربا اقتصاديا.