أمير طاهري

«كيف حال العراق؟». سؤال طرحناه على صديق لنا عاد لتوه من بغداد.

فأجاب: «سيئ؛ سيئ للغاية يا صديقي. حتى الطاهي الخاص بي صار له رأي حول كيفية تشكيل حكومة البلاد الجديدة».

وصديقنا العراقي من كبار المصرفيين الذين أمضوا شبابهم في المنفى ببلاد الغرب ثم عاد إلى موطنه بعد الإطاحة بنظام صدام حسين. ومع ذلك، يبدو أنه ما زال محتفظاً بالعقلية الشرق أوسطية التقليدية التي تهيمن على عقليات ومعتقدات كثيرين منا الذين يرون أنفسهم ضحايا الاستبداد ورغم ذلك فإنهم يخشون تماماً أي نظام يكون للطهاة رأي مباشر فيه.

وإنصافاً لصديقنا العراقي، فإن المشهد السياسي الحالي في بغداد لا يبعث على الارتياح أو الاطمئنان بحال؛ إذ فشلت الانتخابات التشريعية العامة الأخيرة في تحقيق أغلبية واضحة، ومن ثم فإن تشكيل الحكومة الجديدة قد يستغرق أسابيع إن لم يكون شهوراً.

ولطالما اعتدنا في منطقة الشرق الأوسط أن نرى «نخبة محدودة» من المرشحين المعتادين الذين يرقصون على أنغام الكراسي الموسيقية داخل المناصب الوزارية وخارجها. وفي نظام كهذا، يكمن التعامل مع أي عقبة من عقبات تشكيل الحكومة في إطلاق النار على الوزراء كما كان صدام حسين يصنع في أوج أيامه، أو نفيهم إلى الخارج في صورة مناصب دبلوماسية رفيعة مع مصافحات حارة وودية.

وليس الطاهي الخاص بصديقنا المصرفي هو من يملك رأياً خاصاً بمفرده في كيفية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة... ففي الصورة الكبرى نجد عدداً من الشخصيات الذين لا تحتل سيرتهم الذاتية السياسية نصف صفحة على الأكثر.

فهناك مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي، الذي أعاد تصوير نفسه محاوراً ومناوراً سياسياً فذاً وبارعاً، محاولاً قيادة فريق من الشيوعيين الساخطين ذوي النزعات العتيقة من ناحية، مع رجال الميليشيات الشيعية الغامضة من ناحية أخرى. ثم هناك دزينة أو أكثر من السياسيين والعسكريين أصحاب الأصوات الجهورية الذين يصدحون بالمواقف التي يمليها عليهم سادتهم من واشنطن وطهران. وهناك في الخلفية نرى شيوخ العشائر والملالي من كبار آيات الله الذين يحركون الجنود في الميدان يمنة أو يسرة.
وتساءل صديقنا المصرفي قائلاً: «ما الذي يصنعه الشيوعيون مع مقتدى الصدر؟ وما علاقة كل منهما بهادي العامري قائد الميليشيات»؟

والإجابة أن هناك على الأقل ثلاثة قواسم مشتركة تجمع بينهم.

أولاً: أنهم جميعاً عراقيون، تماماً كمثل الطاهي صاحب الآراء السياسية الفذة. ثانياً: أنهم جميعاً يقبلون بأن الحكومات العراقية لا بد من أن تستند إلى نتائج الانتخابات العامة. ثالثاً: أنهم جميعاً مضطرون للاعتراف بالتنوع العرقي، والديني، والطائفي في العراق، الأمر الذي يعني أنه لا يمكن لفصيل أو مكون بعينه أن يحتكر السلطة بمفرده تحت اسم الدين أو الآيديولوجيا.

وفي بيانه المنشور أوائل ستينات القرن الماضي، أعلن الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان يضم أغلبية شيعية من الأعضاء في ذلك الوقت، أن هدفه المعلن هو إقامة الديكتاتورية البروليتارية والقضاء على الدين في السياسة العراقية تماماً. واليوم، فإن ذلك الحزب، في عيده الحالي على أقل تقدير، صار يتحدث عن تقاسم السلطة، والتعددية، والعلمانية، والتحالف، وهي المصطلحات التي كانت غائبة تماماً عن القاموس العراقي السياسي حتى عام 2003.

وللوفاء بالجميل الذي أداه إليهم الشيوعيون من قبل، دعا علماء المذهب الشيعي العراقيون مراراً وتكراراً إلى فرض الحظر الكامل على الماركسية وتعاليمها في العراق بأي شكل من الأشكال، وصاحوا هاتفين ومؤيدين عندما شن الديكتاتور الراحل صدام حسين حملته الشهيرة على اليسار العراقي في تلك الأوقات.

أما اليوم، ورغم كل شيء، فإن العلماء يدركون أن أي محاولة لحظر الأحزاب السياسية التي لا تروق لهم، لن تسفر عن قبول أو تأييد الرأي العام العراقي الحالي.

وكان العقل المفكر والمدبر في عائلة الصدر الدينية البارزة هو والد زوجته آية الله محمد باقر الصدر الذي أسس حزب الدعوة على أمل إخضاع العراق تحت هيمنة رجال الدين الشيعة.

ومع ذلك أيضاً، فإن خصوم مقتدى الصدر الحاليين هم من أعضاء حزب الدعوة مع ألد أعدائه المتمثل في شخصية رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي. ورغم ذلك، فإنه حتى المالكي نفسه لا يجرؤ على التبشير بتعاليم نظام الحزب الأساسي القديم خشية سخرية واستهزاء طاهي صديقنا المخضرم الكبير.

وتتحصل جوقة شبان التكنوقراط الملتفة حول مقتدى الصدر اليوم على أفكارها، لا سيما الاقتصادية منها، من نصوص ميلتون فريدمان أكثر من كتاب «اقتصادنا» من تأليف الزعيم الأسبق محمد باقر الصدر.

وقد يكون العراق من أكثر مجتمعات المنطقة تنوعاً حتى اللحظة، وهو الأمر الذي تسبب بكثير من المآسي والأحزان تحت حكم الطغاة، ولكنه يمكن أن يتحول إلى رصيد كبير في المستقبل.

وتدرك قطاعات كبيرة من المكونات العرقية، والدينية، والطائفية، التي تشكل في مجموعها المجتمع العراقي الكبير، أن أياً منها لا يمكنه بمفرده تولي السلطة وممارستها بكل فعالية. وينبغي للخطوة الثانية أن تكون قبول التنوع الآيديولوجي والسياسي في البلاد. وأعتقد أنه خلال السنوات الـ15 الماضية، أحرز العراق تقدما ملحوظاً على هذا المسار.

ومن السابق لأوانه كثيراً التخمين بالنتيجة النهائية لمباحثات الائتلاف الجارية حالياً بين كبار الفائزين بأصوات الناخبين في الانتخابات العامة الأخيرة. ومن شأن قرار مقتدى الصدر مشاركة هادي العامري في محادثات الائتلاف أن يعد خطوة سياسية ذكية... فإن الحكومة العراقية المقبلة، التي سوف تجابه مشكلات داخلية وخارجية هائلة، لا يمكنها السماح للعامري بالظهور زعيماً معارضاً في البرلمان الجديد، ومن ثم إمكانية استغلال أي نكسة قد تحدث في العراق على مساره المتعرج نحو تحقيق الديمقراطية المستدامة في البلاد.

ويشكك كثير من المواطنين العراقيين في أن هادي العامري هو «رجل إيران» في العراق ودمية طيعة بين أصابع الجنرال الإيراني قاسم سليماني. ويرجع جزء من هذه الرؤية إلى آلة سليماني الدعائية نفسها. فإن الجنرال الإيراني من أساتذة الترويج الذاتي، وهو متلاعب حاذق بوسائل الإعلام الحديثة. ومع ذلك، فإن هادي العامري وثيق الصلة بالجانب الأميركي وعمل وسيطاً مباشراً بين الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأميركية الأسبق في العراق، وبين مختلف الفصائل الشيعية في البلاد. حتى وإن كان شديد الحرص على الدفاع عن المصالح الإيرانية في بغداد، فإن ذكاء العامري لن يخونه بدرجة كافية في إدراك أن الترويج لنظام سياسي على الطراز الإيراني في العراق اليوم يساوي الانتحار السياسي من دون شك. وانضواؤه تحت المظلة نفسها قد يقلل من مقدرة طهران على إساءة التصرف من خارج المظلة.

وعلى أي حال، حتى مع بعضهما بعضاً، فإن مقتدى والعامري لا يملكان الأعداد اللازمة التي تمكنهما من تشكيل الحكومة العراقية المقبلة. ولسوف يضطران للالتجاء إلى جزء من الكتلة الكردية بالإضافة إلى عناصر من الجماعات العربية السنية، على الأقل، بغية تشكيل الائتلاف السياسي الموثوق به. وهذا من شأنه أن يترك كتلة من الأحزاب الشيعية والسنية والكردية الصغيرة لتشكل فيما بينها المعارضة. ومع الائتلاف الحكومي الغالب الذي يتجاوز حدود العرقية والطائفية، سوف تتحرر المعارضة كذلك من القيود نفسها؛ الأمر الذي من شأنه أن يتيح للسياسة العراقية أن تتحول إلى منتدى للبرامج السياسية المتنافسة، وليست مجرد هويات دينية أو عرقية متناحرة أو ممثلة للانقسامات الآيديولوجية المجردة في الواقع السياسي العراقي.

وفي نظام السياسة الواقعية الراهن، من شأن العراق أن يتحرر من الأوهام الطوباوية الحالمة التي كانت السبب في المأساة الكبيرة الحالية، ويتحول التركيز بدلاً من ذلك صوب القضايا الحيوية ذات الأهمية الوثيقة الصلة باهتمامات ومخاوف صديقنا المصرفي وطاهيه المحترف.