قبل سنوات كنا نرى التفكير بما يتبقى لنا في الفضاء الإلكتروني بعد وفاتنا كما لو كان فيلم خيال علميا! واليوم أضحى واقعاً لا بد من التعامل معه، والتحضير له!

يمكن حصر «الإرث الرقمي» الشخصي أنه: «المحتوى والمعلومات التي يتركها الشخص على شبكة الإنترنت بعد وفاته، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني والمدونات والملفات الشخصية في المواقع».

لا بد أن تخطط مبكراً لكيفية التعامل مع ذلك الإرث المتراكم، ليس فقط بسبب خصوصية محتوى حساباتك الاجتماعية أو صندوق بريدك الإلكتروني، بل حتى ملكية وقيمة أصولك الرقمية، مثل النصوص والفيديوهات والموسيقى والتصاميم ونحوها. إن إدراك مستقبل عملية إدارة حياتك الرقمية بعد مغادرة الحياة، يضمن معالجتها بالطريقة التي ترغب بها.

أول خطوة تبدأ بتسجيل التفاصيل الأساسية لجميع حساباتك الرقمية، متضمناً اسم الحساب «المعرّف»، اسم المستخدم، كلمة السر، الهاتف الجوال أو البريد الإلكتروني للتوثيق الثنائي أو استعادة الحساب، ثم تحديد شخص تثق به ليكون «مُنفذا رقميا»، يقوم بتنفيذ وصيتك الرقمية، على أن يكون قادراً على التعامل مع المنصات والحسابات، والتواصل مع المنظمات لحل وإنهاء الصعوبات، ناهيك عن تأمين سريّة وثيقة الوصية.

يجب أن تُعد وصية رقمية مكتوبة، تشمل حصر قائمة حساباتك (المعرفات والرموز السرية) في المواقع والمنصات والتطبيقات، وتوثيق معلومات ومراحل الولوج، وتحديد خطوات تنفيذ وصيك، مثل حذف أو تعليق حسابات التواصل الاجتماعي، وحتى تحويلها إلى النشر التلقائي لمواد محددة أو أرشيفية، إيقاف استقبال الرسائل على البريد الإلكتروني وتحوليها لوكيل الورثة، نقل ملكية الأصول الرقمية مثل الفيديوهات والصور والموسيقى والنصوص لمن ترغب.

مؤخراً بدأت أهم المنصات الاجتماعية والمواقع بإضافة خيار جهة اتصال يمكنها من إدارة الحساب بعد وفاة صاحبه، مثل «إنستغرام» و»فيسبوك»، اللذان يحتويان على خيار الحذف، أو «إحياء الذكرى»، بحيث يوضع رمزٌ بجوار الاسم، بينما تتيح «أبل» اختيار أكثر من شخص أو جهة اتصال، تُمكن من الوصول إلى الحساب بعد الوفاة. وخيارات أخرى موجودة في أغلب المنصات الشهيرة، ومنها حساب جوجل، طبعاً كل هذه خطوات اختيارية، تختصر الوقت والجهد على الورثة، بدلاً من تقديم وثائق الوفاة الرسمية.

لا تزال هنا تحديات قانونية، مع توريثك معلومات ومحتوى ذا قيمة مادية، بالطبع يجب أن تطبق عليها قواعد الإرث حسب دول الإقامة الأساسية، مالم تكن حددت بوضوح لمن تؤول تلكم الأصول الرقمية، وقمت بتوثيق الوصيّة لدى موثق معتمد.

هناك اليوم منصات مخصصة لإدارة إرثك الرقمي، أشهرها «ماي ويش» وغيرها، وذلك لتحديث وصيتك الرقمية، وإدارة حسابتك وأصولك الرقمية، ومعلوماتك الشخصية والوظيفية، الذكريات، الأماني والرغبات، وغيرها.

قد يستغرق إعداد وصيتك الرقمية وقتاً، ولكن بقدر أهميته لما بعد الحياة، بقدر أهميته اليوم! إذ أنك سوف تقوم بجمع المعلومات والتأكد من صحّتها، وتحديثها دوماً، مما يجعلها قاعدة بيانات جاهزة، تكون حاضرة متى احتجتها في أي وقت.