فتوى لشيخ سعوديّ تثير استياء في الأوساط النسويّة التونسيّة
بلحاج حميدة لإيلاف: نلمس خوفا من انتقال العدوى التشريعية التّونسية إلى بلدان أخرى
إسماعيل دبارة من تونس: أثارت فتوى الشيخ السعوديّ يوسف الأحمد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحريم خروج وفد نسائي سعوديّ للتدريب في تونس، استياء في صفوف عدد من النساء اللواتي عرفن بالدفاع عن حقوق المرأة.
و اعتبر الشيخ يوسف الأحمد خروج وفد سعوديّ للتدريب إلى الجمهورية التونسية إفسادًا للمرأة السعودية، وذكر في فتواه التي نشرت عبر عدد من المواقع الالكترونية :"خروج وفد نسائي من المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني إلى تونس لدراسة التعاون الثنائي في مجال التدريب التقني النسائي، يؤكد وجه الانحراف في تحقيق المشروع الأمريكي التغريبي في إفساد المرأة السعودية وإبعادها عن شرع الله تعالى بالتدرج ...الموضوع أخطر من سفرهن بلا محرم وإن كان مخالفًا للنصوص الصريحة الصحيحة في تحريمه".
ووصف الأحمد الحكومة التونسية بـ" أسوأ حكومة في العالم في محاربتها لشعبها في دينه، فهي تمنع الحجاب الشرعي في الدوائر الحكومية والجامعات، وتضيق على المسلمات، وتتبنّى الاختلاط المحرّم بأسوأ صوره، وتقنن دور البغاء رسميًا، وتحرّم تعدّد (الزوجات)، وتحارب الدعوة إلى الله تعالى".
ويتابع "نصيحتي لرئيسة الوفد والمشاركات بالتوبة إلى الله تعالى، وأن لا يكنّ سببا في تمييع الدين وطعمًا يصطاد به المنافقون وهنّ غافلات، والنصيحة نفسها إلى القائمين على المؤسسة العامة".
الردّ الرسميّ التونسي جاء عبر بيان من سفارة تونس بدولة الإمارات واعتبر زيارة الوفد النسويّ السعودي في إطار "تبادل ثقافي لا يعادي الإسلام في شيء".
وذكر البيان:"من منطلق تمسكها بديننا الحنيف حرصت الدولة كل الحرص على رعايته ورفع منارته وإحياء شعائره وإتباع تعاليمه وتم في سبيل ذلك اتخاذ جملة من الإجراءات العملية والقرارات المهمة منها إحداث وزارة تعنى بكافة الموضوعات والمسائل المرتبطة بالشؤون الدينية، ومضاعفة الاعتمادات المالية المرصودة لتعهد المساجد والمعالم الدينية وصيانتها وترميمها إضافة إلى بناء عدد من المساجد الجديدة نذكر منها بالخصوص جامع العابدين بقرطاج، وسعي الوزارة إلى ترشيد الخطاب الديني كي يكون قائماً على فهم سليم لحقائق الإسلام، وإعادة الاعتبار لجامعة الزيتونة العريقة مما مكنها من استعادة إشعاعها ومجدها وأداء رسالتها الدينية".

وفي تونس أبدت عدد من النساء اللواتي عرفن بدفاعهنّ عن المساواة بين الجنسين وقيم الحداثة استيائهنّ من هذه الفتوى التي اعتبرنها "تندرج في إطار أشمل يُشيطن المرأة التونسية عبر دعاية تصوّرها كامرأة متخلية عن دينها".
و شهدت حركة التدوين في تونس جدلا كبيرا حول فتوى الشيخ الأحمد بين مُدين لها صراحة و بين مدافع عن السياق الذي جاءت فيه ، إذ اعتبرها البعض موجّهة للنساء السعوديات دون غيرهنّ ولا تتضمن أية إساءة لنساء تونس".
وفي مقابلة مع "إيلاف" ذكرت المحامية و الناشطة النسويّة بشرى بلحاج حمدية رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أنّها "تتلمّس خوفا من بعض المشايخ من انتقال عدوى التشريعات الحداثية التي تميز واقع المرأة التونسية إلى بُلدانهنّ، لأن النساء في بلدان الخليج تطالبن بحقوقهن وهناك ضغوطات دولية في هذا السياق ،و أكبر دليل أن الأغلبية الساحقة من بلدان الخليج بما في ذلك المملكة العربية السعودية صادقت على الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة".
و أكدت بلحاج حميدة أنّ هذه الفتاوى وغيرها " ليس لها أي شرعية ولاهي أصلا قائمة على معرفة و لا ثقافة، فنساء تونس تتمتعن بعدة حقوق لكن هذا لا يعني البتة أنها تعبث بحقوقها كما أن عدة مصادر علمية واستطلاعات و بيانات تتوفر فيها كل شروط المصداقية تؤكد أن كل" مظاهر الفساد" موجودة في البلدان التي تخشى على نفسها من عدوى التشريعات الحداثية المحترمة لحقوق المرأة ،على حدّ تعبيرها.
و تؤكّد الرئيسة السابقة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وهي جمعية قانونية تطالب بإلغاء التمييز بين المرأة والرجل بما في ذلك المساواة في الإرث أنّ مثل هذه الفتاوى "تسيء إلى سمعتنا كمناضلات من اجل المرأة ، كما أنها تهدّد عدة مكتسبات ضحت نساء عديدات من اجل تحقيقها،فالحقوق التي تحصلنا عليها في تونس هي حقوق إنسانية وهي ذات الحقوق التي تناضل من أجلها النساء في المنطقة العربية والإسلامية".
وجدير بالذكر أنّ الجدل غالبا ما يثار في تونس حول المسالة الدينية وما يعتبره بعض الفقهاء مخالفة التشريعات التونسية للنصوص القرآنية و محاربة الحكومة لـ"التدين و الإسلام و الحجاب الشرعيّ والشباب السلفيّ والتضييق على روّاد المساجد".
إلا أنّ الحكومة التونسية تنفي تلك الاتهامات و إن كانت تقر بتطبيقها للمنشور 108 الذي يتصدى لما يسمى "الزيّ الطائفي" في الجامعات ومراكز العمل ،الأمر الذي أدى إلى طرد عدد كبير من المُحجبات من معاهدهنّ و مراكز شغلهنّ.
ورأى متابعون أنّ هنالك بعض الدلائل التي تشير إلى تغير موقف بعض الفقهاء والمشائخ بخصوص المسالة الدينية في تونس خصوصا مع الزيارة الأخيرة التي أداها الشيخ يوسف القرضاوي إلى البلاد و أشاد فيها بمجهودات الحكومة التونسية في خدمة الدين الإسلامي بالإضافة إلى تصريحات الدكتور سلمان بن فهد العودة المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" والتي أشار فيها إلى تونس دون تسميتها قائلا:" مجريات الواقع الذي شاهدته مختلفاً شيئاً ما ؛ فالحجاب شائع جداً دون اعتراض، ومظاهر التديّن قائمة، والمساجد تزدحم بروّادها من أهل البر والإيمان، وزرتُ إذاعة مخصصة للقرآن؛ تُسمع المؤمنين آيات الكتاب المنزل بأصوات عذبة نديّة، ولقيت بعض أولئك القرّاء الصُّلحاء؛ بل وسمعت لغة الخطاب السياسي؛ فرأيتها تتكئ الآن على أبعاد عروبية وإسلامية، وهي في الوقت ذاته ترفض العنف والتطرف والغلو، وهذا معنى صحيح، ومبدأ مشترك لا نختلف عليه".
وعلى الرغم من تلك التصريحات لا يزال علمانيو تونس يدقّون باستمرار ناقوس الخطر الذي يهدد" المكتسبات الحداثية" خصوصا مع ما يعتبرونه خطرا محدقا بالشباب التونسي تروّج له بعض الفضائيات الدينية الخليجية المتعاظمة العدد.
و تؤكد المحامية بشرى بالحاج حميدة أنّ تلك الفضائيات ومواقع الانترنت الأصولية "بصدد التأثير على العقليات و أكبر دليل على ذلك ظاهرة الحجاب و التباهي بالتدين و بعض المظاهر المخيفة مثل الزواج العرفي و كلمة "طالق "التي أصبح البعض يفسّرها على أساس أنها طلاق وتفرقة بين الزوجين قبل حتى الالتجاء إلى المحاكم".
وتقول إن الحلول الوحيدة للتصدّي لوسائل الإعلام تلك و لخطابها تكمن في ضمان حرية الأعلام و تنوعه وإشراك التونسيات والتونسيين في الخيارات المُجتمعية و اعتبار أن "مسألة مواجهة الرجعيات ليس حكرا على الدولة بل هي من حق كل واحد منا وهو حق نمارسه بمنظارنا لا كما تريد الدولة".كما دعت إلى ضرورة الاعتراف بالمفكرين التونسيين الإصلاحيين و تشجيعهم و تمكينهم من المكانة التي يستحقّوها.