روميو روفائيل من لندن: مزاعم التلاعب بنتائج المباريات ليست جديدة في كرة القدم الروسية، إلا أن الادعاءات الأخيرة أثارت ردود فعل كبيرة لم تكن قد حصلت من قبل، فالمناقشات لم تقتصر فجأة على الزوايا القائمة في الحانات القاتمة أو غرف الدردشة من نظريات المؤامرة والمشجعين الغاضبين، وأثارت استياء هائلاً في المجتمع، حتى أن الكرة الروسية اعترفت بأن لديها مشكلة حقاً.المباراة التي أثارت الغضب (اطلق عليها اسم "سمارا غيت")، كانت بعد فوز تيريك غروزني 3-2 على كريليا سوفييتوف سمارا في وقت سابق من الشهر الماضي. ومع الفوز ونتائج ملاءمة في المباريات الأخرى، كان من الممكن لكريليا أن يتصدر الدوري، ولكن بدلاً من ذلك وبعد أن كافح من صفر -2 ليتعادل 2-2 وانتهى أمره بالخسارة 2-3 بعد تسجيل سيرغي بنديز هدف الفوز برأسية في الدقيقة الـ85 من المباراة بعد ضغط شديد وسلسلة من الهجمات المستمرة من تيريك.
اليكس اندرنوف، المعلق الرياضي لتلفزيون "ان تي في بلاس" كان يعلق مباشرة المباراة، كان يهزأ من خط دفاع كريليا خصوصاً في الدقائق الـ10-15 الأخيرة من المباراة، وقال: "أنا لا أقول إنه ينبغي النظر إلى هذه المباراة على أنها قد اعدت نتيجتها مسبقاً، ولكنني استطيع أن أؤكد أنه لم يكن هناك أي كفاح رياضي من قبل لاعبي كريليا في الشوط الثاني. ولا يستطيع أي ناقد كروي أن يناقش هذه المسألة، وإذا كان أداء اللاعبين مثيراً للضحك، فلماذا ينبغي على المعلق أن يخفي مشاعره؟ كنت أعلق فقط على ما أشاهده على أرض الملعب، حيث لا يوجد سوى فريق واحد: تيريك".
رد فعل رئيس رابطة كرة القدم الروسية فيتالي موتكو، كان الرد الفعل ذاته لمؤسسة كرة القدم، بعكس ردود بعض المهتمين بالمراهنات كالعادة. ومضى في الهجوم عندما قال: "لم تعجبني المباراة وأشعر بالخجل، خصوصاً بالنسبة إلى نادي سمارا. طابع المباراة كان غريباً حقاً، والمتخصصين الآن يدرسون هذه القضية". وأضاف أنه سيجرى التحقيق عن المباراة من جانب لجنة الأخلاقيات، على رغم أن قلة قليلة من الناس سبق أن أدركت بوجود مثل هذه اللجنة في كرة القدم الروسية، خصوصاً لا أحد في الرابطة قادر على شرح واجبات هذه اللجنة ومن يرأسها. ويبدو أن هناك قليلاً من الأمل للردود القاطعة.
ولكن، حتى مع وجود لجنة التحقيق التي انشئت، فإنه من المتعذر جداً العثور، بطريقة أو أخرى، على أي دليل. وهذا هو السبب أن التلاعب بنتائج المباريات يكون مغرياً، حتى أن أكثر الأخطاء الطبيعية للبشر ينظر إليها على أنها مشبوهة. وذكر موتكو: "يجب أن يكون لديك واحداً من اللاعبين أو شخصاً من النادي يعترف بذنبه. ولكن مع ذلك يمكنك ايجاد الأعذار دائماً. قد يقولون إن الرحلة كانت صعبة ولذلك فإن الفريق شعر بالتعب أو أي شيء آخر".
في الأسبوع الماضي، أدار تلفزيون "سوفييت سكاي سبورت" نقاشاً جمع بعض النقاد الأجانب للنظر في لقطات من المباراة. والفكرة كانت لمعرفة رأي النقاد المحايدين وما إذا كانوا سيلاحظون أي شيء مريب. والجواب بالطبع كان هو أن بعض عناصر اللعبة قد تبدو غريبة بعض الشيء، ولكن يمكن العثور على تفسيرات لها. فالأهداف الأربع الأخيرة سجلت بسهولة، وحتى الهدف الأول فإن النقاد شعروا ما إذا كان حارس مرمى كريليا إدواردو لوبوس بطيئاً بعض الشيء في الذود عن مرماه. ولكن أداء خط الدفاع الضعيف لا يمكن إلا أن يعتبر سوء التصرف والتقصير المتعمد. واتهام لوبوس غير عادل، نظراً إلى أنه أنقذ مرماه بصورة ممتازة ثلاث أو أربع مرات في الشوط الثاني، إلا أن الشبهة الأكثر كانت أداء دفاع كريليا في نصف الساعة الأخيرة من المباراة، والذي كان في أفضل الأحوال مؤقتاً. ولكن، كما قال موتكو، يمكنك ايجاد الأعذار دائماً.
فأرض الملعب في غروزني اصطناعية، وربما ببساطة وجد أعضاء فريق كريليا صعوبة في المحافظة على مستواه، خصوصاً أن درجات الحرارة كانت عالية جداً، الأمر الذي أدى إلى أن المهاجم التشيكي يان كولر من الانسحاب بسبب مخاوف على حياته خصوصاً أنه مصاب بالربو. وربما كان الفريق مجرد استنفد طاقته. وكما قال المدير العام لرابطة الاتحاد الروسي اليكس سوروكين: "لم يلاحظ مندوب الرابطة للمباراة أي شيء غريب، وإذا كان قد لاحظ عكس ذلك، فكان من واجبه ايقافها".
أما ليونيد سليتسكي، مدرب كريليا سوفييتوف، فقد أصر على أن فريقه لم يتلاعب بنتيجة المباراة، إذ قال: "قرأت الصحف والتعليقات والتحليلات حول المباراة، وأود أن أقول بكل صدق الفريق لعب بطريقة عادلة، فهذه هي كرة القدم، فأحدهم يفوز والآخر يخسر. لقد اصيب الكسندر بيلوزروف (قلب الدفاع) خلال المباراة، وهذا كان السبب الرئيسي للخسارة. وبجانب بعض اللاعبين القلائل الذين لم يؤدوا واجبهم بما فيه الكفاية، فبقية اللاعبين أدوا واجبهم بصورة عادلة".
وبعد أيام من منع اللاعبين من التحدث إلى الصحافة، على رغم أن كولر أكد أنه سيترك النادي إذا ثبتت تهمة التلاعب بالنتائج عليه، أجرى سليتسكي حديثاً عاطفياً مع تلفزيون "سمارا" قائلاً: "كل ما كتب كان كذباً، هذه حال استثنائية ولم أتوقع ذلك، وأنا لا استحق جزء من المئة مما قيل عني، فالضغط النفسي على الفريق كان هائلاً. هناك من يريد أن يضع الفريق في القبر".
ولكن هناك أدلة، وفقاً لوكالة "نوفوستي"، إذ كان قد وضع مبلغاً قدره 400 ألف دولار في مكتب للمراهنات قبل بدء المباراة على فوز تيريك فيها. وفي المجموع حوالي 96 في المئة من الرهانات التي وضعت في ذلك اليوم كانت لمصلحة الأندية التي تلعب على أرضها. وعلى رغم احتلال تيريك المركز العاشر وكريليا المركز الثاني، في ترتيب الدوري الروسي، إلا أن الأمر أدى إلى رفض بعض مكاتب المراهنات الروسية من قبول المراهنات على فوز تيريك.
ولكن هناك حال أخرى لنادي تيريك نفسه، فبعدما أمضى معظم سنوات الحرب يلعب المباريات التي من المفروض أن يلعبها على أرضه، في بياتيغورسك، فإنه عاد إلى غروزني في الموسم الماضي، في خطوة قد تبشر على نطاق واسع ودلالة على أن الحياة الطبيعية بدأت تعود إلى الجمهورية. وأياً كانت الحقيقة عن "سمارا غيت"، فإنه لا يمكن انكار بأن هناك دعاية كبيرة لنجاح العاصمة الشيشانية.
رئيس نادي تيريك هو رمضان قادروف، رئيس الشيشان، الذي سبق أن كان قد اتهم على نطاق واسع بانتهاكات لحقوق الإنسان، كان حاضراً المباراة ودحض أي اقتراح للتلاعب بنتيجتها، إذ قال لـ"كوسومولسكايا برافدا": "لا نريد مثل هذا الفوز، ولا استطيع أن أفهم كيف يحصل هذا. إنها من الأمور غير السارة حتى التحدث عنها".
يذكر أن قادروف منع القمار في الشيشان منذ عام 2005، ولكن هذه ليست المرة الأولى الذي يتورط فيها تيريك في فضيحة التلاعب بنتائج المباريات. وكانت هناك تقارير واسعة الانتشار عندما فاز تيريك بكأس روسيا عام 2004، بعد وقت قصير من اغتيال الرئيس أحمد قادروف والد رمضان. ذكرت هذه التقارير أن تيريك كان قد اشترى المباراة النهائية ضد كريليا بستة ملايين دولار. وقد نفى النادي هذه المطالبات ولم يتم اثبات شيئاً على الاطلاق.
ثم في الموسم الماضي، بعدما تعرض الحكم اليكسي كوفاليف للضرب في استاد دينامو التابع لتيريك، واحتجاج المسؤولين الروس على المباراة برسالة مفتوحة إلى الاتحاد الروسي لكرة القدم على التهديد البدني والنفسي والتخويف الذي عانوا منه في الشيشان، أدى إلى توقيع غرامة على النادي قدرت بـ 500 ألف روبل (9.500 جنيه استرليني)، ومنع من اللعب على أرضه بسبب الحادث، ولكن الشكوك في الماضي لا ترقى إلى الأدلة في قضية اليوم.
ونظراً إلى ما حدث، حتى لو كان صحيحاً التلاعب بنتيجة المباراة، الدليل القاطع غير مرجح للظهور على الاطلاق. وكل ما يستطيع الاتحاد الروسي فعله هو أن يبقي المسألة على قيد الحياة، وخلق المناخ الذي يشعر به الذي يتعامل مع التلاعب بالنتائج بأنه تحت المراقبة. وفي هذا الصدد قد تلعب وسائل الإعلام الروسية دوراً رئيسياً، وأنها استجابت لذلك فعلاً.
المباريات كانت تنقل حصراً على "ان تي في بلاس"، وهي قناة فضائية يجب الاشتراك فيها، ولكن تمت الموافقة على السماح لـ"الرياضة"، وهي قناة عامة، من أن تعرض المباريات بكاملها كل يوم اثنين، لذا فإنه يمكن لأكبر عدد من الجمهور متابعة الأحداث. ويؤمل، ما إذا كان كريليا مذنباً أم لا، بأن النقاش سيحفز على المساعدة على تهيئة مناخ من الحذر.
على كل حال، فإن الخطوة الأولى والمهمة لحل المشكلة تمثلت في الاعتراف بوجودها.